الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | محمد محمد علي جنيدي ـ الصرخة الغائبة

محمد محمد علي جنيدي ـ الصرخة الغائبة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
محمد محمد علي جنيدي 
 
 
 
 
 
كنتُ دائماً حينما أكتبُ لأُنفسَ عن أفكارِي .. مشاعرِي .. أحلامي .. سرعان ما أُمزِّقُ أوراقي ليكونَ مصيرُها الحرقَ أو سلةَ النِّفاياتِ ، لقد ذهب عمري كُلُّه على هذا النَّحو ولكن أيَّ عمرٍ قد ذهب ، لا بأسَ ولا غرابةَ ، فهو واحدٌ من أعمارِ الصَّامتين !!
أهٍ من الدَّمعةِ الثَّقيلةِ الَّتي تُمَزِّقُ صاحبَها فتُقعدُه فلا يستطيعُ بعدها حِراكاً ، فهل ستكونين يادمعتي هذه المَرَّةُ كالقَشَّةِ الَّتي قسمتْ ظهرَ البعيرِ ؟!.
هُنّ جاراتي، وأُشاهِدُهن جميعاً من نافذةِ غرفةِ معيشتِهم الواسعةِ والمُطِلَّةِ أمامي مباشرةً ، أتذكرُ أمهنّ الجميلةَ والرائعةَ أخلاقاً ، فكم كانتْ هادئةً حَتَّي أنَّني وعلى الرَّغمِ من مرورِ أعوامٍ على مشاهدَتِها فلم أسمعْ لها صَوْتاً، ولكنَّها سُنَّةُ الحياةِ فقد ماتتْ الطَّيِّبةُ مع زوجِها في غارةٍ من غاراتِ هذه الدُّنيا وتركا فيها بناتَهن الثَّلاثة ووالَّذي خلقني لهنّ أنضرُ من زهورِ الرَّبيعِ الباسمةِ ولكن ! يالمرارةِ الإبتسامةِ حينما تنزفُ دموعاً وتَلِدُ جراحاً غائرة!! .
أوسطهن – شهيدة – والَّتي لازم اسمُها معنى صاحبتِه ، فقد توفَّاها اللهُ وغربت شمسُ حياتِها مع إشراقةِ شمسِ أمس – ماتتْ – ولكن أيَّ موتةٍ ماتتْها شهيدة !!

فقد شاءتْ الأقدارُ أن تطيرَ رُوحُها الشَّريفةُ وتجدَ الخلاصَ جوارَ بارئِها أخيراً في حوارٍ قصير - نعم - رحلتْ في حوارٍ ونالتْ الشَّهادةَ في حروفِ التَّعبيرِ عن مشاعرِها.
بدأتْ القصَّةُ قُبَيل ساعاتٍ ، فقد كنتُ أسمعُها وأشاهدُها تُدِيرُ حواراً مع عَمِّها ( الحاكم بأمره ) والَّذي ابتلتْه أقدارُه ، فأصبح مسئولاً عن حياتِهن وتدبيرِ حاجاتِهن بعد فقدانِهن القلوبِ الرحيمةِ في الدُّنيا وأصبحن أيتامَ الأبِّ والأم.

سألتْه شهيدة:
- ما الَّذي سوف يحدثُ ياعمُّ لوأنَّكَ تركتَ لأختي ( شجن ) حرِّيَّةَ اختيارِ شريكِ حياتِها ؟! وكيف تُستباحُ هكذا لِمَنْ لا ترغبُ فيه ولا في معاشرتِه !!
ثُمّ سَكَتتْ قليلاً لتحاولَ أنْ تُهدأَ مِنْ حِدَّةِ حديثِها ، ثمّ قالتْ له مَرَّةً أخْرَى:
- استحْلِفُكَ بالله عَمِّي العزيز وبكلِّ غالٍ أن تُراعى مشاعرَ أختى شجن ولا تكبت مشاعرَها
انتهى حديثُها ، فقال العَمُّ لها ساخراً قولاً في غيرِ موضعِه:
ما هذا العَبَثُ يا ناقصاتِ العقلِ؟! ، ألم يَكُنْ العريسُ الَّذي أُقَدِّمُه هو الأكثر مالاً والأعلى مَنْصِباً ؟! أتعتقِدِين أنّ مِثْلِى يترك فرصةً كهذه ينتظرها منذ أعوامٍ ؟! عجباً لكم أيُّها الجيلُ الأحمق !! اغْرُبِي عن وجهي ولا تُضَيِّعِي وقتي ، بهذه الكلماتِ كان العَمُّ قد اغتال الحوارَ معها وأطبق على أنفاسِ شهيدةَ تماماً بالألمِ واليأسِ وما يَزال ضاغطاً عليها بسخريتِه حتَّى استفزّ جبروتُه ضميرَها ، فقالتْ له بصوتٍ حادٍ أَسْمَع كُلَّ الجيران:
- يا عَمُّ لا هذا المَنْصِبُ الَّذي تُبارِكه ولا هذا المالُ الَّذي ترغبُ فيه يَمْلُكان نبضَ قلبٍ ولا يَصنعان لأحَدٍ أُلْفةَ رُوح وهُنا بَدا العُمُّ وكأنَّه دِيكٌ رُومِيٌ وقد نَفَش ريشَه بعدما أخَذَتْهُ العِزَّةُ بالإثْمِ وهو الَّذي من قبل كان لا يسمعُ لها صَوْتاً .
فانهال عليها ضَرْباً ولَطْماً حَتَّى كانت اللطمةُ الأخيرة – لطمة الموت – الَّتي أخذتْ برأسِها على طاولةِ الغرفةِ فأمْسَكَتْ أنفاسَها عن الحِراكِ وقلبَها عن النبضِ - وهنا - فاضتْ رُوحُها ولكن فجأة !! بَدَتْ خلفهما أمامي أخْتُها الصُّغْرَى وهذا ما ذبحني أكثر وآلَمَنِي أكثر وسلب مِنِّى وَعيي للحظاتٍ ، لأنَّني رأيتُها في مشهدٍ سيَظلُّ عالقاً ببالي طوال العمر ، حيث تَرَى الدِّموعَ نازِفةً والعيونَ تائهةً بغيرِ نحيب!! فلم أسمعْ منها صَوْتاً خافِتاً واحداً يَسْكُنُ إلَيْهِ ضَمِيري وتُلْقِي - النِّهايةُ - بظِلالِها على عَيْنِي وتُلْقِي الصَّغِيرَةُ بحقيبةِ مدرستِها على الأرضِ ثمّ تَنْهارُ على رُكْبَتَيْها وهاهي مازالتْ صرختُها الغارقةُ غارقةً في غَيَابَاتِ الحَلْقِ تنتظرُ مَنْ ( يَلْتَقِطُها ) مِنْ أيادِي الشُّرفاءِ، وإنَّهُ – لَيَحْزُنُنِي – أنَّني بعدما اسْتَرَدَّيْتُ وَعْيي كنتُ قد أدركتُ مؤخراً أن المسكينةَ كانت خائفةً أن تُصاحِبَ دموعُها تلك - الصرخة الغائبة - فتقول بها لِعمِّها الطَّاغِيَة ..لا..لا !!

m_mohamed_genedy@yahoo.com

شوهد المقال 1194 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ الاتصال في قصر المرادية.. من اللقاءات الدورية إلى الحوارات الفرنسية

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 182   الحوار الذي أجراه المسؤول الأول عن قصر المرادية مع قناة فرانس 24 الفرنسية عشية الاحتفال بالذكرى 58 لعيد الاستقلال،
image

اعتقال الدكتور فارس شرف الدين شكري في بسكرة الجزائر بسبب محاولته اعطاء حلول لانقاذ مدينته من جائحة كورونا

عين الوطن  الدكتور #فارس_شرف_الدين_شكري تم اعتقاله امس بسبب منشوراته على الفايسبوك حول كورونا وتفشيها، في #الجزائر لا تتحدث لا تناقش لا تهمس ببنت شفة ،
image

نجيب بلحيمر ـ الحوار الخطيئة في التوقيت الخطأ

نجيب بلحيمر  إلى من توجه عبد المجيد تبون بحديثه في فرانس 24؟ السؤال تفرضه المناسبة. من الناحية الرمزية يعتبر ما أقدم عليه تبون أمرا غير مسبوق في
image

رشيد زياني شريف ـ حراك الشعب وحراك القصر

د. رشيد زياني شريف  لا شك لاحظتم شراسة الهجوم على الحراك في الآونة الأخيرة، وخاصة أثناء "الهدنة الصحية" ولم يفتكم تعدد التهم وتنوعها، من كل
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجالية الجزائرية ..رسالة للعالم

 د.العربي فرحاتي  بشعارات الوحدة ونبذ التفرقة بين العرب الأمازيغ وبين أحرار الداخل والخارج ..وبالاناشيد الوطنية وزغاريد الحراير.. وفي مناخ أخوي نضالي..انتفضت الجالية الجزائرية في
image

خديجة الجمعة ـ الفارس الملثم

خديجة الجمعة    وفي ليلة ظلماء أسهبت بنظري للسماء محلقة بفكري . علني أجد شيئا ما بداخلي. وإذ بي أراه حقيقة لاخيال وتلعثمت حينها . وفركت عيني
image

عادل السرحان ـ شهداء الجزائر يعودون

عادل السرحان                   أهلاً بمَنْ فدّى الجزائربالدمِإذ عاد مزهواً بأجمل مقدمِأرواحهم قد حلّقت فوق  العُلاورفاتهم مسك يضوع بمعصمِ مُذْ في فرنسا والجماجم عندهاشطر الجزائر تستديرُ لتُحرمِسبعون عاماً بعد
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats