الرئيسية | إبداعات الوطن | شعر | حيزية ... الحلقة السابعة والعشرون

حيزية ... الحلقة السابعة والعشرون

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

محمد جربوعة

فجرا..كانت نسائم أول الخريف تتداخل بنسائم آخر الصيف .. واهتزت الهوادج وتمايلت العير وضبحت الخيل في اللُّجُم.. وسيقت القطعان ، ولولا غبش الليل الذي لازال يبسط على المكان رداءه لظهرَ نقع الحوافر وغبار الأقدام متعاليا..
احتمل القوم متاعهم ونقضوا خيامهم ، ولم يتركوا غير دِمَنهم وبقاياهم في (بازر ).. وطارت قلوبهم تسبقهم إلى سيدي خالد ..
كانت حيزية في هودجها تسترق النظر رغم الغبش إلى ما خلفته وراءها من ذكريات ..ولولا ما كانت تحس به في تلك الساعة من الصداع والحمى ، لكان لها في وداع هذا المكان الذي ألِفَه قلبُها شأنٌ آخر..
كان خداها متورّدين .. بينما أصابعها تشد على جبينها وتعصره .. ورغم ما بها ، فقد كانت تمنّي نفسها بالعافية..
كانت تحاول أن تخفي الأمر عن سعيّد ، رغم أنّها أخبرت أمها بما تجده في نفسها من الوهن،لتجيبها وهي تبتسم ابتسامة أنثى مخضرمة: ( ربما سأصبح جدة عن قريب)..
ولعلّ أحد الصغار قد سمع ما دار بين حيزية وأمّها،فجرى إلى سعيّد يخبره..
كانت الوهاد والنجود آنذاك قد زفرت الظلام وملأت رئتيها وعينيها ضوءً.. وبدت معالم الطريق والمكان .. واقترب سعيّد من هودج حيزية ، وحين حاذاه ، أنشد يقول :

قولوا لواسعة العينين ما الخبرُ ؟
وما بها ظبيتي السمراء ؟ ما الضررُ ؟
أنا هنا يا التي في القلب مسكنها
أهدّئ النار في قلبي ،وأنتظرُ
وما تُسرّ فتاة جوف هودجها
لأمّها ، مثل ريح العطر ينتشرُ
فسامحَ الله من في الريح نشهقهمْ
وهُمْ بنا رغم تلك الحال ما شَعَروا
هل ما سمعنا صحيحٌ ؟ من يبشّرنا ؟
وما اسمُ مَن فيكِ؟ (أمُّ الخيرِ) أم (عُمَرُ) ؟
قلبي عليها قليل الصبر، يوجعني
وقلبها بنت عمّي ،قلبها حجرُ
ورغم ما بها ، ابتسمت حيزية من جنون ابن عمّها،وأحسّت بنشوة الدلال....والنساء زهور لا تملك أمام رياح الدلال استقرارا .. يهزّهن المدح والثناء والتدليل، ويرجّفهنّ نسيم الغرور..
ولم يكن عندها من الشجاعة لتخبر سعيّد بحملها ، لكنّها أطلت عليه من هودجها وهي تطمئنه همسا:

بالخير صبّحتُ وجه الخير بالخيرِ
أموت فيكَ.. صباح الخير .. يا عمري
أهديك أحلى رذاذٍ في نسيم صَبا
وما تفتّحَ في الدنيا من الزَهرِ
لا بأسَ، خيرٌ بإذن الله ..مرهقةٌ
صداعُ رأسٍ،وبعض الضيق في صدري
ولفحُ حمّى ..ببعض الماء أُبرِدُهُ
وليس كالماءِ يا ابن العمّ للجمرِ
وقد نظرتُ إلى عينيكَ متعبةً
قد أستريحُ.. وقد أشفى ..ومن يدري؟
والله يغسلُ بالأمراض مَن صبروا
ويرفع اللهُ ضرّ الناس بالصبرِ
فلا تخفْ يا حبيبي .. غيمة طرأتْ
وسوف تعبرُ بعد الفوز بالأجرِ

ولأنّ سعيّد يعرف جيّدا غرور ابنة عمه، وما يفعل فيها الغزل ..فقد صبّ من يقطينة ميبّسة كفّ ماء ورشّها به..فقالت وهي تخشى أن يلاحظ القومُ لهوهما: (يا مجنون)..
ليردّ عليها :
مَن لم يُجنَّ برمشٍ ،فهو مجنونُ
ومَن بعينينِ لم يفتنْ..لَمفتونُ
وأسوأ الناس حظا من بكى وشكا
لمن أَحَبّ..وما في الشوك زيتونُ
وليس يُفتى بأمر الحبّ في بلدٍ
وفيه شيخٌ كثيرُ العشق ، ملعونُ
وليس في الحبّ وصلٌ دائمٌ ،أبدا
وليس فيه برغم ( العهد) (مضمونُ)
وأكثر الموت في العشاق طَعْنُ قفا
من لم يَخُنْ مَن هواهُ ، فهو مطعونُ
علامة الحبّ شيبُ الرأس في عجلٍ
ثمّ النحول، وذا في ذاك مقرونُ

ومن أسرّ لميسونٍ بنار حشا
زادته نارين فوق النارِ ميسونُ

وضحكت حيزية ورأى سعيّد اتساع شفتيها بتلك الضحكة الصافية البريئة ، وأراد أن يقول شيئا تماديا في جنونه ..فنهرته وهي تقول:
ألا تخاف أن أخبر القوم وأفْضَحَكَ عندهم ..؟
قال : وما الذي ستقولينه لهم ؟
قالت : أقول:

يا ناسُ هذا حبيبُ الروحِ يا ناسُ
طفلٌ صغيرٌ ، رقيق القلب ، حسّاسُ

كأنه كأس ماء، عشت أرشفهُ
وما ارتويتُ..ألا فليسلم الكاسُ

وضحكا ، بينما كانت الإبل تمدّ أعناقها نحو الجنوب ..يستعجلها الشوق إلى الديار..

شوهد المقال 1316 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي
image

خديجة الجمعة ـ شاه القلب ...أبي

خديجة الجمعة   شاه القلب :هو الذي يعلم أنه إذا غاب أنا بانتظاره، وإن نام اتفقده  . وهو الذي يعلم اشتعال الكلمات بين أصابعي حين اكتب عنه.
image

مريم الشكيلية ـ أوراق مرتبة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان   يدهشني أن كل الأشياء التي تركتها مبعثرة خلفك تترتب في رفوف مخيلتي....رغم تلاشي رسائلك المكتوبة بربيع قلم لا تزال تنبت كالعشب
image

مخلوف عامر ـ المحامية جيزيل حليمي زمن المبادئ والالتزام

 د. مخلوف عامر  تفانَتْ (جيزيل حليمي)في الدفاع عن (جميلة بوباشا) وألَّفت عنها كتابها المعروف بتشجيع من (سيمون دي بوفوار)ورسم بيكاسو صورة مُعبِّرة لـ(جميلة).واستوحِي منه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats