قصيدة وطن

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
غادة هيكل 
 
وقف على أطراف البحر المسحور ، يراه دائما عندما يهم بكتابة قصيدة ، تدحرجت فوق سن القلم ، وأّرّقت منامه ، ساعتها فقط ينتقل إلى هناك ، يرى فى مياه البحر الطائشة بغيته ، وعلى بعد فرسخين منه يرى بعض الأشجار، تهمس فروعها بسخرية سائلة، عن سبب مجيئ فى هذه الساعة المتأخرة لأضج مضجعها ، وبضوضائى المعهودة ، وطقوسى الصاخبة ، وموسيقاى الفجة ، تسأل فى تهكم ، من يسمعون قصائده سوانا وهذا الثائر هناك ؟ أتمنى أن يبتلع أوراقه وقلمه ، ها هو يبدأ فى ترنيمة وطنه ، أما كفاه ما نراه ، هل يأتى إلى هنا ليسحب سخطهم علينا ، نحن أبعد ما نكون عن تلك المنظومة الرعناء .
وعندما بدات فى القاء قصديتى ، أيها الوطن الحزين فى اوردتى،تقتلع الأشجار من صمتى، تناهض الشوق فى غرفى المغلقة ، حتى البحر يثور على ّ ، فلمن أدهب لألقى قصائدى.
هنا صمتن وأطرقن فى الأرض بل دمعت أوراقهن قطرات مياهها الخضراء فسارت حتى الشاطئ وامتزجت بمياه البحر الثائر فهدأ بركانه ، وصمتت حممه المائية اللاذعة عن ركلى بصقيعها البارد ، 
اتجهت إليها بهرمى الذى أثقل شبابى بالهموم ورويت لها ، كم كنت شابا فى زمن آخر ، واليوم أبحث عن جزيرة أرمى فيها منشورات كهولتى التى أصابتنى بالخرس ، واليوم لا استطيع الركض سوى إليك وحدك ، فالجبال التى آوتنى والكهوف التى حمتنى قد هُدمت ، وأصبح الشاطئ فضاء فسيح ، لا جدار فيه سوى الليل وأنت ، يلقفنى نصف الليل الاول فترمينى الوحدة وذاكرة منهكة وشاشات تعبث بعقلى ، فأبحث عنك أيها الثائر لكى تدغدغ مياهك أقدامى فتعيد لى بعض من شهيتى المفقودة للحياة ، التى رأيتها اليوم بين شواهد القبور المفتوحة تنتظر القادمين فى فرحة ونشوة ، حتى خيل لى ان أسمى مكتوب على أحدها فاطلقت العنان لقدمى حتى لا انزلق بداخلها ، وأنت أيتها الباسقة الخضراء التى لا يتساقط ورقك فى الخريف كما الباقين من أعداء الزمن ، آتيك لأستعيض بمياه الحياة التى افقدها كل يوم من جراء افكار تراودنى ولا يتمكن منها قلمى ليسجلها على جدران أوراقى ، فتنساب مياه الحياة منى قطرات مثل تلك التى تقع منك وانا أولى بها ، أنتم فقط من أتجرد من ملابسى أمامكم ، وأشعل نيران فطنتى ، وأرمى بما يجول بخاطرى بعيدا عن هؤلاء الراقصون حول الموائد، ولا يدرون أنه زلزال قادم من نشوة سكرهم ، ولا تزال الخمر تعبث بهم ، عيونهم عميت عن رؤيتى وأنا أصرخ بهم أن أهربوا أيها الماجنون فقصيدة وطنى لم تكتمل بعد ، لن تكتمل سوى هنا بين البحر والأشجار هم فقط من يؤمنون بك يا وطن .


شوهد المقال 1743 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

سعيد خطيبي ـ سنة أولى حراك

سعيد خطيبي   في أكتوبر 1988، عاشت الجزائر ثورة شعبية ضد النّظام، كانت لحظة فارقة، ترتبت عنها تغيّرات جوهرية في البلد، وكان يمكن لها أن تكون
image

مصطفى كيحل ـ الحراك وسيكولوجيا الحشود

   د. مصطفى كيحل  ساد الانطباع في الجزائر منذ نهاية التسعينات من القرن الماضي ، أن التغيير بالشارع أو بالحشود و الجماهير غير
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك الشعبي...بين Frantz Fanon وDavid Galula.....و فيلم الأفيون والعصا

عبد الجليل بن سليم  في قول واحد كل من Frantz Fanon و David Galula هما الوحيدان اللي فهمو التركيبة النفسية و العقلية للجزائري كان
image

رضوان بوجمعة ـ الوحدة في عمق "الثورة السلمية" الذكية

 د. رضوان بوجمعة    الجزائر الجديدة 161   التقيت اليوم في الجمعة 53 مع جزائريين وجزائريات من ولايات مختلفة تسللوا إلى العاصمة التي تحولت إلى منطقة "شبه
image

فوزي سعد الله ـ عن وُصول "أهل الحمراء" من غرناطة إلى عَنَّابَة

فوزي سعد الله   "...منذ نحو 5 قرون، يُحكى في الروايات الشعبية في مدينة عنابة، لا سيَّما في الوسط الحَضَري، أن سقوط غرناطة عام 1492م كانت
image

جباب محمد نور الدين ـ النظام : الحراك وراءه والخراب أمامه ولا مفر له

د. جباب محمد نور الدين   لا أزال أذكر كان يوم جمعة من سنة 2001 عندما اتصل بي الصديق عبد العزيز بوباكير من مقر "
image

نجيب بلحيمر ـ محاولة فاشلة لسرقة ثورة مستمرة

نجيب بلحيمر   بعد جمعة مشهودة عاد الجزائريون إلى الشارع لإحياء ذكرى انطلاقة الثورة السلمية.. في العاصمة ومدن أخرى كان إصرار المتظاهرين على النزول إلى
image

فضيلة معيرش ـ الأديب طيب صالح طهوري لا تشبه كتاباته أحدا ولا يمكن أن تسند لمن سبق من كتاب وشعراء

فضيلة معيرش  ولج عالم الكتابة منذ ما يقارب الأربعين سنة ، أديب طوع الحرف فاستقام له جاب بساتين الإبداع فقطف ما لذ له وطاب من شجرها
image

يسرا محمد سلامة ـ هوس الشهرة

 د. يسرا محمد سلامة   أنْ تكون نجمًا مشهورًا تلك نعمة ونقمة في نفس الوقت؛ لأنّ ذلك يعتمد على طبيعة الشخص نفسه، وما تربّى عليه طوال حياته
image

د. يسرا محمد سلامة ـ البداية ونهاياتها

 د. يسرا محمد سلامة البداية، كلمة ممتعة بها من التفاؤل الشئ الكثير، تجمع في طياتها الطموح، والتحفيز، والمثابرة على إكمال ما يبدؤه الشخص من عمل، علاقة،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

3.00
Free counter and web stats