الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | نزار الحرباوي ـ على حافة حاوية القمامة

نزار الحرباوي ـ على حافة حاوية القمامة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 


 نزار الحرباوي - تركيا

 

 توقف بِنَا السائق في ساحة عامة مليئة بأصحاب القلوب الملتهبة بحثاً عن رزقها في كل اتجاه ، توقفت لدقيقة بعد أن أغلقت باب السيارة لأحدد مسار خطوي وسط هذا الزحام ، وبعد أن أخذت نفساً عميقاً ، وجدت طريقاً ضيقاً يأخذني بعيداًعن زحام الناس وأزمة الحركة .

 تحركت في طريقي الفرعي محاولاً كسب بعض الوقت للوصول لاجتماع عمل ينتظرني فيه بعض الأصدقاء ، ولما وصلت إلى مدخل صغير فتح في سياج على طرف الشارع لفصل المارة عن حركة السيارات في الشارع العام ، ودخلت منه بحذر وتمهل ، فإذا بعيوني تقع على حاوية نفايات في مقابل فتحة السياج الحديدي ، عليها طفل صغير لم يتجاوز السادسة من عمره ، يحاول أن يصعد على أحد أطرافها المعدنية جاهداً للبحث عن شيء ربما قد يجده في عالم صغير بعيد عن عالم الباحثين عن ذواتهم خارج صندوق الكنز المعدني خاصته.

 توقفت قليلاً في زاوية أكاد فيها ان أراه ولا يراني ، وتقصدت أن لا ألفت انتباهه بكوني أراقب ما يفعل من بعيد ، فإذا به يحمل قضيباً معدنياً صغيراً معقوف الطرف بإحدى يديه ، ويحاول من خلاله أن يصطاد شيئاً من بين القمامة المتراكمة في ذاك الصندوق المعدني الكبير .

 استوقفني للمشهد كثيراً، وقررت أن اقتحم جدار الفوارق العمرية وكوني غريباً عنه لم يعرفني من قبل ، واقتربت منه رويداً رويداً حتى لا أخيفه ، وتظاهرت من خلال السعال بصوت خفيف أن أشعره بوجودي ، فإذا بي أرى وجه طفل صغير مكتحل بالبراءة والطهر ، تغطيه من جروح الزمان بعض أتربة الطريق ، وعلى وجهه الملائكي ألوان من صروف الدهر البائس الذي نعيشه فيحترم فيه ذوو المال والجاه ويترك البشر ممن لا مال ولا جاه لديهم ليلاقوا صروف الدهر وكد الحياة بما لهم من طاقة ووسع إن كان لهم من الجهد والوسع ما يقيم أودهم  .

 لا تخف يا بني ، ما اسمك ؟ بادرته بالسؤال بلطف حتى لا أخيف فيه بيارق الطفولة والبراءة ، وكم هالني جوابه برأسه المنخفض خجلا حين قال : سعيد !

 عن أي شعر يمكن للقوافي أن تتسابق في صناعته ووصفه ؟ أي سعادة هذه يا سعيد وأنت بهذا الحال وبهذا المقام ؟

 سألته عّن عمره وبلده ، فطأطأ رأسه كناية عن عدم رغبته بخوض حوار معي ، فسألته قاصداً : هل سقطت منك لعبتك ؟ فقال ببديهة أعجبتني ، سأجدها شكرًا .

 وبلحظة لم ينتبه فيها للاتجاه الذي كنت فيه ، أخرجت من جيبي بعض المال وأسقتطه على الأرض وقلت له انتبه، سقط مالك ايضا ، فنظر في المال لحظة ، ودقق في عيني للحظات ، كأنه يقول لي : لا تحسبني غبيا ، محتاج ربما لكني لست غبيا ، فتبسمت له وودعته قائلاً عِش سعيداً يا سعيد ، فغدا نراك من كبار تجار البلاد بإذن الله، لكن فكر جيداً كيف تنجح .

 أدرت ظهري له قاصدا الاجتماع الذي تأخرت عنه ، ولكن عيونه الملائكية المفعمة بالبراءة والأمل قد أوجدت لدي بعض التساؤلات عن الحياة والواقع والفقر والاستبداد والظلم للطبقات المسحوقة وتعامل البشر مع البشر ، فبينما نعيش ونكافح في الحياة لزيادة ما نملكه، ولله الحمد لكل منا الكثير ، نتناسى من لا يملك حتى ألجأته ظروفه القاهرة للبحث في حاويات النفاية عن شيء قد يبيعه أو دمية ممزقة ربنا يتخذها صديقاً في عالم الجفاف والحسرة والمصالح .

 سعيد هذا الصغير الباحث عن بعض سعادته البريئة في حاويات القمامة ذكرني ببيوت الشعر التي قيلت في الشيشان قديماً إبان الغزو الروسي الآثم لهم ، عندما صاغ طفل صغير مأساة مقتل عائلته أمام عيونه وهو صغير فقال :

نسبى ونقتل يا أبي ونباد .. فإلى متى يتطاول الأوغاد ؟

وإلى متى تدمي الجراح قلوبنا ؟ وإلى متى تتقترح الأكباد ؟

لا تبك يا أبت علي فربما .. قامت على عزمي الصغير بلاد !

 فعلا ًيا سعيد ! قد تقوم البلاد التي حرمتك بجهلها من حق طفولتك ورعايتك على جهدك وعطائك مستقبلاً.. فبلادنا تحتاج لمخلص وليس لمخ لص يا صديقي الصغير !

شوهد المقال 392 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

محمد شوقي الزين ـ البَاريدُولْيَا أو علم تصاريف الصورة

 د.محمد شوقي الزين هل البحثُ عن شيءٍ من شبيه الجنس البشري هو إجراء نرجسي أم ثابتة بيولوجية وأنثروبولوجية قديمة قِدَم الوجود الإنساني في الأرض؟ ندخل
image

فوزي سعد الله ـ البناية الصامتة تحت أقدام الأمير عبد القادر الجزائري

فوزي سعد الله   في ساحة الأمير عبد القادر الجزائري بالعاصمة الجزائرية، توجد بناية جميلة من أهم بنايات هذه البقعة، لكن قد تكون الأقل
image

يسين بوغازي ـ خالد نزاز يتوعد الجزائريين برصاص الأسطول الفرنسي! قراءة موسعة قليلا ؟

يسين بوغازي     أن يتوعد جنرالا متقاعدا شعبا برمته برصاص أسطول عدوه الأول فتلك طامة كبرى، وان يلقى خطابا (1) يفيض كراهية ويحث
image

نجيب بلحيمر ـ الثورة السلمية.. بصرها اليوم حديد

نجيب بلحيمر   بثبات تسير الثورة السلمية نحو تحقيق أهدافها, وعلى طريقها أسقطت كل رهانات السلطة ومناوراتها, بداية من إفشال محاولتين لتمديد عمر النظام عن
image

فوزي سعد الله ـ ساحة الشهداء..."لو نْعِيدْ هْمومي نْعَمَّر ألْف كْتابْ...لو نْعِيد مْحَانِي للبَاكْمِينْ يَدْوِيوْ..."

فوزي سعد الله   عندما كان سيدي محمد بن الشاهد وسيدي أحمد بن عمار، المفتيان المالكيان الشاعران في مدينة الجزائر العثمانية، والرايس حميدو بن
image

زازي سادو ـ القطيعة مع النظام لا تعني الكارثة ، ولا المواجهة

د.زازي سادو  إنَّ المطلب القَوِيّ للقطيعة مع النظام والذي حمله الحَراك الشعبي المكثف،يبدو أنه مَحْجوبٌ عن قسم كبير من السياسيين والمجتمع المدني والنخبة التي تحاول
image

نجيب بلحيمر ـ أيها الأعزاء.. هنا يوجد شعب

نجيب بلحيمر   يبني بعض المثقفين والسياسيين الذين يقدمون أنفسهم كمعارضين, موقفهم الداعم للحوار بالصيغة التي طرحها بن صالح في خطاب 3 جويلية الماضي, على
image

علاء الأديب ـ لمحات تأريخية عن الفن المسرحي في تونس

علاء الأديب يعتبر المسرح من أهم الدلالات التي تشير إلى حضارة البلدان وتحضّر شعوبها في أيّ مكان من هذا العام .ولكوني مهتم بالشأن التونسي باعتبار هذا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ أخي العربي

محمد محمد علي جنيدي- مصر            أخي العربيُّ في أمرٍ يُحاذرُ سطوةَ الشَّرِّ يُغالبهُ وقد أبقى رهانَ القتلِ والنَّحرِ يحومُ الذِّئبُ بالبئرِ ويقضي الليلَ في أمرِ!
image

اليزيد قنيفي ـ دور الإعلام في زمن الحراك الشعبي..‼

اليزيد قنيفي في ظل التحول والمخاض الذي تعيشه البلاد يجدر بنا طرح السؤال عن دور الصحافة في هذا الظرف الدقيق .. مرئية كانت أو مكتوبة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats