المغرّب .....

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
مأساة الحرس البلدي في الجزائر ..ايقاع خرف لموال منسي.

 زنانرة هارون.

 مدخل: وطني..ما أكثر الساقطين من حضنك ... بلا ذنب .

 


على رصيف حاف ..ينسلخ جلد النهاية ..صباح صيفي أغبر يطبع وجه البسيطة...جثة تتوسّد فراغ كوخ منسي وتعلو نصف متر عن الأرض..العنق منكّسة على صدر جفّ نبضه ، يزيّن محيطها شريط أبيض برّاق ...حول الكوخ استباح الصراخ الفوضوي ..الفضاء الصباحي ...زوجة دامعة وأم نائحة..وعيون فضولية جمعها الصراخ والنحيب ..تتعرى الألوان في الوجوه وتتقلب على دهشة وذهول مشكّلة ..لوحة مشوّهة بلا تفاصيل لمنظر بانورامي ..صباحي باهت.
كان هو.. يسكن علو الفراغ في امتداد الجثة بلا حراك ..يطرد وجهه الشاحب المنطفئ ..آخر قطرة من الرحمة على النفس ..يطوي تلابيب الحكاية التي نبتت قشعريرة ..وأينعت معها المأساة ..فجيعة الأوراق المنثورة من العقل المثقل بحرقة الهرب والوجع والنكران.
مبعثر الأيام كان..تسكنه أشباح سريالية ..تعكر مجاري الصورة في الذهن .. تنام العين على طوى الأرق وتصحو ملء الجفن على صور مسننة..ثقل الفراغ والضيق .. والصبار المزهر في تفاصيل المعاني ..تتعكر الألوان ..تضيق حلقات العين تزداد زاوية التقلص في الجبهة المرتعشة محاولة طرد الصورة المثبتة بعناد في الذهن.. العقار أجبن من أن يسكّن النبض في الإدراك المنفلت ...تلبسه الدهشة فيتسمر متأملا نقاطا متأرجحة في الأفق بلا معنى .. ويفشل دفء الزوجة في طرد برد الفجيعة المتقد والكوابيس المندسة في ليل طويل متمهل .. وتحت جنح الغيم المتراكمة في صور مرعبة ..تنزلق به في شعور خانق ..يتلمس عنقه ..يتزايد شهيقه غير منتظر زفيره ..فيخر غائبا عن المعنى ..والدنيا..والعقل.
شيئا فشيئا..يبدأ التشرد بصمت في مدن ذهنية ..بين زقاقات من زمن أغبر لا يعرف عنها شيئا ..تماما كما تشرد مجهولا ذات حرب ..في الجبال ..زمن البندقية والفتوى المسممة .. والنخوة الآنية تتعلق بامتداد البندقية لأنامله التواقة للقنص..
آه... كان يدا تحمل بندقية وعلما غامض الألوان .. كان جسدا يلبس البذلة الزرقاء الداكنة .. يطارد الظلام ويقف بأنفة على الثغور المتمردة محررا ..كان ينسى ..أن خلف الشهور التي تضيع في النخوة والمطاردة ..أما وعائلة ..وحبيبة تكاد تغدو زوجة..كان يعود ليختفي بين الثلوج والأوحال التي طبعت تضاريس مهملة من التاريخ والبذلة الزرقاء الداكنة ... حتى كان ..أن استراحت التضاريس من غبار الفوضى.
أفاق من خدر النخوة والمطاردة ..على زوايا الخوف والضيق ..اليد نكّست بلا بندقية ولاعلم.. يلفحه الفراغ الطنان..يطارد قوتا هاربا بلا سبيل ..وأفواها تلتصق بجيوبه المهجورة .. والأبواب الهاربة من التقاء العين بالعين .. والتسويف بغد يستريح فيه الجبين من التقلص بحنق مكبوت ..وقلق لاهث .... ولا من يسمع الشكوى .. شكوى النخوة المصادرة والمطاردة المهدورة والبذلة المنسية ..وأنه كان هناك الثغر والمرابط. ... الوطن ضفةآخرى ..لبحيرة ممتدة من التناسي والدمع والنكران.
وبدأت الفوضى تتسلل بشغف إلى مجاري الإدراك في عقله.. أرخى الشرود جدائله على عوالم مبهمة من الهذيان الغيبي المتوهج ..رعب الصمت والنفي داخل النفس ..متاهات متصاعدة على درب التيه .. لوعه ..حرقة النكران..الصدر الرافض المتعالي..والوطن ..ظلمة قعر لاتستقيم فيها المعاني والكلمات ..رسم خرف لقصائد العزة المنسية في خرقة زرقاء داكنة .. وتلك البندقية.. مايزال يتحسس بردها بين الأنامل المترددة..
واستحالت الصور الماضية في ذهنه أفلاما بشعة الإخراج..المشاهد تتكرر دون توقف .. ودون ترتيب ..تقلبه على جنبات الصراخ والعرق المتصبب .. تتعثر النظرات في لحظات قليلة من الإدراك بعيون مواساة ..ومن بقي من أصدقاء..قبل أن تعود للسفر الهارب في مدارات الفجيعة والهذيان... تتمرغ الذكريات والفقد في الوحل .. لتنبت مسننة في الذهن ..تمتص صحراءه الجائعة للهدوء والسكينة .. تثير نيران أهواله .. الجرح والأثر.. والحسرة حامض منثور بلا رحمة ولا توقف..
كان... قد تعب من الهرب المذعور في القلب .. والقلق اللاهث في النفس .. تزداد جرعات العقار .. ويغدو في منحدر الهاوية ..بلا ممهل..
يتأمل كوخه المنسي ..أمامه الليل قد تجاوز نصفه.. ولج الباب .. وفي لحظة استقام .. لحظة فاصلة دون وصية .... 

........

أخيرا استراح الفراغ منه ... لازوايا خوف وضيق .. بعد هذا الصباح الصيفي الأغبر.

 

شوهد المقال 1760 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وليد عبد الحي ـ العولمة بين الكورونا والواقع الدولي

 أ.د. وليد عبد الحي  يميل قدر غير يسير من الكتاب والباحثين الى الاعتقاد بأن الكورونا قصم ظهر العولمة، وان الانكفاء مرة أخرى نحو
image

عادل اورابح ـ السكتمبري يمكن أن يكون فرانكوفونيًا أيضًا ! حكيم لعلام نموذج

 عادل اورابح المنشور الذي كتبه حكيم لعلام(كاتب عمود في جريدة Le Soir d’Algerie) اليوم حول موقفه من سجن كريم طابو هو باختصار ذروة اللاشرف. أولاً: التضامن الإنتقائي
image

وليد عبد الحي ـ هوس التنبؤات بالكورونا

 أ.د. وليد عبد الحي  منذ الفترة القصيرة على بدء " حرب الكورنا" ، توالت الكتابة عن تنبؤات قديمة نبهت لهذا الفيروس، وبدأت الكتابات المتعجلة والمتبنية
image

حميد بوحبيب ـ الشعب الزوالي رآه تلف له الحساب ، وما جبر راس الخيط

 د. حميد بوحبيب  صح يبان مستهتر شوية بالوباء هذا ديال الكورونا، وفي الحق رآه خايف ...خايف ، رآه يحس باللي رآه يتيم...تخلات عليه آلهة السماء ...وآلهة
image

العربي فرحاتي ـ الشعب الجزائري ..يستحق التكريم لا القزول ..

 د. العربي فرحاتي  هذا الشعب الذي أعطى مثالا لشعوب العالم في التضحية من أجل الحرية ..هذا الشعب الذي أعطى أروع الأمثلة في الصبر على أخطاء أبنائه
image

عبد الجليل بن سليم ـ العلاج له علاقة مع ثقافة الشعوب

 د. عبد الجليل بن سليم  أعود إلى أهم كتاب كان لازم بل هو مفروض على الطلبة المختصين في الطب و الإحصاء البيولوجي و علم النفس
image

أحمد سعداوي ـ [سجن نيسان 2003] العراقي

 أحمد سعداوي  في الأشهر الأولى ما بعد الاحتلال وسقوط نظام صدام في نيسان 2003 كنت مثل غيري شاهداً على اختفاء الدولة، فلا شرطة ولا جيش
image

سعيد لوصيف ـ تسيير الآني مؤشر على الفشل المستدام..

د. سعيد لوصيف   من المخاطر المحدقة بدول الازمات المستدامة ( واقصد هنا الجزائر على وجه الخصوص ) في الاشهر المقبلة في التعامل مع الاشياء
image

مخلوف عامر ـ كورونا وتداعيات الصَّدْمة الحضارية

د. مخلوف عامر  منذ عصر النهضة أحسَّ الإنسان المسلم بهوْل الصَّدْمة الحضارية، لأنَّه، وهو يلتفت إلى كل مناحي الحياة ، إلى لباسه وأكْله وشربه
image

نجيب بلحيمر ـ لكريم السلامة قبل الحرية ... ماذا يراد بكريم طابو؟

نجيب بلحيمر  كريم طابو يجب أن يبقى في السجن.. هذا هو القرار ولا تهم كيفية إخراجه. قبل يومين من استنفاذه عقوبة ستة أشهر حبس التي قضت بها

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats