الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | في إنتظار المشعل .............قصة بقلم بوفاتح سبقاق

في إنتظار المشعل .............قصة بقلم بوفاتح سبقاق

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
كان يتصور بأن هذه الحياة فضاءات واسعة مفتوحة لكل الناس ، و طالما إعتقد بحب كل البشر للربيع و فجأة أضحت طموحاته و رغباته تتأرجح على جسر الزمن الغادر و تنتظر رحمة المكان الجامد .
فتح النافذة التي تطل على الشارع المسكين ، تأمل وجهه في المرآة 
نفس الملامح يبعث بها كل صباح ، شاب غارق في بحر الأزمات ما زال يصارع الأمواج و التيار .
أفنى سنوات عمره على مقاعد الدراسة ، و فهم كل ما يحتويه التاريخ الرسمي فكانت الوطنية مطبوعة في سلوكاته و مواقفه ، يعرف أن إنتشار الرشوة و الفساد و ضعف شخصية السلاطين المتأخرين من أهم أسباب سقوط الدولة العثمانية ، و يدرك بأن هدف المستعمر الغاشم هو نهب خيرات البلاد ، و يعلم أن حادثة المروحة كانت سببا مباشرا للإستعمار ، لو زار القنصل داي الجزائر في الشتاء لما كان ثمة إحتلال ، و عندما تزوره أطياف الطفولة يتذكر حصان أبي سعيد و كلبي واشق و مالك الذي لا يخاف من البرد .
الجامعة جعلته يفهم قوانين العرض و الطلب و أسباب التضخم و تأثير العملة و دور البنوك ، ثورة الفاتح من نوفمبر نقشت معالمها في صدره ، لقد رفع الأوائل لواء الجهاد لينعم حاليا بالإستقلال و يعيش مرفوع الرأس بين الأوطان ، لقد كانت الدولة شديدة السخاء عليه حيث رمته في بحر العلوم فتفتح ذهنه على كل ضروب المعرفة ، فهو مقتنع بأن عاطفة الشاعر دوما صادقة ، فضلا على ذالك فالمتنبي هو أبو الشعراء و مفدي زكرياء شاعر الثورة ، و يعرف نيوتن الذي سقطت بقربه تفاحة ، فإكتشف قانون الجاذبية و يذكر حشائش السافانا و خط غرينيتش و جبال الهيمالايا و نهر الأمازون و طبعا لن ينس طوال عمره الدالة و منحناها البياني .
جعلت منه الدولة متعلما و مثقفا و أغدقت عليه بالعلم ، و لكن لحد الساعة لم يرد الجميل ، ما زال يعيش البطالة و التهميش فهو كالثروة التي يجمعها المرء طوال حياته و يبددها في خريف العمر .

تحتفل بلادنا بذكرى عظيمة و غالية ألا و هي ذكرى الفاتح من نوفمبر في مثل هذا اليوم أعلن الثوار بداية عهد جديد مع مستعمر البلاد ، لقد أعلنوها ثورة حتى الإستقلال و ها نحن ننعم بالحرية و خيرات وطننا .

نهض صالح مسرعا من مكانه و بدل القناة ، و أصبح يتفرج على حصة ألعاب فرنسية ، لقد طرد المستعمر من الأرض و عاد عبر الفضاء 
كفاك ضحك على أذقاننا كل عام تطل علينا عبر الشاشة و تخبرنا بأن الجميع يتمتعون بالنعيم ، و الحقيقة أن صفوة الصفوة يعيشون رغد الحياة و الباقي و أغلبهم شباب يعانون في بلادهم ، متواجدون فقط كرصيد ثوري لكل مرحلة و ليس لهم إلا الشارع و الحيطان ، وعدوهم بتسليم المشعل و لم ينالوا سوى الإحتراق في الكلام المعسول و الضياع على حافة التصريحات و الخطب ، ليس ثمة تطابق بين ما يقال و ما يرى على أرض الواقع ، صالح وجد نفسه غريبا في وطنه ، فقد كل قدراته على تبرير ما يحدث له ، لم تنفعه إطلاعاته و معارفه على فهم سر الهوة العميقة التي تفصل بين جيل الثورة و جيل الإستقلال ، الزمن هو الوحيد الكفيل بإرجاع الأمور الى نصابها .
كل نهار جديد قد تكون فيه أحداث جميلة ، هذا ما تقوله أمه كل صباح و هذا ما يجعله يخرج كل صباح باحثا عن الجديد المنتهي الشوارع و الطرقات تحتفل بالذكرى المجيدة ، لم يكن صالح يعنيه كل هذا فهو هائم في المدينة ، جسد ليس له أي محيط أو روح ، يشغل حيزا من الفضاء عبثا ، نسي مواقفه و مبادئه ، الوطنية أصبحت لعنة تطارده و تطرده عند بداية كل طريق ، ندم على اليوم الذي وطأت فيه أقدامه المدرسة و ما قيمة الشهادات التي يطرد صاحبها عند كل باب ، المقاهي هي الأماكن الوحيدة التي يدخلها بدون حاجة الى توصيات أو معارف من حق الشباب أن يفتخر بهذا العدد الهائل منها ، إنه إنجاز حضاري يجعلنا في مصاف الدول المتقدمة ، لقد تزوج البطالة و أنجب منها الفراغ و الضياع و الملل و كم كانت سخية حين سمحت له بتبني الكآبة و التشاؤم الحياة بالنسبة إليه ساعة بدون عقارب ، و ما قيمة التوقيت حين يكون المرء يعيش خارج الزمن . 
إعادة كتابة تاريخ الثورة أمانة للأجيال ، شعار ما يزال صامدا وسط المدينة ، ما يحير في الأمر هو الضبابية التي تكتنف هذا المطلب ، إذا كان الجيل الحالي المعاصر لثوار الأمس مهمش و تعرض الى عملية إقصاء ، ما عسى جيل الغد أن يستفيد من بقايا الدخان ، ليست هناك نية حقيقية لكتابة هذا التاريخ لأنه مليء بالألغام و فاعلوه حاضرون في كل مكان ، من الأحسن كتابة تاريخ الشهداء لأن الكذب على الأموات سهل .
و في الجهة المقابلة للشعار المقبور ، إلتف جمع غفير من الناس حول المنصة الشرفية ، إقترب صاحبنا من المكان و ظهر عن بعد مسؤول في عقده السادس يتكلم عن الذكرى بتأثر كبير ، حضر الكبار و الأطفال و غاب الشباب .
فكر صالح في الإنضمام لهذا الجمع من المصفقين لكنه فضل مغادرة المكان ، هذا النوع من التجمعات مفتوح لمن لديهم عضوية كاملة في المجتمع ، فيما يخصه فإن طلبه ما زال قيد الدراسة و على كل حال سوف يؤخذ بعين الإعتبار فور الحصول على منصب مالي .
الإنهزامية و التفكك تلك هي السمات العامة لنسقه الشخصي و لكن أربع سنوات من التسكع جعلته يؤرخ لعهد جديد ميزته التراجع و التذمر العام من كل رموز المجتمع ، أضحى عالة على أسرته .
تاريخه زال و لم تبق سوى جغرافيته المشوشة بنكبات الأيام و سوء الحظ 
ما أتعس أن تظل طموحات الإنسان حبيسة فكره و ما أصعب أن يعيش و لا يعيش .
يدخل المقهى نفسه و يجلس في المكان ذاته ، و يطلب فنجان قهوة على الحساب ، ثم يتقدم نحو أول غريب يراه طالبا ، سيجارة ، من خلال دوائر الدخان التي تعلو وجهه يتطلع الى الغد الأتعس لم يعطيه الوطن سوى شمسا متواجدة في كل الأوطان و بعض الأرصفة و طوابير الإنتظار.
و فيما كان منشغلا بهواجس القنوط و اليأس ، أثار إنتباهه نقاش حاد في طاولة مجاورة ، يتكلمون حول التأشيرة و الهجرة ، بالرغم من كل التنازلات و الإحباطات فإنه يرفض الهروب الى الخارج ، ربما هذا نابع من ذرة الوطنية الوحيدة التي ما زالت تجول في أعماقه ، الغرب يحتقرنا ، الضياع في وطني أهون من الإضمحلال في أوطان الآخرين .

حركت فيه الجلسة المحاذية بعض الأمل ، سرعان ما أعدم بطوفان الإحباط المنبعث من ذاته ، كيانه تحول الى غريم داخلي معارض لكل بواعث التفاؤل ، كانت المدينة ترتدي أبهى حلة و الأعلام الوطنية ترفرف في كل الشوارع ، كل مظاهر الإحتفال لم تغير في واقعه ، إنه يتجرع مرارة الذكرى و يتحسر على ما آل إليه الوطن ، شباب نوفمبر رفعوا الرهان و شباب اليوم لا ملاذ لهم إلا الرهان الرياضي ، كل الأبواب موصدة لقد جمدوهم في عمر الزهور و تناسوا أن بعد الربيع خريفا .
عاد الى البيت يجر عربات من الحزن ، الشيء الوحيد الذي حققه هو شطب هذا اليوم من رزنامة الضياع ، سيغمض عيناه هذا المساء ليرى أحلاما مهربة من الرقابة قد تتحقق يوما ما .
__________________


شوهد المقال 2454 مرة

التعليقات (2 تعليقات سابقة):

وهيبة بلقاسم في 01:35 29.05.2014
avatar
ابهرني اسلوبك الرائع بالسرد يجعلك تتجرع معه ويلات الزمن العجيب وتتأوه معكل لحظة ومرحلة من مراحل العمر التي تمضي وان مضت لن تعود
دام فيض ابداعك اديبنا الراقي
وهيبة بلقاسم في 02:44 29.05.2014
avatar
ابهرني اسلوبك الرائع بالسرد يجعلك تتجرع معه ويلات الزمن العجيب وتتأوه معكل لحظة ومرحلة من مراحل العمر التي تمضي وان مضت لن تعود
دام فيض ابداعك اديبنا الراقي

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديب ـ العلاقات الإنسانية بين الازلية و الوضعية

علاء الأديب على الرغم من كثرة العلاقات الإنسانية التي تربط الناس ببعضهم و على الرغم من تنوع الأواصر التي تتميز بها تلك العلاقات إلا أن التصنيف
image

سعيد خطيبي ـ عزيزي خالد

 سعيد خطيبي    عزيزي خالد،أعجز عن تصديق ما حدث! لا تزال في السّجن؟ حُكم عليك بعامين؟ هل هذه مسرحيّة عبثيّة؟أنت تحتاج إلى ورق وقلم، كاميرا ولابتوب، كي
image

محمد هناد ـ الجزائر ...ثلاثة أطراف مسؤولة عن الأزمة

د. محمد هناد    تمر الجزائر بأزمة حادة متعددة الجوانب، بما في ذلك على مستوى التربية والأخلاق. بطبيعة الحال، هذه الأزمة ليست وليدة اليوم بل
image

طارق السكري ـ عندما نَـ/ تبكي الأوطان

طارق السكري             في أعماقي ! أشجارٌ ماطرةٌ تبكي جدرانٌ تشربُ أنفاسي لا أدري! تركض بي .. تبكي أنهارٌ مذ نبت الحزنُ على نافذتي سُحُباً
image

عثمان لحياني ـ سبعة أشهر ..كلام لا بد منه ..الإعلام في الجزائر

عثمان لحياني  في 23 فبراير الماضي صدر بيان لمجلس الوزراء تَضَمن " تكليف رئيس الجمهورية للحكومة بتسوية الوضعية القانونية للقنوات المستقلة حتى تتكيف مع قانون السمعي
image

الجنرال عبد العزيز مجاهد ّ مديرا للمعهد العالي للدراسات الاستراتجية الشاملة " خبر صادم

عثمان سابق  عبد العزيز مجاهد مديراً عاماً للمعهد العالي للدراسات الإستراتيجية الشاملة.. اللهم لا حسد.. لكن بصراحة الخبر "صادم".. أن يكونَ مستشارا أمنياً قد
image

عبد الجليل بن سليم ـ سلطة الحراك بين Stanley Milgram و Miguel Benasayag

 د. عبد الجليل بن سليم  بعد مرور القوة التي عملها النظام و تعيينه للرئيس بعد إنتخابات 12/12, الحراك (هنا أتكلم على الحراك كسلوك و ليس
image

العربي فرحاتي ـ فلسطين المشكلة ...وكيف تواجهنا

 د. العربي فرحاتي  تواجه إسرائيل كعصابة مغتصبة للحقوق الفلسطينية منذ أن ورطها الانجليز فيها واستوطنوها في أرض غير أرضها. بموجب وعد بلفور؛ مشكلتها مع المقاومة
image

نجيب بلحيمر ـ الواقعية بعين مهزوم

نجيب بلحيمر  مع كل قرار ظالم، مع كل خطوة تخطوها السلطة على الطريق الخطأ يخرج علينا العقلانيون والواقعيون بمحاكمات لا تقل قساوة عن تلك التي
image

ناصر جابي ـ الدستور الجزائري: العيوب والتحديات القديمة نفسها

د. ناصر جابي  لم يكن الجزائريون محظوظون مع دساتيرهم منذ الاستقلال، لا في طريقة إعدادها ولا في التحديات التي تصادفها كوثيقة أساسية، يفترض فيها

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats