الرئيسية | إبداعات الوطن | شعر | أحمد عبد الحسين ـ أربابُ جمشيد

أحمد عبد الحسين ـ أربابُ جمشيد

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

أحمد عبد الحسين 

طوال السنتين اللتين قضيتهما في إيران لم أكتب سوى نصّ شعريّ واحد، ظلّ يعيش معي دون القدرة على تدوينه. أخيراً في نهاية سنة 1991 كتبتُه، وغادرتُ إيران بعدها متوجها إلى دمشق. أسميت النصّ "أرباب جمشيد" ونشرته في كتابي "عقائد موجعة" الصادر عن دار ألواح سنة 1999. وهذا هو.

 

 

 

أربابُ جمشيد
نص: أحمد عبد الحسين

 

 

1
الحقيقةُ أنهم أنزلوهُ إلى حفرتهِ وهو يتمتمُ: "ما طبُّكم.. ما دواؤُكم"؟ 
الحقيقةُ أن أخته تركتْ ربيعَها وراء ماكنةِ الخياطةِ، وتبعثرتْ أمامَ المرآةِ تشدُّ حجابها،
الحقيقةُ أنّ أخاه يثمرُ لصْقَ الحائطِ ويكشفُ في الظلّ عن معتقداته، 
الحقيقةُ أن أمّه تتعثر دائماً بأباريقها، 
غيرَ أنّ الحقيقةَ لا يمكن سردُها ولا توصيفُها 
الحقيقةُ هي الموقفُ الذي يخترقُ نظامَ السرد. 
2
ولتسردْ ما شئتَ، فللموتِ أربابُه، ولجمشيد أربابه أيضاً،
وها آباؤكَ منذ الفجرِ يجرجرونَ أمعاءهم على الثلجِ البائدِ 
مهتوكين بظلمة اليقين، بالخطوات التي تؤرخُ قيامةَ الضلعِ المحنيّ على جنينٍ مُمتَحَنٍ بملائكة العطب، 
بينما الجسدُ آية محرّفة، 
بينما الأمّ ممرٌ للطيورِ الكسيرةِ 
والأبُ ممحوٌّ بحضوره، 
محفوفٌ بهتافاتِ الغدِ الأحدبِ 
مظلمٌ وليس يضيئهُ إلا الرعدُ 
الرعدُ 
الهزيلُ 
الهائمُ 
الذي يهتزّ تابوتُه في كتابيْ، 
فبمن أكترثُ بعد ذلك؟ 
بأنينِ قبورِكَ التي ترفرفُ يائسةً وتضحكُ منها ملائكةُ الدموعِ؟ 
بجنّةِ الرملِ؟ 
بإسطبلِ الصلاةِ؟ 
أم بجمشيد، يتلفُ آباءه وينشرهم قميصاً قميصاً، 
وها، عارياً مع كل صلاة، 
عارياً بعد كلّ صلاةٍ، 
توجزه الريحُ 
ويرويه الأبُ المائلُ على السياجِ المائلِ في انقضاضهِ الوشيكْ.

 

 

3
وشيكاً سيهتفون: "ما طبّكم.. ما دواؤكم"؟ 
وشيكاً سينقضّون كلاً بحكمته آخذين الفجرَ أخذَ آباءٍ يمتحنونَ أبديةَ الثلجِ البائد بجنينٍ مدمّى وضلعٍ مكسور، 
وسينزلون الحلبةَ مع هتافٍ وحيدٍ لشمسٍ وحيدةٍ تعيدُ عليهم الغدَ ذاتَه؛ 
حيواناتهِ وتماثيلَه، 
وسيرتجفون لديمومةِ الريحِ 
سينحنون لأبوّاتٍ سوداء تتراشقُ نوافذُها بأبناءٍ طالعين توّاً من الكتفِ العاري 
وسينهزمونَ 
الهواءُ سيهزمهم 
الراياتُ المنكّسةُ بحنوٍّ في المنعطف الحاني ستهزمهم 
جمشيدُ، يثمر لصقَ الحائطِ ويكشف في الظل عن معتقداتهِ، عن أوبئتهِ؛ 
سيهزمهم 
يتلفهمْ ثم يعيدهمْ 
4
أتلفهم ثم أعادهم رسلاً عاطلين، غرقى منتفخين تشمّسهم العيونُ الحزينةُ، 
لكنهم مع ذلك سيأتونَ كلاًّ بخفقانهِ وأسلحتهِ: 
سائقُ الرعدِ إلى الشرفاتِ الواطئةِ فلا تتفقّسُ الأجسادُ إلا بأذنه؛ سيأتي 
رومانُ فتّانُ القبورِ سيأتي 
وسيأتي الغرقى الهاطلونَ مع المطر 
والحدادون الذين يزِنونَ الظلَّ بميزانِ اليقظةِ 
والهائمونَ في الحدائق الضائعةِ مع أطفالٍ ضائعين 
وسيأتي أيضاً ملائكةٌ مرضى 
يقرعون أجراسَ رائحةِ الشفاءِ في رأسِ جمشيد

 

 

5
رأسُه الذي شمّسته العيونُ الحزينةُ …. من أين؟ 
يداهُ اللتانِ تقرآنِ الينابيعَ…… إلى أين؟ 
قلبه ….. متى؟

 

 

6
متى تتقدّمُ هذه الصحراءُ لتنكشفَ لي إشارةُ حيوانها انكشافاً تسقط به قواها 
حتى لا يبقى ذو روحٍ إلا ونارُ غيابي قد أحرقتْ ظهورَه؟
متى شيخُ القراءةِ ينجزني معافىً من الأملِ، بريئاً كفمٍ يريد أن يقولَ: ماذا ستعطيني؟ 
ـ مئذنةً أم فراشةً محترقة؟ 
هكذا أبدّدُ بنات الفجرِ الطالعاتِ من شفقِ الرغبة مقروءاتٍ بألسنةٍ سامّةٍ 
كأنهنّ مصائدُ يخبّئها الزائلُ للزائلِ، 
ـ ماذا ستعطيني؟ 
إنْ لم يكنْ إلا مساؤكَ يغلي ومآذنك تستنطقُ النائمينَ 
فلتكنْ ردماً في سياجٍ سينقضُّ أو جرساً في عنقِ ثورٍ مذبوح 
ـ ماذا ستعطيني؟ 
ـ مئذنةً تجرجرها فراشةٌ محترقة.

 

 

8
أحرقتُ مآذنكَ وحطبتُ قبابكَ 
وتدليتُ إليك مجلوّاً بالكلامِ 
مهتوفاً بي من مكانٍ بعيدٍ 
كأنني قبرٌ يرفرفُ يائساً وتضحك منه ملائكةُ الدموعِ.
أنتَ مكتوبٌ بسطوات المعدنِ ويقرؤكَ من يشاءُ 
وأنا الحارسُ على شعبٍ سكران 
هتكتْني إليك ثيابي 
هتكني إليك المغيبُ 
هتكتني يمامةُ الخجلِ فتكوّمتُ أمامكَ 
أسيرُ بكَ منقطعاً إليَّ 
أقولُ: متى تتهدّم وتتكوّمُ على ركبتيك أجراسُ النهار؟ 
فتقول: متى أشبع من تلاشيك لأقرأك؟

 

 

مكتوبٌ بسطوات المعدن 
ويقرأ من يشاء.

 

 

9
وهذه مشيئتي: 
أحيّيك بما لا أطيقُه 
بالأقاصي التي ينسجها الكلامُ. 
أؤمنُ بك وأنتظر قيامتَك أيها الجسدُ 
يا آيةً محرّفة.

 

10

 

- أتؤمنُ به؟ 
- الشياطينُ تؤمنُ به 
وتقشعرُّ له.

 

11

 

لذلك أؤمنُ وأقشعرّ، 
لذلك أبكي.

 

 

الواقفُ في فراغ النافذةِ 
تومئ له النهاراتُ بمناديلها الألفِ، 
العابرُ تحنو عليه الغيومُ ويشتملُ عليه شمعدانُ الدموع، 
للرعدِ الهزيلِ الهائمِ الذي يضيءُ حاجبيهِ،
لملائكةِ اليأس المرفرفة على أكتافه، أبكي 
لأجله أبكي. 
....

 

قم ـ 1991

شوهد المقال 315 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حميد بوحبيب ـ الشرذمة ترفض رهن البلد :

د. حميد بوحبيب  القفزة النوعية التي حدثت في الحراك الشعبي جديرة بالتأمل :كانت الجماهير من قبل تطالب بحقها في السكن بكل صيغه ، وتغلق الطرقات
image

رضوان بوجمعة ـ إلى أين تتجه الجزائر؟ التوافقات الممكنة لتغيير النظام وإنقاذ الدولة

د. رضوان بوجمعة  هل تتجه الجزائر نحو الوصول الى توافقات سياسية من أجل بناء الدولة وانقاذها؟ أم تسير بمنطق ستينيات القرن الماضي، أي بالإقصاء والعنف
image

مروان لوناس ـ الحراك الجزائري ليس غوغائيا أو شعبويا

 مروان لوناس    البعض لم يبتلع أن يخرج الحراك في جمعته 34 صارخا ورافضا ومنددا بقانون المحروقات..فبدأ التشنيع والهمز واللمز في حق الحراك باسم الشعبوية
image

خالد لنوار ـ الحراك وقانون المحروقات الجزائري الجديد

خالد لنوار   بصفتي إطار في سوناطراك وعامل في مجال العقود والشؤون القانونية "Direction juridique et Contrats - Division Association "،مداخلتي ستكون فيما يخص قوانين المحروقات السابقة
image

نوري دريس ـ قانون المحروقات لسقي الشبكات الزبونية

د.نوري دريس   أضع الملاحظات التالية حول قانون المحروقات: لا يمكن لمن يضع الحواجز أمام المستمثرين الخواص في الداخل( في الفلاحة، الصناعة، الحرف، السياحة...)
image

يسرا محمد سلامة ـ ما طار طيرٌ وارتفع إلا كما طار وقع

د. يسرا محمد سلامة   التفوق في معناه العام ليس بالضرورة أنْ يكون دراسيًا، فكم من امرئٍ لم يكن في يومٍ ما متفوقًا في دراسته، ثم أصبح
image

نجيب بلحيمر ـ جمعة تحييد العنف وحماية الجزائر

د. نجيب بلحيمر   "حاشدة".. هذا هو الوصف الذي يمكن اطلاقه على مسيرات الجمعة الرابعة والثلاثين من الثورة السلمية. في العاصمة كما في مختلف مدن
image

رضوان بوجمعة ـ من "الصرح المؤسساتي" إلى "الفراغ الدستوري"

 د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 116  أهم ما يمكن قوله اليوم في الجمعة ال 34، أن الأمة الجزائرية مصرة، وغير مستعدة، للتنازل عن مشروع بناء الجزائر الجديدة
image

زهور شنوف ـ رسالة إلى سميرة موسوسي ..من معتقلات الحراك الجزائري

زهور شنوف   مرحبا سيدتي،لا أعرف كيف يمكن أن يبدأ المرء رسالة إلى شخص لم يلتق به من قبل، لذلك فكرت أن أسأل "غوغل" الذي بات يَعرف
image

اليزيد قنيفي ـ ماقلّ ودل...!

اليزيد قنيفي   • نُدَرِس مباديءالإسلام في المساجد وفي المدارس والجامعات لكن الحاكم يغتصب السلطة.. والوزير يسرق..والنائب يخون.. والوالي يتحايل..والمواطن يشاركهم أيضا..أين الخلل..؟

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats