الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | لحظة طيش... بقلم اليمين أمير

لحظة طيش... بقلم اليمين أمير

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
مر كل شيء في توتر.. لقد لمحته وهو يتقدم نحوي.. وهو يمسك بها. لكن الحادث جاء فجأة، فتعقد لساني، أصبح الصمت أسرع من الصوت وأسرع حتى من تفكيري. لحظتها لم أكن أعي الأشياء، ولكني اليوم أحاول التذكر أو بالأحرى أحاول أن أقتفي بعض آثار ذاكرتي علني أتذكر بعض تفاصيل تلك الحادثة.
لم يكن الشفق ذلك اليوم قد حل بعد، الشمس لا تزال كالسراج، وكنت أعلم جيدا أن الغروب لن يسبقه أبي في المجيء، فنهار الصيف عندنا طويل، وفضول المدينة سوف يجعله أطول بكثير رحت أراقب الشمس وتغريد العصافير من فوق الأشجار يهز مسمعي، ولكنني سرعان ما مللت الانتظار، فالوقت مازال مبكرا حتى يرجع أبي من سوق المدينة في هاته اللحظات. فقد كان لا يذهب إلى السوق إلا مرة واحدة في الأسبوع، لذلك يتأخر دائما في العودة.
عزمت أن أترك الحقل وأمضي إلى غرفتي.. كان بيتنا خلف الحقل على حافة الطريق في طرف المدينة، وعربة أبي تعجز حتى على استباق الكلاب، فالحمار الذي يجرها إذا ما هو مشى في اليوم ساعة واحدة تراه يغط في نومه بقية اليوم. كنت أشعر أن أبي صار يمقت هذا البيت، بعدما غادرته أمي واستسلم جفنها للنوم السرمدي أو النومة الأخيرة كما كان يقول لي دائما إذا ما سألته عنها حينما كنت أصغر بعض الشيء، وقتها لم يكن بوسعي تحليل الأشياء والمفاهيم ولا تركيب الصور وضبطها جيدا في مخيلتي.. عندما كنت أعبر الرواق إلى مضجعي لمحت باب غرفة أبي شبه مفتوح، وقد تعود على إغلاقه بإحكام كلما أراد الخروج وخاصة إذا ما كان ذاهبا للتسوق. لست أدري لماذا لا يريدني أن أدخل إلى غرفته. ألا يدرك بأنني أتوق للدخول إلى مرقد أمي علي أشتم رائحتها، وأتحسسها من خلال ما تركت من ثياب وأشياء في الغرفة. أم أنه يخشى أن ألحظه وهو يغازل عشيقته البكماء التي لم أسمع لها صوتا منذ أتى بها، ولم يتسن لي حتى رؤيتها عن كثب، فقد كانت تخفي عني جسدها وحتى وجهها إذا ما خرجا من الغرفة. أما إذا ما ذهب بمفرده إلى السوق فإنه يغلق عليها الباب بإحكام، وأظنه اليوم قد نسيها والباب مفتوح، فقد خرج في عجالة من أمره مع صديقه. شعرت بشيء يتنامى في أعماقي وكأن شخصا آخر قد تولد بداخلي، لم أكن أدركه من قبل، شخص فضولي لا يخشى أبي ولا يخجل من عشيقته التي احتلت مكان أمي واستولت على تفكير أبي وأصبحت شغله الشاغل ورفيقته الدائمة فهي معه معظم الوقت خاصة بالليل أو إذا ما ذهب إلى الصيد، ولست أدري كيف كان يعتذر لها إذا ما أراد الذهاب إلى سوق المدينة، ويقنعها بالمكوث في الغرفة طيلة النهار دون أن تتفوه بكلمة والباب مغلق عليها من الخارج. راح ذلك الشخص يكبر في تسارع مخيف بداخلي ويستفزني بأسئلة كثيرة عن تلك العشيقة الغامضة وما سرها ولماذا يمنعني أبي دائما من رؤيتها. من تكون يا ترى ومن أين جاء بها؟ كنت أشفق عليه أحيانا خاصة حينما يقول لي إذا ما أنا أتعبته بكثرة السؤال، بأنها تذكره بأمي لأنها هادئة ومطيعة مثلها، ولاتنطق إلا على الحق.. صار الشخص بداخلي وكأنه قد اكتمل نموه، وأصبح لا بد لي وأن أدخل الغرفة لأرى عشيقة أبي وأسمع صوتها المميت. لا بد لي وأن أكتشف بنفسي وجه التشابه بينها وبين أمي.. دفعت الباب ببطء شديد وحذر أشد، وأرسلت أحداقي تعاين المكان وتمسح زوايا الغرفة، حتى رمقت شيئا ممدا فوق السرير.. إنها هي ولا شك! وأخيرا وجدت ضالتي، لقد كانت تبدو وكأنها نائمة.. اقتربت منها لكنها لم تتحرك. ربما كان أبي يناولها بعض المنومات كي لا تستفيق قبل عودته. كان جسدي يرتعش وبرودة عرقي تلسعني.. لكنني تمالكت نفسي ودنوت منها كي أتفحصها جيدا.. آه إنها مجردة من كل ثيابها.. كم هي ملساء وجميلة! الآن عرفتك أيتها الشقية.. لا بد لي وأن أمارس معك كل الطقوس التي مارسها أبي معك من قبل. بدأت ألامس بلطف عنقها الطويلة شديدة السمرة ولست أدري كيف نسيت فجأة رائحة أمي وأشياءها، وقد بدأت لحظتها أشعر بقشعريرة تنتاب كامل جسدي.. وأخيرا سأصبح رجلا مثل أبي ولي عشيقة! فهو كان يقول لي دائما بأنها لا تعشق سوى الرجال.. وبأنها لا ترضخ إلا له ولا تنام إلا على كتفه. فها قد جاء دوري الآن وسوف أفعل بها ما أشاء، رحت أراقصها وأداعبها في شيء من التوتر والخوف، لأنني كنت أخشى أن تصرخ في وجهي إذا ما استفاقت، فهي شرسة جدا ومتهورة وقد تقتل في أي لحظة على حد حكايات أبي. وبينما كنت أحاول ممارسة بعض طقوس العشق المباح والرجولة، كما كان يسميها أبي، سرعان ما ألفتها وأعجبني كثيرا هدوءها وانصياعها للأوامر وتقبلها حماقاتي، فأنساني ذلك موعد الغروب.. حتى فاجأني أبي حين دخل علي الغرفة وأنا أمسك بعشيقته من خلفها فوق سريره، انتابني الخوف لما رأيته ونوع من الخجل الغريب، ولمحت في عينيه بركانا من الغضب يمتزج بنهر من الدموع يريد أن يتفجر كالشلال، لكنه سرعان ما تمالك نفسه وتنهد وكأنه ثور جريح.. ظننته لم يحتمل مشهد الخيانة فوق سريره، ولكنني أدرك في قرارة نفسي أنني لم أخنه. فأردت أن أقول له بأنني قد كبرت وأصبحت أعرفها وهي مجرد... لكنه سبقني وصرخ في وجهي صرخة غريبة شعرت وكأن فيها نوع من الإشفاق. وقال ملء صوته الرجولي: أتركها يا بني إنها خطرة عليك.. إنها... أفجعني صوته المرتبك وقبل أن يكمل عباراته كنت قد دفعتها أمامي وعنقها السمراء ممددة إلى أعلى وثغرها الأبكم كأنه يريد أن يصيح.
مر كل شيء في توتر. لقد لمحت أبي وهو يتقدم نحوي.. وهو يمسك بها.. وهو يحاول أن يقتلعها من بين يدي.. لكن إصبعي كان لا يزال عالقا فيه إصبعها المقوس، فلما سحبها مني ودفعتها عني كان قد تحرك إصبعها من مكانه، فتكلمت.. وقد جاء صوتها فجاءة كالرعد القاصف. ونطقت البكماء أخيرا.. دفعتني بقوة خلفها وكأنها تحتج على ما يجري، و صوتها موجه نحو أبي وما عاد بوسع لساني أن يصرخ، فأيقنت نفسي بأن لحظة الطيش التي انتابتني صارت ذنبا يعشش في صدري، بعدما استسلم جفن أبي لنومته الأخيرة، وما نطقت عشيقته هذه
المرة على الحق..! كنت قد سقطت على الأرض وفي الجهة الأخرى كان أبي لا يزال واقفا ينتاب جسمه ارتعاش غريب، ونهر من الدم ينضب من صدره، وهي لا تزال بين يديه حتى سقطا معا دون حراك...

شوهد المقال 1533 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك لا تختصره في زاويتك المفضلة لكي لا تصدر عليه حكما

 د. عبد الجليل بن سليم  الامبراطور الروماني Marcus Aurelius لم يكن فقط رجل سياسة بل كان أحد أعمدة الفلسفلة الرواقية التي كان يستعملها في
image

محمد هناد ـ مواصلة النظام الجزائري استغباء الشعب ..يوم الأخوة بين الشعب والجيش ؟؟

 د. محمد هناد   1. الرئيس عبد المجيد تبون يقرِّر «تخليد الذكرى الأولى لحراك 22 فبراير» ! 2. الرئيس عبد المجيد تبون «يعلن يوم 22 فبراير يوما وطنيا
image

زهور شنوف ـ عام الصوت المرفوع.. "قولولهم" 22 فبراير ثورة شعب

زهور شنوف  خلال عام الثورة هزم الجزائريون الغلق وتحدوا الاعلام المؤدلج.. قاموا بثورتهم الاتصالية بشكل عبقري وفعالية وابداع كبيرين.. رفعوا شعاراتهم ودافعوا عن خياراتهم..
image

أمينة بومعراف ـ واش صار ليوم الثلاثاء 52 بالجزائر العاصمة ؟

أمينة بومعراف  الثلاثاء مسيرة الطلبة انطلقنا من ساحة الشهداء كيما مالفين، كان غاشي عيطنا مطالب مختلفة كيما مالفين كلش جايز أنتيك، حتى لحقنا la
image

عادل السرحان ـ وهناكَ أنتِ

عادل السرحان                  وهناكَ أنتِ وقد أويتِ لتربةٍ  عنيبعيدةالله شاء وقد قضىأن ترقدي بثرىًوحيدة وتنازعين الموت وحدك بينما تبكيك بعداًويح نفسي كل ذرّاتي الشريدةأوّاهُ كيفَ تبعثرت تلكَ السنين وأبحرت في موجة الزمنالعتيدةوكيف
image

العياشي عنصر ـ في كتاب علم الاجتماع الأنثروبولوجي

 د. العياشي عنصر  علم الاجتماع الأنثروبولوجي تحت إشراف؛ عادل فوزيتعريب وتحرير؛ العياشي عنصر إصدار مركز البحث في الأنثروبولوجيا الاجتماعية والثقافية - وهران، 2001  تـوطئـــة لعل إحدى السمات الثابتة والمميزة للساحة
image

حمزة حداد ـ الجمهورية لا تحتاج إلى وسطاء !

حمزة حداد   إذا كان الدعاء هو الواسطة بين العبد وربه فان الحق في حرية الاختيار هو الواسطة الحقيقة والوحيدة بين المواطن ومؤسسات الجمهورية. بها يزكي
image

عثمان لحياني ـ رسالة الى متملق (سقاية لكل من دافع عن نظام الخراب)

عثمان لحياني              تُنسى كأنك لم تكنتنسى كأنك لحظة مرت..ونافذة لريحتُنسى كتفاح عَفِنْ  كنا نرتب قش عش حمامةفي الصيف.. ونحفر مجرى ماءوكنت تسرق من وطن  لا وجه لكالا ملامح
image

وليد عبد الحي ـ مستقبل الصراع العربي الصهيوني : 2028

 أ.د. وليد عبد الحي  هل يمكن النظر لصراع تاريخي وشمولي من خلال " اللحظة؟ ام لا بد من تتبع المسار التاريخي وتحقيبه للاستدلال على المنطق
image

بن ساعد نصر الدين ـ شيزوفرينا الشرطة

بن ساعد نصر الدين  شيزوفرينا الشرطة او انفصام الانسان بين حياته العادية و حياته العملية داخل المسالك الأمنية !!_ لا زال السؤال الاخلاقي يضرب عقل كل

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats