الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | محمد محمد علي جنيدي ـ حديث الصالحين

محمد محمد علي جنيدي ـ حديث الصالحين

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
محمد محمد علي جنيدي
 
 
أسرع الشاب الخطى إلى المسجد فجرا، فقد كادت السماء أن تجود بأمطارها، وبعد جلوسه وجد وجوها غريبة عن رواد المسجد في انتظار الصلاة، يبدو عليها أثار السفر، قدّم إمام المسجد كبيرهم ليصلي بالناس لاحظه الشاب وألفته عينه، هو شيخٌ بلغ من العمر عتيا وغزا الشيب لحيته ورأسه تماما، ولكنه نشطا تشع من وجهه الحيوية والذكاء، وتجتذبك دعته وسماحته وما يبدو عليه من جمال روح، وبعد أن أتم الشيخ صلاته بالناس عرّف نفسه قائلا أنا الدكتور فلان من القاهرة، قضيت من عمري أكثر من ستين عاما مهتما بتحصيل وتحقيق علم الطب فقط، وله أنفقت أسفاري وجهدي إلى أن جاءني إخواني هؤلاء الذين أصطحبهم معي من حينها إلى ما يشاء الله، وأيقظوني على دعوة إلى الله، ما أحسنها، رقت لها قلبي، واشتعلت في نفسي بها طاقة التوبة إلى الله، ثم أردف وهو ينظر إلى الشاب قائلا: لي أبناء في سن شبابكم هذا، ولكنهم تنكروا عليّ إطلاق لحيتي وفتح عيادتي لفقراء الناس واهتمامي بإرضاء ربي بعد أن تبعثر عمري كله في عمل أكاد أترك ثماره لغيري وأنا لا أدري حاله مع الله، تركوني وشأني وقاطعوني، هداهم الله، ولكنني أصررت أن أنفق ما بقي من عمري في سبيل الله.

لم تغادر عين الشيخ الشاب، وكأن الحديث له وحده، وقال اسألوا الله حسن الخاتمة فلا يدري المرء بأي عمل يلقى ربه، ولقد كنا ذات يوم في سفر إلى الله، فاستقرت أقدامنا أمام باب خمارة، فقال أحدنا لعلنا ننقذ أحدهم من الغرق، فدخلنا ونحن في منعة الله مستعينون به، تفحصنا وجوه الناس حتى وقع نظرنا على شاب اعتراه الحزن والهم الثقيل، لكنه كان ما يزال يقظ العقل، فتبادلنا أطراف الحديث معه حتى رق قلبه وفاضت عيناه بالدمع وأخذناه خارج الخمارة إلى مسجد من مساجد الله فاستحم وتوضأ وصلى صلاة العشاء، وذهب بنا نحو بيته، وأوصانا بالمجيئ إليه عند آذان الفجر، فربما يغلبه النوم وكذلك أوصى أهله معنا، وعند الفجر عدنا إليه، فلم يفتح الباب، ذهبت زوجته إلى فراشه، ولم يستجب لها، فاستدعتنا، فدخلنا، وقمت بالكشف عليه، فإذا به قد فارق الحياة على توبة واستغفارٍ ودموع رجاء لله بعد أن صلى العشاء عازما إقامة صلاة الصبح، نسأل الله له الرحمة ونسأله لنا ولكم حسن الخاتمة.

انتهى حديث الرجل الصالح وانصرف الناس وبقي الشاب في موضعه مستغرقا في الدعاء إلى الله بحسن الخاتمة، وعندما هم بالإنصراف من المسجد تصافح مع الشيخ الذي أبدى اهتماما خاصا به قائلا له.. يا بني إني أرى نورا في وجهك، فاحرص عليه حتى تلقى الله به.

m_mohamed_genedy@yahoo.com

شوهد المقال 2970 مرة

التعليقات (4 تعليقات سابقة):

صباح جنيدي في 08:04 11.02.2020
avatar
قصة جميلة ورائعة
ربنا يهدينا يارب إلى سواء السبيل
ويحسن خاتمتنا وأن نلقاك يارب وانت راض عنا
وتكمل لنا سعادتنا برؤية وجهك الكريم يوم نلقاك فرحين مستبشرين
اللهم آمين يارب العالمين
محمد محمد علي جنيدي في 02:47 12.02.2020
avatar
جميل الشكر لكم أختي الأستاذة صباح جنيدي
وأدعو الله أن يستجيب لدعائكم الكريم ، اللهم آمين.
حمدى عويس في 03:51 15.02.2020
avatar
قصة جميله استاذ محمد
الهم ارزقنا حسن الخاتمه
محمد محمد علي جنيدي في 02:37 16.02.2020
avatar
رب يحفظكم ويبارك قدركم أخي الكريم أستاذنا أستاذ حمدي عويس
أشكركم أجمل الشكر لكم

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي
image

خديجة الجمعة ـ شاه القلب ...أبي

خديجة الجمعة   شاه القلب :هو الذي يعلم أنه إذا غاب أنا بانتظاره، وإن نام اتفقده  . وهو الذي يعلم اشتعال الكلمات بين أصابعي حين اكتب عنه.
image

مريم الشكيلية ـ أوراق مرتبة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان   يدهشني أن كل الأشياء التي تركتها مبعثرة خلفك تترتب في رفوف مخيلتي....رغم تلاشي رسائلك المكتوبة بربيع قلم لا تزال تنبت كالعشب
image

مخلوف عامر ـ المحامية جيزيل حليمي زمن المبادئ والالتزام

 د. مخلوف عامر  تفانَتْ (جيزيل حليمي)في الدفاع عن (جميلة بوباشا) وألَّفت عنها كتابها المعروف بتشجيع من (سيمون دي بوفوار)ورسم بيكاسو صورة مُعبِّرة لـ(جميلة).واستوحِي منه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats