الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | موسم المطر ..........نور الاسمر

موسم المطر ..........نور الاسمر

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

موسم المطر

- يا إلهي ، أحلام إنها تمطر

- وما الغريب في ذلك ؟

- لا أدري ربما لأنها لم تمطر بهذا العنف منذ وقت طويل

صمتتا ، وعكفت أحلام على الأوراق المبعثرة على الطاولة ترتبها ، فيما باغتها صوت حواء ثانية وقد كان كصوت طفلة تحلم : المطر مخيف !

أطلقت أحلام زفرة ضجر ثم صاحت : ما بك يا حواء يبدو أن العمل قد أرهق أعصابك تماما

- لا ليس العمل

- ماذا ؟!!

- أنا بالفعل مرهقة لكن ليس للسبب الذي قلتِه

- وما السبب إذا ؟

التفتت إليها حوّاء وفي عينيها يغرق الدمع ويأبى الاستسلام وقالت : إنه المطر ، ثم صمتت .

- لا تقولي لي أنك ما زلت إلى الآن تذكرين ذلك اليوم الذي انقضى عليه عهد من الزمن كفيل بأن ينسيك إياه .

حدقت فيها حوّاء .. إلا أن أحلام التفتت وراءها في حركة سريعة ( وغبية ) إذ أنها كانت تشعر أن حوّاء تحدق في شيء ما خلفها وليس فيها هي ! استدارت وأكملت كلامها : لا يعقل أن تنهاري كلما تساقط المطر ؟

ردت أحلام وقد شاخ صوتها فجأة ، ودموعها كانت قد نضحت على وجنتيها فبدت كعجوز ذاقت الأمرين : نعم معك حق

ابتسمت أحلام ابتسامة منتصر لكن ابتسامتها ما لبثت أن اختفت عندما أكملت حواء :

- لا يعقل أن يكون المطر فقط هو من يذكرني بها وبهم ، كل الأشياء من حولي تجعلني أذوب في الماضي وأمتص آلامه بكل لذة ، ثم أمتص دموعي التي ذرفت على كل واحد منهم ، وبعدها أتجرع الغربة حتى الثمالة ثم يطلب مني أن أنسى ... أن أنسى يا أحلام أليس كذلك ؟

- لكن ..........

- لا تقولي شيئا فأنا متأكدة من أنك ستتلين علي ذات المحاضرة ، أنت بعد لم تفهمي ولن تفهمي أبدا ، أتعلمين لماذا ؟

ردت أحلام بهدوء وقد تصاعد الدم إلى وجنتيها : لماذا ؟

- لأنك لم تعيشي ما عشته وعاشوه ، لم تذوقي الألم أو تحتسي المر ، لم تتجرعي الغربة كما فعلنا ، صحيح أنك مثلي تنتمين لهناك ، لكن كيف ؟؟ بالاسم فقط .

ابتلعت أحلام الإهانة .. وفجأة شعرت بأن كل شيء في داخلها قد تحطم : الماضي والمستقبل والأحلام والحب ، محدثا دويا صاخبا في ضميرها ، فقالت بصوت يكاد لا يسمع : هل بقي شيء لتقولينه ؟

ردت حواء بهدوء وهي تغوص في المقعد الذي كانت تجثم عليه : لا لم يبق شيء لأقوله ، ثم انفجرت :

- بقي شيء لأفجره ، بقي غربة لأحرقها ، بقيت ذكرى لأدفنها للأبد ، أنت لم تكوني هناك ، لقد شاهدتُ إخوتي الثلاثة يندفعون الواحد تلو الآخر ، كانوا ملتهبين ومقهورين ، كنت أرى الذل والتحدي في عيونهم .. لقد غادرونا ولم نرهم ثانية ، أتذكر كيف كانت أمي تصرخ على كل واحد منهم وهو يغادر : إلى أين ؟؟ وقد كان الجواب واحدا : لا أدري .

صمتت قليلا ، وأخذت نفسا عميقا من الهواء ، بدت وكأنها قد نسيت أن تتنفس وهي تتكلم ، ثم داهمتها حسرة وألم جعلاها أضعف من ذي قبل ، أكملت بوهن وعلى شفتيها ترتسم ابتسامة شاحبة بلا معنى :

- لقد كان أبي مهزوما أكثر من أي وقت مضى ، بل إني لم أره مهزوما من قبل أبدا ، كان منكفئا على نفسه لا يتكلم أبدا حتى خلت أنه قد نسي الكلام . لقد مات في طريق الهجرة ولم أبك ِ عليه أبدا ، فهو رغم كل ما فعل طوال عشرة سنين عشتها في ظله لا يستحق دموعي .. لأنه دمر كل شيء عندما صمت ، سحق رجولته وسحق كرامتنا وسحق دموع إخوتي عندما صمت وهرب كالـ ...... !!

أحلام ( بغضب ) : كيف تستطيعين الحديث عن أبيك المتوفي بهذه الطريقة ؟؟!

لكن حوّاء تجاهلت سؤالها وعادت تتحدث بنبرة أكثر ثقة :

لكن الكثير أيضا أبوا الهرب ، لقد آثروا الموت بقسوة في فلسطين على العيش ( بهدوء !) خارجها . كانوا أبطالا .. نعم ، لقد ماتوا هناك والقليل منهم بقي حيا ، المهم أنهم لم يهربوا ، لم يحملوا تلك الحسرة على ظهورهم المهترئة حتى الموت ، لقد أعطوا ( فلسطين ) كما لم يعط أحد شيئا من قبل .

نعم يا أحلام ، هرب أمثال أبي ، وطرد الكثيرون مرغمين على ترك بياراتهم وأراضيهم التي بنوها بصلابة أكفهم ، لكن الأهم هم الذين صمدوا رغم كل شيء ، رغم القهر والجوع والحرمان والتشريد، لقد بقوا هناك حتى يعبثوا بالمعادلة الصهيونية ، صحيح أنهم لم يستردوا شيئا ، لكن .. حريُّ بذاكرة التاريخ وذاكرة الصهاينة أن تؤرخ أننا لم نسلم ولن نستسلم ، أقصد لم يسلموا ولن يستسلموا !

أتدرين .. بعضهم جن بعض الحرب ، وقد كان منهم أخي الرابع ( حسّان ) ، لقد أخبرنا بعض الرجال الذي نزحوا فيما بعد أن حسان قد جن وأخذ يضرب في الجبال يصيح ويبكي على غير هدى حتى اعتقله اليهود ثم اختفت أخباره .

أطلقت زفرة طويلة ، ثم كفكفت دموعها واعتدلت في جلستها ، كأنها كانت ستتحدث بعد كل هذا الخذلان والفجيعة والهزيمة عن نصر حتمي ،، عن شيء كان ذو قيمة أكثر من أي شيء ،، عن شيء له قدرة خارقة عبث بالآلام فضيع وجعها ورسم على جدرانها كلمة واحدة : العودة .

رفعت أحلام نظرها إلى حواء، وطلبت منها بإلحاح ( بعينيها ) أن تتوقف ، لكن حواء وللمرة الثانية تجاهلتها واسترسلت في حديثها :

- بقيت أمي العزيزة ، أمي الثكلى والأرملة والمفجوعة وأي شيء آخر تودين .. أي شيء يصف الإنسان عندما يفقد كل شيء دفعة واحدة : الزوج والأولاد والوطن . لكنها كانت صبورة إلى أبعد حدود اللامعقول ، كنت أرى قلبها يتآكل مع كل مصيبة أو فاجعة أو سمها ما شئت ، دموعها لم تجف يوما ، وأنا أستطيع الآن أن أشعر أنها ما زالت تبكي حتى اليوم في قبرها ، لكن ما فائدة الدموع ؟؟ إن كل دموع ثكالى وأرامل فلسطين لا تكفي لصنع نهر يمتد بهزيمتنا إلى النصر .

لكن دموعها كانت مختلفة .. أؤكد لك ذلك ، لم تكن دموع ضعف أو قنوط ، كانت شيئا آخر لا يمكن شرحه ، كان يخيل إلي أن دموعها لو سقطت على قبر شهيد لأحيته !

ثم صمتت فجأة ، وعلت شفتيها ابتسامة مغتصبة ، حدقت فيها أحلام، وقالت بوهن :

- لقد تذكرت حادثة صغيرة

- وما هي ؟

- بعدما داهم اليهود القرية المجاورة لقريتنا ، همّ أبي بالهرب ..

- الهرب ؟؟!!

- نعم الهرب ، هل أعجبتك الكلمة ؟؟ لو وجدت كلمة أخرى تبرر ما فعله أبي لما قصرت في استخدامها ، حسنا لنعد ، عندها لم يكن قد بقي منا - في البيت - سوى أنا وأمي وأبي ، حملت أمي بعض الثياب و( الزوادة ) في صرة ثم غادرنا البيت ، وقد كانت السماء تمطر بغزارة على غير عادتها في هذا الوقت من السنة .. لعلها كانت تبكي !! ربما !!

خرجنا من البيت ، وكانت أمي تشد على معصمي بقوة ، ورأيتها حينذاك تغلق البيت بالمفتاح وتدسه قي ثيابها ، فسألتها ببراءة لماذا أغلقته بالمفتاح وأخذته معها ؟ ، فقالت باختصار : لأننا سنعود .

انفجرت ضاحكة بشكل هستيري وهي تذرع الغرفة جيئة وذهابا ، فقالت أحلام بنفاد صبر :

- أنا لا أرى سببا للضحك

- أنا أرى

ثم هدأت كما انفجرت ، وعادت تتكلم وهي متجهة إلى النافذة :

- خرجنا من القرية وتوجهنا شرقا ، ولم أكن أعلم وقتها وجهتنا بالضبط .. آه لو أني هربت من أمي و ....

لكنها لم تكمل ، كانت تقف أمام النافذة المشرّعة وقد ازداد لونها شحوبا .. تمتمت بشرود :

- لقد توقف المطر

وصمتت تنتظر رد أحلام لكن أحلام كانت قد غادرت ...!!




نور الأســمر

 

تعقيب التحرير : قصة لا نملك إلا أن نقول أنها رائعة ، وصلتنا بتوقيع نور الأسمر، والتي نكاد نجهل عنها ( أو عنه) كل شيء فالرجاء أن توافينا بسيرتها الذاتية لنقدمها للقارئ الجزائري .

شوهد المقال 5345 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

عادل في 08:00 05.05.2016
avatar
جميل جدا ماكتبت ................

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حكيمة صبايحي ـ درس أول من وحي الخيانة الوطنية استرتيجية السياق وخطورة العدائين في أروقة الوهم

د.حكيمة صبايحي خارج السياق، كل الدراسات في العلوم الإنسانية: المعرفية والعرفانية، باطلة، باطلة، باطلة. تظلم الدراسات الخاصة بالعلوم الإنسانية البشرية جمعاء وعلى مدار الأبد،
image

حميد بوحبيب ـ * وقتها وماشي وقتها !*

د. حميد بوحبيب  الذين يعتقدون أنهم خلفاء كرونوس، ويعرفون علم الميقات ليقولوا لنا أن هذه المطالب لم يحن وقتها بعد ، أو أن تلك المسائل فات
image

نوري دريس ـ ما وراء جغرافية المشاركة الانتخابية

د. نوري دريس ثمة افكار مسبقة خاطئة حول السلوك الانتخابي, لعل اهمها الافتراض بأن المناطق الأكثر فقرا وحرمانا يجب ان تكون هي
image

وليد عبد الحي ـ المكانة الدولية للمملكة العربية السعودية

 أ.د .وليد عبد الحي  استنادا لخمسة عشر مؤسسة دولية لقياس المؤشرات الدولية ، منها مؤسسات تتبع للأمم المتحدة أو مؤسسات ترتبط بجامعات او مؤسسات
image

العربي فرحاتي ـ الواقعية في معناها المعادي للحرية

د. العربي فرحاتي  الواقعية عند النوفمبري والباديسي المستعمل كذباب "يوسخ " الحراك الشعبي السلمي.. هي أن يقبل الحراك بالديكتاتورية واستمرار الاستبداد وصيغ اللاعدل ..بل
image

رضوان بوجمعة ـ هذا الكتاب يختصر المشروع الثقافي للأستاذ الراحل زهير أحدادن

 د. رضوان بوجمعة  سنتان كاملتان تمران على وفاته، في هذا اليوم تذكرت هذا الكتاب مع استمرار مصادرة الفضاء العام من قبل المتاجرين بكل مآسي الشعب.هذا الكتاب
image

نصر الدين قاسم ـ إلى جنة الفردوس أيها الحكيم بوح على هامش الوفاة... الشيخ عشراتي

نصر الدين قاسم  وفاة الدكتور الشيخ عشراتي حبست أنفاسي وجمّدت الدم في عروقي، وأعجزتني عن التفكير، وحرقة الفرقة قبل اللقاء أصابتني في مقتل.. كلمني الرجل عن مرضه
image

عثمان لحياني ـ الحداثة الصلعاء

 عثمان لحياني  تُعنى الحداثة بصناعة الأجوبة لأسئلة معاصرة و مساعدة المجتمعات في التحول من الاستغراق في قضايا الهامش وعلاقة الانسان بالموت والجسد، الى التركيز
image

وليد عبد الحي ـ ألْغازُ الغازِ : رؤية مختلفة

 أ.د. وليد عبد الحي  في الوقت الذي انصرفت أغلب التحليلات لخيط العلاقة الجديد بين مصر والأردن وإسرائيل في قطاع الطاقة وتحديدا الغاز، فإني لا أعتقد
image

زهور شنوف ـ جزائريات..

زهور شنوف  لا أحب الكتابة عن الإنسان بوصفه "جنسا".. مرارا عُرضت علي كتابة مقالات عن "المرأة الجزائرية" وشعرت ان الأمر ثقيل.. "كتابة على أساس الجنس"! الامر

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats