الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | لبيد العامري ـ الأطياف

لبيد العامري ـ الأطياف

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

لبيد العامري 

 

 

 

في منتصف الليل، الساعة الثالثة تماما، انتهت السهرة مع الأصدقاء وحان وقت العودة إلى البيت. في الطريق المؤدي إلى البيت تجثم ظلمة الليل بكل ثقلها على ظهر الشارع الخالي من الاضاءة، فيما يخيم الصمت المطبق بأقسى وحشيته، وحتى أصل إلى البيت ينبغي علي المرور بمحاذاة المقبرة، تلك المقبرة المقفرة التي حيكت حولها القصص الخرافية والشائعات.
بعيدا أنا الآن بعض الشيء عن المقبرة، في حين ثمة كلاب تنبح بمحاذاة السيارة وتلاحقها إلا أنها تعبت وتوقفت في نهاية الأمر. أشاهد من حيث أنا، ثمة أشياء متحركة تخرج من المقبرة تشبه الأطياف، تعبر الشارع في مشية مترنحة غريبة كالتي كنت أشاهدها في أفلام الرعب ، وتماما مثل ما تخيلته حينما قال لي صديقي ذات يوم عن هذه المقبرة: في منتصف الليل يخرج الأموات منها (مغايبة) متشحين بأكفانهم.
وحين أقتربت أكثر من حيث هم، شاهدت رهطا من الناس غريبو الأطوار بملابس رثة للغاية. كنت مشدوها من هول ما أرى، أنا الذي لا أؤمن بالأوهام والخرافات الخارجة عن حدود المنطق، لكنها ها هي تجبرني على تصديقها. مرقت من قربهم خلسة فيما الوجل والدهشة يغشياني، أما العين فظلت تحدق في الطريق المظلم أمامي.
بعد نصف كيلومتر، بدأت الأفكار تتفاقم برعونة في رأسي: هل غلبتك الخرافات؟! أن تصل البيت يعني أنك هُزمت؟! يجب أن تعود وتكتشف الأمر أكثر!! إلخ .. 
ركنت السيرة على الرصيف، وحاولت أن أُهدئ من روعي، وأخيرا قررت العودة إليهم لأتأكد أكثر مما رأيته، فما هذه الدنيا غير تجارب وسعي إلى اكتشاف الحقائق، والأمر ليس بتلك الخطورة فأنا محشور في جوف سيارة تحميني، فإن بادروا هم بالهجوم فسيارتي أسرع من مشيتهم المترنحة والبطيئة مثل سلحفاء أثملتها ملوحة البحر ، أو لا بأس بدهسهم تحت العجلات فهم في حقيقة الأمر أموات، ولا أعتقد أن ثمة أي عقوبة على هذا الفعل.
أدنو منهم في هدوء، أطفئ ضوء السيارة، وجدتهم وقد جلسوا في شكل حلقة يتوسطهم شيء ما لا أستطيع رؤيته، هل هي فريستهم يا ترى؟!
أقترب أكثر، ها أنا بمحاذاتهم الآن. هل هم حقا أموات خرجوا من قبورهم؟! فملابسهم ليست متسخة إلى ذلك الحد. قررت أن أشعل الإضاءة في وجوههم ويحدث ما يحدث، أشعلتها فرأيت كؤوسا زجاجية متوسطة الحجم بعضها في أيديهم وأخرى أمامهم، وثمة قنينة زجاج كبيرة تتوسطهم مملوءة بسائل لم أتمكن تحديد لونه تماما، ومع ذلك لم يبالي أحدا منهم بالإضاءة الموجهة نحوهم سوى شخص واحد، نظر إلي مبتسما وقام ببعض الإشارات، ففهمت منها أنه يدعوني للترجل من السيارة والالتحاق بهم، فامتنعت بابتسامة لطيفة، ومن ثم عدت أدراجي قافلا إلى حيث كانت وجهتي كما محارب خرج سالما من معركة غامضة، فيما ضحكتي العالية تختصر المسافة وتلطف من وحشة الطريق.

 

شوهد المقال 614 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

فيصل الأحمر ـ الحراك و"المابعدية" (أو حديقة الحيوانات الأيديولوجية )

 د. فيصل الأحمر    فجأة ظهرت فصائل كثيرة ناتجة عن الحراك المبارك في الجزائر وكلها تتبنى السابقة المغرية "ما بعد":*مابعد الثوري: وهو مثقف كهل ركب الحراك ثائرا
image

نوري دريس ـ حينما ترى أعين حشماوي أيدي المخابرات الخفية, وتعمى عن رؤية ألاف الشباب في الشوارع

د. نوري دريس  في حوار مع مجلة la Croix, يدافع عالم السياسة الجزائري محمد حشماوي عن اطروحة مفادها ان الاجهزة الامنية( المخابرات) هي
image

وليد عبد الحي ـ العالم الى اين؟ الحاجة للدراسات المستقبلية

 أ.د. وليد عبد الحي  لأن المستقبل يأتي قبل اوانه بفعل تسارع ايقاع التغير ، فان رصد وقياس حركة ومكونات الظواهر وبمنهجية كلانية(Holistic) اضحى احد مسلمات
image

السعدي ناصر الدين ـ الأربعة الذين تحكموا في مصير الجزائر قبل 1988

السعدي ناصر الدين    هــؤلاء الاربعــة كانــوا يتحكمــون في مصيــر الجزائــر قبــل احــداث اكتــوبر 1988.. الشاذلــي بن جديــد قــائد مسيــرة ضيــاع انهــاها بالسقــوط والبكــاء على
image

عبد الجليل بن سليم ـ النظام ..الخوف المرضي .. Macbeth و Shakespeare

د. عبد الجليل بن سليم  بالنبسة ليا مسرحية Macbeth ليست العمل المدهش لشكسبير لكن هي مسرحية على حسب فهمي من الاعمال العظيمة التي
image

مرزاق سعيدي ـ عاشق الأرض.. والنرجس

 مرزاق سعيدي    عاشق الأرض.. والنرجس*!أشعُر بالخوف على الطبيعة كُلّما صادفت في قلب العاصمة الجزائر أشخاصا يبيعون النرجس البري بأثمان ملتهبة، وخوفي لا علاقة له بالسعر
image

رضوان بوجمعة ـ القضاء المعطل.. الشعب المناضل والعدل المؤجل!

 د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 162  هذه هي الثلاثية التي تصل إليها وأنت تحاول تلخيص أكثر من 15ساعة من جلسة محاكمة فضيل بومالة، أمس، بقاعة الجلسات
image

يوسف بوشريم ـ فضيل بومالة ضحية الأمية الإلكترونية

 يوسف بوشريم  من خلال وقائع محاكمة المفكر والمثقف الحر فضيل بومالة والتهم الموجهة إليه و(مصدر الأدلة) الموجودة في الملف أكتشفت أن المتهم الحقيقي من
image

العربي فرحاتي ـ الحراك..وانبعاث الاستئصال إلى الواجهة ...

 د. العربي فرحاتي  لم أقتنع لحظة واحدة ما روجه ويروجه ورثة الكاشير من النوفمبريين الباديسيين من أن الفكر الاستئصالي الدياراسي يكون قد فارق السلطة الحاكمة
image

نجيب بلحيمر ـ أنا فضيل بومالة .. باسم الحرية أحاكمكم

نجيب بلحيمر   ساعة علقت على حائط قاعة الجلسات الثانية بمحكمة الدار البيضاء كانت تشير إلى الساعة 12 و 17 دقيقة.. التوقيت الصحيح كان التاسعة إلا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats