الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | محمد محمد علي جنيدي ـ حديث المساومة

محمد محمد علي جنيدي ـ حديث المساومة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
محمد محمد علي جنيدي 
 
 
 
كان صغيراً جميلاً محتضناً أقدام أبيه، أينما تحرَّك فهو معه، لكنَّه سرعان ما افتقده وهو ابن الخامسة من عمره، وتمرُّ الأشهر والطِّفل قد تولاه مولاه، حتى التحق بمدرسة قريبة من منزله بمصر القديمة.

في أوَّل أيَّام العام الدِّراسي انطلق نحو مُدرس اللغة العربيَّة واحتضنه باكياً قائلاً له: (بابا حبيبي)، فكم كان الأستاذ عظيم الشَّبه بأبيه، ومنْ حينها دأب الطِّفل كُلَّ يوم على سؤال أمِّه: لماذا يا أمِّي لا أرى أبي إلا في المدرسة؟! .. وهكذا تفاقمتْ مشكلة الطِّفل برؤية أستاذه، حتَّى اضطرَّت إدارة المدرسة إلى استدعاء الأمِّ لتجد معها حلولاً لحالة ابنها.

أثناء محادثة الأمِّ مع مدير المدرسة يدخل عليهما أستاذ اللغة العربيِّة، فإذا به - كأنَّه - هو.. هو، ولكنَّها نجحتْ في السَّيطرة على مشاعرها أمامه، ثمَّ تقدمت بطلب أجازة لابنها بعدما أدركتْ حجم المشكلة برؤيته لهذا الأستاذ دائما، بل أنَّ هذا اللقاء كان قد جدَّد لها جُرحها القديم وأوهج من جديد نار فراق زوجها - على كُلِّ حال - أقبلت الأجازة الصَّيفيَّة، فسافرتْ بابنها إلى أقصى صعيد مصر حيث تُقيم عائلتهما، وتَمُرُّ الأيَّام ثقيلة عليهما إلى أن وقعت - المفاجأة الكبرى - فقد حضر الأستاذ ليطلب يدي الأم من كبير العائلة، وقد كان حينذاك هو- عَمُّ الطِّفل - وعلى الرَّغم من دهشة العمِّ لوجه الشَّبه الكبير بين الأستاذ وأخيه المتوفى إلا أنَّه لم يوافق على طلبه مخافة أن يكون قد خطط للزواج من أرملة أخيه طمعاً في أرث ابنه.

وبين ليلةٍ وضحاها وعلى غير المتوقع – يُفاجِئُ – العمُّ كلَّ أفراد العائلة بطلب الزَّواج من أرملة أخيه، ولكنَّها رفضت بشدة وأقسمت على أن تبقى أرملة طوال حياتها خيرا من هذا العرض التعس، ومن هنا لاحقتها المشاكل من عائلة ابنها وتناثرت الأحاديث عليها، حتى أن هؤلاء قد استعذبوا اغتيابها وأحكموا التَّضييق عليها فاتَّهموها بحبِّها لأستاذ ابنها، وهكذا طاردوها إلى أن استطاعوا إرغامها بالفعل على الزَّواج من العمِّ الظَّالم، فلمَّا كانت ليلة الزَّواج الأولى، هرب الابن كراهية لعمه هروباً دام طويلاً، وتمرُّ بضع سنين، ولا يجدونه أبداً، وكأنَّما ابتلعته الأرض واختفى أثره تماماً ومن هنا استحالت الحياة بين الزَّوجين.

مرت الأعوام القليلة، والعمُّ الظَّالم على ما هو عليه يريدها صفقة، تدفع الأمُّ له فيها ما يوازي ميراث ابنها عن أبيه مُقابل إطلاق سراحها، والأمُّ على مرضها- صابرة وثابتة - على الحق.

وفي يوم ما وأثناء تجمُّع لكبار عائلات القرية للوصول إلى حلٍّ يُرضي جميع الأطراف.. إذا بالابن يظهر في صحبة الشُّرطة، وفي هذه اللحظة وبعدما سمع الابن جانباً من حديث المُساومة، قال لعمِّه صارخاً في وجهه: أخا أبي.. لن تنال شيئاً من إرثي ولا من مال أُمِّي ، ولتعلم أمام النَّاس لأن استطعت النَّيل منْ حياتي وحياة أُمِّي لذلك أهون على نفسي من التَّفريط في شبرٍ واحد من حقِّ أبي عن أبيه - فافعلْ ما شئت - فوالله ما شعرتُ باليُتم إلا وأنا أراك جاحداً وأنت عمِّي!!، وما أوشك الابن من الانتهاء منْ مقولته المُؤثِّرة إلا وكبار رجال القرية قد قاموا على قدم رجلٍ واحد يضغطون على العمِّ الظَّالم ويُطلقون الصَّيحات في أُذنيه مُدَوِّية: طَلِّقْها.. طَلِّقْها.. وهنا ترنحت إرادة العم ووقف من الأرض مُتَثاقِلاً.. صارخاً في وجوههم جميعاً، ومُوَجِهاً لها حديثه: يا أنتِ .. أنتِ طالق.. طالق.. طالق.

m_mohamed_genedy@yahoo.com

شوهد المقال 1551 مرة

التعليقات (2 تعليقات سابقة):

صباح جنيدي في 08:53 27.06.2020
avatar
قصة مؤثرة جدا
أعجبني موقف الأم حين حافظت على حياة ابنها نقلته من مدرسته
وأعجبني شجاعة الابن وثباته على الحصول على حقه وحق أمه
قصة جميلة ما شاء الله للعبرة والعظة
جزاك الله خيرا ا ديبنا وشاعرنا الرائع
محمد جنيدي في 07:06 03.07.2020
avatar
سلمت أناملكم أختي الغالية، وأجمل الشكر لمروركم العطر وهذه الحروف الطيبة
محمد جنيدي

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عثمان لحياني ـ سندي الأول ..الجيش

عثمان لحياني  في مجمل الحوار تغيب الرؤية ولا يحضر المشروع ، تَحضر النوايا ولاشك لكنها لا تقدم ولا تؤخر في حاضر الأزمة، مخرجات الحوار موجودة في
image

العربي فرحاتي ـ هذا اقذر نفاق سياسي..رأيته

د. العربي فرحاتي  الحراك الشعبي - كما عايشت فعالياته وفهمته في كليته - مسار واضح لم يتغير منذ بدأ..مسار حدد في شعاراته المركزية الوطنية التي باتت
image

رضوان بوجمعة ـ نحو انتخابات عدد مترشحيها أكبر من عدد الناخبين!؟

د.رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 196خرجة مقيم المرادية، أمس، وبعيدا عن مناقشة شكلها ومضمونها، أهم رسالة سياسية فيها للجمهور، كانت القول إن الانتخابات التشريعية ستتم بعد 3
image

الحرية للناشط السلمي محاد قاسمي Free Mohad

الحرية وكل التضامن مع الناشط السلمي المدافع عن خيرات الجزائر محاد قاسمي الذي يرفض اليوم طلب الإفراج المؤقت عنه في ادرار وتلفق له تهم خطيرة
image

وليد عبد الحي ـ مشروع سمو الأمير حسن للشرق الاوسط

أ.د .وليد عبد الحي نشرت صحيفة يديعوت أحرنوت مع نهايات شهر شباط/ فبراير الماضي نص رسالة او مقال منسوب لسمو الامير الحسن حول رؤيته لمشكلات
image

عبد الجليل بن سليم ـ الحراك بين.le peuple و l'individu

د . عبد الجليل بن سليم  قبل ما نبدا. مستحيل تفهم السياسة و الانسان ما قراش التاريخ، شخصيا من أهم الفترات اللي أفادتني ياسر في فهم
image

بوداود عمير ـ الاشعاعات النووية من الصحراء الجزائرية لجبال فرنسا

بوداود عمير   تظهر الصورة منظرا من السلسة الجبلية "جورا" الفرنسية على الحدود السويسرية، وهي منطقة معروفة بكثافة ثلوجها وسُمكها، وقد تحوّلت من اللون الأبيض إلى اللون
image

نصر الدين قاسم ـ عور التحليل وبؤس التدليل

نصرالدين قاسم أعاب بعض الإخوة بعض الشعارات التي رفعها بعض المحتجين، وهتفت بها حناجر بعض الغاضبين في مسيرات الجمعة السادسة بعد المائة، ووجدوا فيها صهوة للتحامل
image

نجيب بلحيمر ـ مجازفة التأويل " شعارات الحراك الجزائري "

نجيب بلحيمر  الاستغراق في التحليل قد يحجب عنا التفاصيل البسيطة التي نراها على الأرض، والاجتهاد في البحث عن قراءات تؤكد ما نفكر فيه يؤدي في بعض
image

رشيد زياني شريف ـ اسئلة للقانوني رضا دغبار حول الحراك الجزائري

د. رشيد زياني شريف  لا نخوّن أحد، لكن، لن تكمموا أفواهنا، نحن أحرار ولا نساوم فيما نعتقده حقاأوجه جملة من الأسئلة إلى السيد رضا دغبار، هي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats