الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | قصة قصيرة: عصفورة بلا جناحين

قصة قصيرة: عصفورة بلا جناحين

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
هبة محمد سالم *
 
(1)
يأتى الربيع، تتفتح الأزهار، يغادر الاصفرار، تظهر زرقة السماء، تبدو الأرضُ فرحة خصيبة، تشدو الطيور بنغم جميل، نذهب إلى الجامعة، يعترينا النشاط والحيوية، تتوارى أشعة الشمس الساخنة، يسود الظلُّ المكان، نسير سيرًا بطيئًا، نقضي ساعتين فى المحاضرة، لم نفهم منها سوى بضع كلمات؛ تلاقت مع أفكار كامنة بداخلنا منذ الصغر، يتكلم الطلاب، بنون، بنات، الكلام لا ينتهى، كأنه يستخرج من بئر عميق .
(2)
تسبقنى عيناي، تقع على مكتبه، تتأمل محاسنه، تتمنى لقياه، أنظر إليه محدثة نفسي: "هل يمكن أن يأتي معي ؟ ". أرفع عيني، تتلاقى بعينيه، فكأنه سمعني حيث أهمس لنفسي، يشير بعينيه البريئتين بالموافقة، العينان اللتان أشعرتاني بأن الحياة بها خير وفير، بأن كل شيء على ما يرام، بأن العشق يبدو لذيذًا، لكنه يشعرني بالجوع العاطفي، كلما نظرت فيهما أشعر بأنني لم أرتوِ بل فى حاجة إلى المزيد، آخذه من يده فكأن سلكًا باردًا لمس يدي، أجلسته معي تحت المظلة، تساندها شجرة كافور عالية، تحيط بنا نسمات رقيقة، وأشعة فضية، أتعجب من حال هذه الشجرة، لا يوجد بها مكان إلا وتحتله عصفورة ملونة، يعانقها عصفور ليس ملونًا تراه فى أزهى الألوان، كعريس فى زفافه يشدو بنغم من حب، تبادله الصوت بالصوت، الحب بالحب، تشير إليّ إحداهن؛ سمينة عنهن لكنها خفيفة الظل، أوافقها على العرض، تأتى إليّ بجناحين جميلين، ألوانهما برّاقة، تناولتهما منها، أطير بهما أحلق حوله مبتسمة سعيدة، يرتجف، يخشى أن أغادر وأتركه، تسبقني لهفتي:
 " لا تقلق سآخذك بين جناحي، سأضمك إنك طفلي، لكنك طفلٌ شقي وعنيد، أحلق فوقه ثانية، أقترب منه، أقبّله، جبهته ناعمة، أطير بجانبه، فوق الماء، أنتقل إلى الشجرة، أقبلت عليهم:
 " هل لي من مكان ؟ ! " .
أفرح بوجودي معهم، بسماعي تغريدهم، أشعر بأنني فى جزيرة مسحورة، يكسوها اللون الفضي الساجي، تطرزها الأزهار الملونة، تبرز منها زرقتان، زرقة المياه، وزرقة السماء، أنظر إليه، أجده يضحك، علامات السرور على محياه، أفرح لفرحه، يهمهم:
 " أشعر بأن حياتي ستبدأ من اليوم، وكل ما فات من عمري وأدته فى رحم الأرض، لعلها تلده أيامًا نقية أضيفها إلى عمري الحالي السعيد" .
(3)
أودُّ لو أن كل شيء يحيطنا يخبره بمدى حبي، بمدى شوقي، توددت لأصدقائي العصافير:
" أخبروه أنني أحبه.، أحبه اليوم وأمس وغد".
يلتفون حوله، يخبرونه فى صوت رقيق، عذب رنَّان:
 " إنها تحبك ".
 يكررونها، يبتسم ابتسامات عميقة ناظرًا إليّ فى سهوم، أخجل من سهومه، أطير، أقف بجانبهم يحزنهم حالي، وفجأة، ينكسون رؤوسهم، فلما انقلب حالهم تساءل:
 " لن تنزل ثانية، أخبرونى ؟ ".
 يظلون على حالهم، يظن حالهم تلك تأييدًا لكلامه، ينكس رأسه، قلبه ينفطر، دموعه تتساقط، تبتلعها الأرض فى رحمها، تنبت ياسمينة رائعة.. أنصت، أسمع صدى بلا صوت يدوى:
 " أشهد اللهَ إني أحبها أتمنى أن تبقى العمر بجانبي، أياسمينة دموعي، توسلي لي عندها، ابعثي إليها برسول من رحيقك يشفع لي عندها، أخبريني هل الحب عندها الهجر، البعد ؟ ! قولي لها إني لن أعيش اليوم بدونها، بدون حنان قلبها، قبلتها على جبهتي " .
ينتشر الصدى فى كل أرجاء المكان، يأتى بعده صدًى آخر بكلمات أرق، تخطف القلب حساسة مرهفة، تدخل القلب، تستوطنه، أشفقت عليه، أطير، أخفق الطيران أقترب منه متسائلة:
 " أتبكي من أجلي ؟ !.
  يسارعني: " بل أتمنى أن يستمر بكائي حتى تجف أنهار العالم " .
أتأكد:
 " أتريدنى حقًا ؟ ".
 يتنفس نفسا عميقا:
 " يا لشوقي لكي، لن أستطيع العيش بدونك!" .
(4)
أطير، أهبط على الأرض، أخلع الجناحين أعطيهما صديقتي العصفورة، أجلس على حافة البحيرة الساكنة، يجاورني، نرفع عن ساقينا، ننزلهما المياه؛ تبدو باردة حقًا، لكنها لطيفة، يأخذ بحفنة منها يودعها سر حبنا، يرفعها إلى الأعلى، تتناثر، يبتلع كل جزء من الأرض قطرة من حبنا، ينظر إلي فى شوق:
 " أنتِ روحي التي انفصلت عنى ثم رُدتْ إليّ، لن أتركها تذهب ثانية " .
ينتهى حديثه هذا، فيبدو لي الصباح رحلة إلى البداية، أذاقني حديثه هذا ألوانًا من الإنتشاء، تزداد خفقات قلبي يساورني شعور بالأمل، فجأة توقظني صديقتي في صوت قوي: " ميعاد المحاضرة، لنستعد للمناقشة، أسرعي " .
أرتجف، تعتريني دهشة، لكني لم أعبأ بكلامها هذا، أدخل مكتبه، أجلس على الكرسي، أتذكر أنني كنت أجلس معه منذ خمس دقائق على المظلة، تلك التي ينسجها خيالي، إنه نسيج عنكبوت لكنه محبب إلي.. بل و إن امتدّ بي العمرُ سأظل أجلس نفس الجِلسة فى نفس الموعد لسنوات كثيرة قادمة، يا له من وقت؛ ذلك الذي أقضيه معه فى عالم أصنعه في خيالي  ...
أستمع إلى حديثه مع الطلاب أثناء جلوسي فى أحد أركان المكتب، أنصت إليه، يا لروعته، بل يا لخفة ظله مع رزانته، أنصت إنصاتًا تامًا، أحاول اكتشاف ما بداخله من أفكار، لكنه لم يبح بشيء عن شخصه، لا يتحدث إلا فى المنهج والمقرر، تمرّ دقيقتان وأنا أتأمل، تقع عيناه عليّ، يرفعهما، ينزلهما ثانية، تتلاقى عيناي بعينيه أكثر من مرة، لكنه يتجاهلني، يا حسرتي! إلى من أشكو، أنتظره حتى يحبني؟! متى تمتلكني الجرأة، لكن.. لا يبق إلا الصمت الذى أتذوق فيه طعم ذرات الملح بين الأضراس، إن أجمل لحظات حياتي أعيشها فى عالمي الخاص، وفى هذا العالم الأخر قد يصبح اليوم نهرًا من التواصل والحب والأشتياق.. 
 
*   باحثة أكاديمية من مصر

شوهد المقال 4465 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

عماد ربيع ربيع محمد في 05:23 21.05.2014
avatar
فتح الله لكِ وعليكِ أديبةً ألمعيةً ، وأفاض عليك من خيراته ... فهذه القصة تحمل في طياتها ذكريات ماضٍ مشرِّفٍ قد ولَّى وانفضّ ، وتجسد بعضاً من أحداث الحاضر ، ولا يبرح قارئها حتى يمزج تلك الذكريات بهذه الأحداث محلقاً بها في فضاءٍ من الخيال إن لم يساعده الواقع .....

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فيصل الأحمر ـ الحراك و"المابعدية" (أو حديقة الحيوانات الأيديولوجية )

 د. فيصل الأحمر    فجأة ظهرت فصائل كثيرة ناتجة عن الحراك المبارك في الجزائر وكلها تتبنى السابقة المغرية "ما بعد":*مابعد الثوري: وهو مثقف كهل ركب الحراك ثائرا
image

نوري دريس ـ حينما ترى أعين حشماوي أيدي المخابرات الخفية, وتعمى عن رؤية ألاف الشباب في الشوارع

د. نوري دريس  في حوار مع مجلة la Croix, يدافع عالم السياسة الجزائري محمد حشماوي عن اطروحة مفادها ان الاجهزة الامنية( المخابرات) هي
image

وليد عبد الحي ـ العالم الى اين؟ الحاجة للدراسات المستقبلية

 أ.د. وليد عبد الحي  لأن المستقبل يأتي قبل اوانه بفعل تسارع ايقاع التغير ، فان رصد وقياس حركة ومكونات الظواهر وبمنهجية كلانية(Holistic) اضحى احد مسلمات
image

السعدي ناصر الدين ـ الأربعة الذين تحكموا في مصير الجزائر قبل 1988

السعدي ناصر الدين    هــؤلاء الاربعــة كانــوا يتحكمــون في مصيــر الجزائــر قبــل احــداث اكتــوبر 1988.. الشاذلــي بن جديــد قــائد مسيــرة ضيــاع انهــاها بالسقــوط والبكــاء على
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام ..الخوف المرضي .. Macbeth و Shakespeare

د. عبد الجليل بن سليم  بالنبسة ليا مسرحية Macbeth ليست العمل المدهش لشكسبير لكن هي مسرحية على حسب فهمي من الاعمال العظيمة التي
image

مرزاق سعيدي ـ عاشق الأرض.. والنرجس

 مرزاق سعيدي    عاشق الأرض.. والنرجس*!أشعُر بالخوف على الطبيعة كُلّما صادفت في قلب العاصمة الجزائر أشخاصا يبيعون النرجس البري بأثمان ملتهبة، وخوفي لا علاقة له بالسعر
image

رضوان بوجمعة ـ القضاء المعطل.. الشعب المناضل والعدل المؤجل!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 162  هذه هي الثلاثية التي تصل إليها وأنت تحاول تلخيص أكثر من 15ساعة من جلسة محاكمة فضيل بومالة، أمس، بقاعة الجلسات
image

يوسف بوشريم ـ فضيل بومالة ضحية الأمية الإلكترونية

 يوسف بوشريم  من خلال وقائع محاكمة المفكر والمثقف الحر فضيل بومالة والتهم الموجهة إليه و(مصدر الأدلة) الموجودة في الملف أكتشفت أن المتهم الحقيقي من
image

العربي فرحاتي ـ الحراك..وانبعاث الاستئصال إلى الواجهة ...

 د. العربي فرحاتي  لم أقتنع لحظة واحدة ما روجه ويروجه ورثة الكاشير من النوفمبريين الباديسيين من أن الفكر الاستئصالي الدياراسي يكون قد فارق السلطة الحاكمة
image

نجيب بلحيمر ـ أنا فضيل بومالة .. باسم الحرية أحاكمكم

نجيب بلحيمر   ساعة علقت على حائط قاعة الجلسات الثانية بمحكمة الدار البيضاء كانت تشير إلى الساعة 12 و 17 دقيقة.. التوقيت الصحيح كان التاسعة إلا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

3.33
Free counter and web stats