الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | محمد محمد على جنيدي ـ حوار مع أبي

محمد محمد على جنيدي ـ حوار مع أبي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
محمد محمد على جنيدي
 
 
كان أبي ابناً لإحدى الطُّرق الصُّوفيَّة وكثيراً ما كان يحدث عند عودتي للبيت وأثناء الثلث الأخير من الليل وأنا أفتح عشوائيّاًَ إحدى غرف الشَّقة يصرخ مُنفزعاً بشدَّة حتَّى يكاد يُغشى علينا معاً وبعد أن نهدأ كنتُ أسأله: ما الَّذي يحدث يا أبي؟!، فيُجيبني مُبْتَسِماً: يا بُنَي.. هذه هي الخُلْوَة، وفي دخولك المُفاجئ أشعر كأنَّكَ تستحضر روحي المسافرة لبارئها فجأة، فيحدث مِنَّي ما تراه – هكذا- كان يعتقد ويُعَوِّلُ على هذا الاعتقاد كُلَّ ما يصدر منه في حياته، كما أنَّه كان لي تحفظات تَخُصُّني على هذه الأفكار وهذه المعتقدات.
وذات يومٍ.. دعاني للسَّفر معه بقرية تُدْعَى ميّانة بشمال صعيد مصر – وذلك - لحضور أُمسية دينية أُعِدَّت احتفالاً بشيخ طريقته والَّذي من خلالها سوف يُلْقِي محاضرة ما – المهم – توافدتْ على مسجد القرية والطُّرقات المؤدِّية إليه أُلوف البشر – كُلُّهم – يُقبِّلُون كَفَّ الشَّيخ ويتبركون به !! حتَّى أتى دوري، فنظرتُ إليه، فرأيتُه رَجُلاً قد غزا الشَّيبُ لحيتَه تماماً.. لا تتجاوز عيناه موضع سجوده.. مُمْدِداً يده لمن شاء تقبيلها!! .. خفيف البدن تطمئنُّ الْعيون للنَّظر إليه.. أعتقد بأنَّه قد تجاوز الثَّمانين من عمره ببضع سنين – ولكنَّني – أمسكتُ بيده الرَّقيقة وهَزَزْتُها فقط مُبدِياً له استيائي من هذا السُّلوك لأهل القرية، وأيضاً عدم رضائي لقبوله تقبيلهم يدَه – هنا- رفع الشَّيخ عيناه في عيني لحظة ليراني- ولم يُعَقِّبْ – ثم أخذتُ مكاني بآخر المسجد بصعوبةٍ بالغة وجلستُ فيه متحفِّزاً لسماع محاضرة الشَّيخ قائلاً لنفسي: ما الَّذي سوف يُضِيفُه هذا العجوز، وبعدها التزم الحُضور بالصَّمت تماماً، وبدأ الرَّجل حديثه قائلاً: بسم الله – هنا – أخذتني غفوةٌ طويلة لم أفق منها نهائيّاً إلّا وهو يختتم محاضرته بقوله: والسَّلام عليكم ورحمة الله، فتَمَلَّكَتْني الدَّهشة، وجُنَّ جنوني، لأنَّني قبل قليلٍ كنت في كاملِ وعيي ونشاطي وعلى أهبَّة الاستعداد لسماع الشَّيخ، فانطلقتُ مُنْدَفِعاً نحو والدي لأستفسر منه وأُحادثه.
فقلت له: كيف قَبِلْتُمْ بتقبيل كفِّ الشَّيخ وكيف قَبِلَ منكم هذا؟!
قال: نحن نُقبِّلُ بركتَه وعلمَه، وهو لكبر سنِّه لم يستطع مقاومتنا، فأهْدَى لنا يدَه.
قلت: أتعتقدون بنافعٍ لكم مع الله وهو النَّافع الضَّار؟!
قال: حاشا لله!! ما أحببناه إلّا لقربه مِنْ مَنْ انتهتْ إليه أشواق المُتَحابين فيه.
قلت: أتستعينون بعبدٍ وربُّنا أقرب إلينا من حبل الوريد؟!
قال: بل نتوسَّل لمولانا العلي القدير بعباده الصَّالحين، كما نتوسل بصالح أعمالنا وصلاتنا ودعائنا.
قلت: إذاً هي الوساطة يا والدي!!
قال: بل هو طلب اتِّباع المقرَّبين .
قلت: وما تفسيرك لغفوتي وأنا في كامل نشاطي وتَحَفُّزي، حتَّى أنَّني لم أسمع من محاضرته سوى ( بسم الله.. والسَّلام عليكم ورحمة الله ).. فتبسَّم والدي وقد وضع يدَه على صدري.
قائلاً: هذه كرامةٌ أُخرى قد أجراها الله على يديه.. أعْرِفُ يا بُنَي قدرَ غيرتِك على دينِك، ولكنَّني أدعوك لمزيدٍ من التَّواضع لربِّك.. وأحببْ فيه مَنْ أحبَّكَ يُحِبُّك.. واخفض جناحك لمن والاه .. يُعِزَّك .. وليَكُن نصب عينك وأساس علمك قوله سبحانه وتعالى ( فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) صدق الله العظيم.
فهزَزْتُ رأسي مُسْتَغْرِقاً في دهشتي راضٍ بمنطق والدي، قائلاً له: بحقٍّ والله.. ( فَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ ) صدق الله العظيم.

m_mohamed_genedy@yahoo.com

شوهد المقال 1402 مرة

التعليقات (2 تعليقات سابقة):

صباح جنيدي في 02:42 09.09.2019
avatar
كلام جميل جدا
فوق كل ذي علم عليم
اللهم ارزقنا حبك وحب من يحبك وحب كل عمل يقربنا إلى حبك يارب العالمين
جزاك الله الف خير اخي الحبيب محمد محمد علي جنيدي
محمد محمد علي جنيدي في 01:28 13.09.2019
avatar
بارك الله فيكم وجزاكم عنا كل خير أختي الحبيبة
محمد جنيدي

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نجيب بلحيمر ـ بداية ما بعد تبون

نجيب بلحيمر   لا يترك لقاء عبد المجيد تبون مع الصحافيين المجال للتعامل مع الوضع انطلاقا من موقف سياسي من الرجل والطريقة التي وصل بها
image

محمد بوعبد الله ـ مراد هوفمان هدية أوروبا للإسلام

محمد بوعبد الله*  استعرتُ هذا العنوان الجميل الذي كتبه الدبلوماسي الألماني المسلم الأستاذ مراد هوفمان عن صديقه وأستاذه الذي تأثر به كثيرا، المفكر النمساوي
image

محمد محمد علي جنيدي ـ بوح الحقيقة

 محمد محمد علي جنيدي- مصر           أين الطيور الصادحات أين الوجوه الباسمات أين ابتسام الصبح من نبض الحنين أين ارتشاف العطر من ورد السنين أين الرفاق الطيبون
image

فوزي سعد الله ـ طرابلس..بنغازي..درنة... الأندلسيون والموريسكيون في ليبيا

فوزي سعد الله   "....قد تبدو ليبيا الأندلسيون في ليبيا بعيدةً عن المجال الجغرافي الأندلسي وارتداداته ومشاكله وهموم سُكَّانه، لكن التاريخ والآثار العمرانية الأندلسية الطابع
image

حارث حسن ـ ما الذي يريده الصدر؟

د. حارث حسن  اعتقد ان ما نسميه بـ "التيار الصدري" هو حركة بهوية معقدة ومتعددة الأبعاد، هو من جهة تيار "وطني" مع ماتعنيه تلك الكلمة
image

أحمد سعداوي ـ العراق في الطور الثالث للتظاهرات الاحتجاجية

 أحمد سعداوي   نحن الآن، وبحسب رأي الكثير من المراقبين، في الطور الثالث للتظاهرات الاحتجاجية.ـ الأول: صدمة اكتوبرـ الثاني: ما بعد 25 اكتوبرـ الثالث: ما بعد مهلة
image

شنون شعيب ـ الشيخ سليمان بشنون عالم زاهد ألف أكثر من 20 كتابا كرس 7 عقود من العطاء في مجال العلم و الإصلاح

شنون شعيبسليمان بشنون مجاهد و كاتب  من مواليد 6 ماي 1923 براس فرجيوة خرج من رحم الحياة الريفية عائلته تنتمي الى قبيلة بني عمران التي
image

حكيمة صبايحي ـ درس أول من وحي الخيانة الوطنية استرتيجية السياق وخطورة العدائين في أروقة الوهم

د.حكيمة صبايحي خارج السياق، كل الدراسات في العلوم الإنسانية: المعرفية والعرفانية، باطلة، باطلة، باطلة. تظلم الدراسات الخاصة بالعلوم الإنسانية البشرية جمعاء وعلى مدار الأبد،
image

حميد بوحبيب ـ * وقتها وماشي وقتها !*

د. حميد بوحبيب  الذين يعتقدون أنهم خلفاء كرونوس، ويعرفون علم الميقات ليقولوا لنا أن هذه المطالب لم يحن وقتها بعد ، أو أن تلك المسائل فات

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats