الرئيسية | إبداعات الوطن | شعر | محمد جربوعة - مسعودةُ الثنايا .. أسطورة " الكره العذري " الحلقة الثانية

محمد جربوعة - مسعودةُ الثنايا .. أسطورة " الكره العذري " الحلقة الثانية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

محمد جربوعة

 



فتحت الثنايا عينيها على رداء من البياض بعد ليلة باردة..وهرع الكبار إلى صغارهم يوقظونهم ويزفون لهم البشرى منذ الفجر ( إنه الثلج) .. والثلج كالعيد ، لا يجيء إلا ومعه فرحه.. 
واصطفّ أهل البيوت أمام واجهات بيوتهم .. يرمون أبصارهم بعيدا في كل اتجاه ، يمسحون بأعينهم هذا المشهد الناصع المترامي..وارتوت عيون الكبار مِن ( رحمة الله) ولهجت ألسنتهم بالحمد على هذه ( النعمة) التي تُنبِت الزرع وتسقي الضرع..وهرعت النساء إلى ما عندهنّ من آنية كبيرة يملأنها ثلجا يستغنين بمائه بعد الذوبان عن الماء الذي يجلبه الرجال من العيون والآبار البعيدة.. 
حتى الكلاب..اجتمعت تتهارش وتتناوش، وتبدي فرحها..وانطلقت مجموعات الدجاج من خِممتها تنكش الثلج ، وتتأمله.. 
كانت مسعودة آنذاك أمام بيتها ، تفرك يديها ، وتلفهما في لثام صوفي يتدلى من على كتفيها .. وهي تتأمّل بيوت البلدة ، متحاشية النظر إلى بيت الشايب ، رغم كل ما يدفعها إلى ذلك من الفضول وأشياء أخرى ، منها أمنيتها بأن يسقط سقف أو جدار بيت الشايب بسبب الثلج.. 
ثم تعود لتقول في نفسها :إذا سقط بيته فقد تكون مناسبة لمساعدته وإيوائه ، والتشفي فيه بإكرامه من طعامنا وزادنا..
حتى إذا بيتهُ للأرض قد سقطا 
وذابَ حائطهُ ،وانشقّ، وانفرطا 
يكون ذلكَ في رأيي مناسبةً 
لكيْ نقابل بالإحسان مَن غلطا 
والناس أفضلهم في الأرض قاطبةً 
من يكره الناس أو يهواهمُ وسَطا
لم يكن الثلج دهشة مرئية فقط .. بل كان أيضا طقسا جميلا للصمت ، وفجأة تلتفت كل وجوه الناس إلى سفح الجبل ، حيث يتراءى شبحان أسودان يتقاتلان ، يتقاربان ويتباعدان .. وقد جرى الرجال وبعض الأطفال ، يستجْلون الخبر.. بينما فعل الفضول والخوف في النساء ما هنّ أهل له بقلوبهنّ الفضولية والرقيقة.. 
ولم يكن المشهد سوى معركة حامية الوطيس وقتال شرس، بين الشايب وخنزير بريّ ضخم..
وكعادته حين ينزل الثلج ، رغب الشايب في القيام بجولة حول البلدة ، مستكشفا .. وقد هاجمه في سفح هذا الجبل خنزير ثائر .. 
وما كاد الرجال يصلون إلى مكان المعركة ، حتى طرح الشايبُ خصمه الشرس بضربة من الفأس التي كان يحملها.. 
كان بعض الصغار قد سبقوا الكبار في العودة إلى البيوت ، منحدرين من السفح يجرون.. وسرى الخبر بين الناس سريان النار في الهشيم .. ولم يكن الأمر غريبا عنه الشايب الذي عرف منذ صغره بشجاعته التي تبلغ أحيانا حدّ التهور ، وبإقدامه الذي يتماهى مع الجنون.. 
أما مسعودة حين بلغها الخبر ،فقد تخيلت ( نعيمة) ، ابنة عمّ الشايب ، تلك التي تهيم به حبا ، وتشيع في الناس أنّها مخطوبة له منذ الصغر ،تتخيلها وهي تزيد في القصة وتنقص مفتخرة بابن عمها بين صبايا البلدة.. 
وضغطت مسعودة فكّيها حنقا ..وهي تقول :
ستزيدُ ، تُنقِص في الحديثِ،وتحلِفُ 
وتقولُ ما يسبي العقولَ وتُسرفُ
أنا لا أخالفها بشدّة بأسهِ 
أبدا وكلّ الناس مثلي تَعرِفُ 
وبأنه ما عنده قلبٌ ولا 
في الهول يرجع للوراء ويرجُفُ
وبأنه متهوّرٌ ، ومغامرٌ 
منذ الصبا، طبعًا ،ولا يتكلّفُ
لكنّها حمقاءُ تجهلُ أنّ مَن 
يُغري النسا، مَنْ بِالشجاعةِ يوصفُ 
أفلا تغارُ؟ وكلّ بنتٍ حولها 
إن حدّثتها ..قد تميل وتشغُفُ 
تلقي – لتسمعَ- ذقنَها في كفّها 
وتروحُ تسبحُ في الخيالِ ..وتنزفُ 
لو كانَ ( فاتنُها) ابنَ عمّي،صنتهُ 
وإذا النساءُ سألنني ،أتأفّفُ
لكنْ..هداني الله ..ما دخْلي أنا ؟ 
هي حرّةٌ ، وكما تشا تتصرّفُ
لم يكن للبلدة ما يمضي به السامرون حول النار ، بدايات ليلهم،وما يقضي به الشيوخ الكبار أوقاتهم مستندين إلى جدار المسجد الصغير ،منتظرين الصلاة بعد الصلاة.. سوى هذه الحادثة .. التي ستلوكها ألسنة الناس إلى أن يأتيهم ما ينسيهِموها .. وكان كل ذلك يزيد من جنون مسعودة وغيظها .. وهي التي لا تكاد تنتهي من قصة له يتحدث بها الناس ، حتى تجيء قصة غيرها ..
وفي السفح اجتمعت كلاب البلدة على الخنزير تنهشه..

 

شوهد المقال 1811 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

البرهان حيدر في ديوانه " إلى إمراة ما " قصيدة النوم بين ذراعيك

البرهان حيدر      حين أنام بين ذراعيكِ، أنسى الألم من حولي … أشعرُ أني فراشةٌ تمتصُ رحيق العالم من ثغرك النابضُ كزهرةِ رمَّان في المساء.
image

فوزي سعد الله ـ باب الدِّيوَانَة...باب السَّرْدِينْ...باب الترسانة...

فوزي سعد الله   خلال العهد العثماني، كانت هذه الباب التي تُعرف بباب الدِّيوانة، اي الجمارك، وايضًا باب السَّرْدِينْ لوظيفتها المرتبطة بنشاط الصيادين، بابًا
image

وليد عبد الحي ـ العُوار في تحليل الاستراتيجية الامريكية في الشرق الاوسط

 أ.د. وليد عبد الحي  يبدو لي ان محاولات التنبؤ بالسلوك الامريكي في منطقتنا تعتورها إشكالية منهجية تتمثل في محاولة تفسير السياسة
image

أزراج عمر ـ قصتي مع مخابرات نظام الشاذلي بن جديد

 أزراج عمر   أنشر هنا لأول مرة وثائق المتابعات العسكرية والمخابراتية والأمنية ضدي في عام 1983م بسبب قصيدتي " أيها
image

نصر الدين قاسم ـ "الإعلام" في الجزائر.. عار السلطة والنخب الآخر

نصرالدين قاسم  (هذا مقال كتبته قبل عشرة أيام للجزيرة مباشر، لكنه لم ينشر لأن مسؤول القسم قدر أن "البوصلة متجهة ناحية مصر"**  الإعلام لم يكن في الجزائر
image

رضوان بوجمعة ـ الجزائر الجديدة 109 سياسيو التعيين في جزائر التمكين

 د. رضوان بوجمعة    نجحت الأمة الجزائرية في جمعتها ال31 اليوم، في أن تحاصر الحصار الذي فرض على العاصمة بتعليمات رسمية أقل ما يقال عنها
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجزائر31 مظاهرات لحقن الدماء ..

د. العربي فرحاتي  كم هو مؤلم أن تتعاطى السلطة الفعلية مع الحراك الشعبي السلمي بمنطق (الاعداد) فتجتهد ولو بخرق القوانين والدستور إلى إجراءات تخفيظ
image

محمد هناد ـ الحل لن يأتي من العسكر

د. محمد هناد    السيد أحمد ڤايد صالح، لا يمكنكم – وليس من صلاحياتكم على أية حال – حل الأزمة السياسية الحالية بصورة منفردة. يكفيكم أن
image

محمد هناد ـ لا لانتخابات رئاسية مفروضة !

د. محمد هناد  أيها السادة أعضاء القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي :   القرار الذي اتخذتموه بصورة متسرعة وانفرادية بشأن إجراء انتخابات رئاسية قبل نهاية السنة الجارية
image

حميد بوحبيب ـ مشاهدات من قلب العاصمة الجزائر La bataille d'Alger act 2

 د.حميد بوحبيب  بعد خطاب استفزازي مسعور وتهديد بتوقيف كل من يشتبه فيه أنه من خارج العاصمة .بعد استنفار قوات القمع ومضاعفة الحواجز الأمنية واعتقال عشرات المواطنين

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

1.00
Free counter and web stats