الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | محمد محمد علي جنيدي ـ حكاية بلد

محمد محمد علي جنيدي ـ حكاية بلد

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
محمد محمد علي جنيدي- مصر 
 
 
كنتُ كُلَّما سافرتُ إلى بلدِها صباحاً لزيارةِ عَمَّتي العجوز، رأيْتُها تقطعُ الطَّريقَ لتذهبَ إلى محلِ الوردِ الذي تعملُ فيه، فإذا ما التقيتُ بها شعرتُ أنَّ شيئاً ما قد اخترق غَيَاهِبَ سرائري واسْتَحَلّ في كياني كُلَّ هِمَمِ مشاعري، فكم كانَتْ مشرقةَ الطلعةِ، ساحرةَ النظرةِ، فإذا ما مَشَتْ فكأنَّما النَّسِيمُ قد داعب عودَ الرَّيْحانِ وإذا ما نطقتْ فهي تستلهِمُ في وجدانِك أرقَ مشاعرِ الرِّضا والحنين - جميلةٌ إلى أقصى الحدود - ولن تسعفَكَ أبداً في وصفِها سبائكُ الأحرفِ ولآليءُ الأدبِ الرفيعِ ومِنْ عَجَبٍ أن هذا الجمال الربَّاني كان يُخفى وراءه طوفاناً من الأحزان!.
سألتُها ذات يومٍ: ما اسمُكِ، قالتْ: اسمي بلد، فأعدتُ لها سؤالي مُستغرباً، فأجابتْ: نعم أنا بلد! فاسْتَوْقَفني اسمها الغريبُ وصوتُها الجميلُ والَّذي أصبح بعد ذلك باعثاً لأجملِ قصائدي ومِنْ فرطِ الحنينِ إلى استرضائها تجاذَبني الشَّوْقُ إلى سماعِ أنغامِ حديثِها أكثر وأكثر، فقلتُ لها مُداعباً: أختي بلد.. أتسمحين أنْ أكونَ مُواطِناً في مُقْلَتَيْكِ أو لاجئاً إلى راحَتَيْكِ – ابتسمتْ – فكانتْ ابتسامتُها جوازاً بالمرورِ إلى عالمِها الغريب.
وفي ذاتِ يومٍ آخَرٍ وسَفَرٍ آخَرٍ، ذهبتُ إلى محلِها بذريعةِ شراءِ الوردِ منها وعندما وجدتُها بمفردِها وجدتُ نفسي أسألُها في شجاعةٍ غير مسبوقةٍ عن عُنوانِها، أهلِها، كيف تعيشُ؟... الخ، غير أنّها اسْتَحَتْ مِنِّي وتوارتْ خَجَلاً وبَدَتْ على وَجْهِها مسحةٌ كُبْرَى من الأحزانِ.. إلى درجةِ أنَّكَ بسهولةٍ تستطيعُ أنْ تَلْحَظَ (قصة أشجان بلد) بمجردِ أن تقعَ عيناك على عينيها - هنا – نَدِمْتُ على فضولي وشجاعتي العمياء وجُرْأةِ سُؤالي، فقلتُ لها مواسياً أحزانَها الرقيقة: بلد.. إنَّكِ أفضلُ في عيني من نفسي والعالمِ كُلِّه، ما قصدت إيذاءكِ أبداً، تبّاً لي ولأمثالي. وما إن اخْتَتَمْتُ كلماتي هذه حتَّى رَأيْتُها قد أسرعتْ نحوي وكأنَّما وَجَدَتْ فجأةً الأمانَ المفقودَ في حياتِها الحزينة، فقالتْ في عبارةٍ مُتَقَطِّعَةٍ: كما تراني هكذا.. أعملُ في بيعِ الوردِ يا أخي ولكنني وأمي نَقْطنُ في حارةِ الحَدَّادِين حيث تُحاصرُنا شظايا الحديدِ وقوافلُ الدُّخانِ صباحاً ومساء، أليس هذا غريباً؟!.. ثمّ التَقَطَتْ أنفاسَها المُجْهَدَةَ واستَكْمَلَتْ حَدِيثَها في هدوءٍ مُتَسائلةً: كيف يتغيرُ الإنسانُ للضِّدِّ في كُلِّ شيء بغيرِ مبررٍ ولا مقدمات؟!، ثم بَدَأتْ حِكايَتَها قائلةً: أذكرُ جيداً متى كان ميلادُ مأساتِنا – نعم – كان ذلك حينما وضع جارُنا الظَّالمُ يدَه أعواماً عِجافاً على أعرقِ وأجملِ قطعةِ أرضٍ لأمى الغنيَّةِ مُسْتَغِلّاً لنفوذِه تارةً ومُزَوِّراً أوراقاً وتاريخاً تارةً أخرى ثمّ وأنا هكذا أصغي لها وأُتابعُها بكلِّ خلجاتِ نفسي، إذا بها تفاجئني بإعادةِ سؤالِها الذي طَرَحَتْهُ منذ قليلٍ، فتعاودُ قولَها: بالله خبرني.. كيف يتغيرُ الإنسانُ للنَّقِيضِ؟!.. أتعلمُ مَنْ يكون هذا الشَّخص؟! – هو والدي – عُنوانُ عذابي وحيرتي!! لأنني لا أعرفُ كيف يكون الشَّخصُ الَّذي أنصفنا القضاءُ به في قطعةِ الأرضِ المسلوبةِ بجهادِه وحنكتِه وصمودِه حتَّى أعادها اللهُ لنا، هو..هو ذاتُ الشَّخصِ الذي باع كُلَّ أملاكِ أمي تِباعاً بعد ذلك بأوهامِ المستقبلِ الآمنِ وأُكذوبةِ المشاريعِ الذَّكِيَّةِ، فكان حصادُ ثقتِها فيه أن تَزَوَّج عليها مِنْ أُخْرَى وهجرها وهجرنا جميعاً وانتهى المصيرُ بِنَا إلى عالَمِ الحَدَّادِين وانتهى المصيرُ بِه إلى عالَمِ المُرَفَّهِين! وها نحن نعرفُ أين وكيف يعيشُ! وها هو لا يشعرُ بِنَا كيف نجوعُ ونموتُ!!.. حتَّى أنّ رَغِيفَ العَيْشِ لا نحصلُ عليه إلّا بفاصلٍ من قصصِ النِّضَال!! ..ثمّ مَسَحَتْ بحَرائرِ أناملِها لآلئ دموعِها والتي لها فاضَتْ دموعي واتَّقَدَتْ لأحزانِها دقائقُ ضميري ومشاعري، فلَمّا رأتني على هذا النَّحو قالتْ: يبدو أنَّكَ غريبٌ!، فقلتُ: نعم!! وفي زيارةٍ لعمتي العجوز، قالتْ: خَفِّفْ عن نفسِك أخي، يقولُ رَبُّنا (واصْبِرْ وما صَبْرُكَ إلاَّ باللهِ)، فانْفَرَط عُقْدُ مشاعري نحوها أكثر وأنْشَدْتُ لِحَقِّها بَيْتاً لأبي فراس الحمداني (وَمَا إنْ شِبْتُ مِنْ كِبَرٍ ولَكِنْ... لَقِيتُ مِن الأحِبَّةِ ما أشَابَا)، فقالتْ: أوَ أنت شاعرٌ، قلتُ: مِنْ عَذَابَاتِ الحياةِ نكتبُ ونبكي ونحترقُ، فابْتَسَمَتْ ولَمْلَمَتْ دموعَها وكأنَّما قد أشرق الكَوْنُ كُلُّه مع ابتسامتِها وفى هذه اللحظةِ كُنتُ قد سَمِعْتُ صَوْتَ القِطارِ مِنْ قريبٍ، فأدْرَكْتُ بأن ميعادَ العودةِ قد حان وقبل أن نفترقَ ونتبادلَ كلماتِ الوَداعِ قالتْ: وما عن قصتي عندك أيُّها الشَّاعر؟ فقلتُ لها وأنا أهُمُّ بالرَّحِيلِ: عسى اللهَ يمنحني حَرْفاً مُضِيئاً في فصولِها، سأبدأُ التِّرْحالَ فيها من الآن، ثم تَباعَدْتُ عنها خطواتٍ، غير أنَّني وجدتُ نفسي أستديرُ لها مُداعِباً شُعورَها الرَّقيقَ بقَوْلي: أختي بلد.. يا أحَبَّ بُلْدانِ الأرْضِ إلى قلبي أستودِعُكِ اللهَ جامع الناسِ وهو خيرُ الحافظين.

m_mohamed_genedy@yahoo.com

شوهد المقال 997 مرة

التعليقات (4 تعليقات سابقة):

صباح جنيدي في 12:17 14.09.2019
avatar
قصة جميلة جدا ما شاء الله ومعبرة جدا
الله المستعان على كل حال والحمد لله رب العالمين
يعطيك الصحة والعافية وتمتعنا بعذاب وسلاسة الأشعار وجمال القصص الهادفة والرائعة
جزاك الله خيرا
ويسلمك الله من كل سوء
آمين
ashraf في 03:25 15.09.2019
avatar
متالق دائما اخى الفنان محمد جنيدى الى الامام دائما وربنا يوفقكوننتظر المزيد ان شاء الله
محمد محمد علي جنيدي في 08:21 15.09.2019
avatar
بارك الله فيكم أخي الفنان المحترم / الأستاذ أشرف.. حفظه الله،
ودمت محبا للفن الأصيل وفي مقدمتهم الفنان العبقري الموسيقار الراحل الأستاذ/ فريد الأطرش
محمد محمد علي جنيدي في 08:23 15.09.2019
avatar
أشكركم أجمل الشكر لكم أختي الأستاذة / صباح جنيدي
حفظكم ورعاكم الله
أخوكم/ محمد جنيدي

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ بداية ما بعد تبون

نجيب بلحيمر   لا يترك لقاء عبد المجيد تبون مع الصحافيين المجال للتعامل مع الوضع انطلاقا من موقف سياسي من الرجل والطريقة التي وصل بها
image

محمد بوعبد الله ـ مراد هوفمان هدية أوروبا للإسلام

محمد بوعبد الله*  استعرتُ هذا العنوان الجميل الذي كتبه الدبلوماسي الألماني المسلم الأستاذ مراد هوفمان عن صديقه وأستاذه الذي تأثر به كثيرا، المفكر النمساوي
image

محمد محمد علي جنيدي ـ بوح الحقيقة

 محمد محمد علي جنيدي- مصر           أين الطيور الصادحات أين الوجوه الباسمات أين ابتسام الصبح من نبض الحنين أين ارتشاف العطر من ورد السنين أين الرفاق الطيبون
image

فوزي سعد الله ـ طرابلس..بنغازي..درنة... الأندلسيون والموريسكيون في ليبيا

فوزي سعد الله   "....قد تبدو ليبيا الأندلسيون في ليبيا بعيدةً عن المجال الجغرافي الأندلسي وارتداداته ومشاكله وهموم سُكَّانه، لكن التاريخ والآثار العمرانية الأندلسية الطابع
image

حارث حسن ـ ما الذي يريده الصدر؟

د. حارث حسن  اعتقد ان ما نسميه بـ "التيار الصدري" هو حركة بهوية معقدة ومتعددة الأبعاد، هو من جهة تيار "وطني" مع ماتعنيه تلك الكلمة
image

أحمد سعداوي ـ العراق في الطور الثالث للتظاهرات الاحتجاجية

 أحمد سعداوي   نحن الآن، وبحسب رأي الكثير من المراقبين، في الطور الثالث للتظاهرات الاحتجاجية.ـ الأول: صدمة اكتوبرـ الثاني: ما بعد 25 اكتوبرـ الثالث: ما بعد مهلة
image

شنون شعيب ـ الشيخ سليمان بشنون عالم زاهد ألف أكثر من 20 كتابا كرس 7 عقود من العطاء في مجال العلم و الإصلاح

شنون شعيبسليمان بشنون مجاهد و كاتب  من مواليد 6 ماي 1923 براس فرجيوة خرج من رحم الحياة الريفية عائلته تنتمي الى قبيلة بني عمران التي
image

حكيمة صبايحي ـ درس أول من وحي الخيانة الوطنية استرتيجية السياق وخطورة العدائين في أروقة الوهم

د.حكيمة صبايحي خارج السياق، كل الدراسات في العلوم الإنسانية: المعرفية والعرفانية، باطلة، باطلة، باطلة. تظلم الدراسات الخاصة بالعلوم الإنسانية البشرية جمعاء وعلى مدار الأبد،
image

حميد بوحبيب ـ * وقتها وماشي وقتها !*

د. حميد بوحبيب  الذين يعتقدون أنهم خلفاء كرونوس، ويعرفون علم الميقات ليقولوا لنا أن هذه المطالب لم يحن وقتها بعد ، أو أن تلك المسائل فات

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats