الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | إبراهيم يوسف ـ لا يعرفُ العنصرية والتّعصب 2

إبراهيم يوسف ـ لا يعرفُ العنصرية والتّعصب 2

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 

إبراهيم يوسف – لبنان

 

 بروحيَ تلك الأرض في "شمس الجبل".. أرض الطفولة واللهو والعبث البريء، التي ننتسبُ إليها طوعا وحبا خالصا؛ ما دامتْ أرضُها أنعمتْ علينا بالحياة،وتربتُها قرب "النّبي ساما"في الطريق إلى"المعصرة والشعرة"، "وضهر المغارة" وغابة السنديان في "السّلوقي" تترفق برفات موتانا وأحبابنا ممن ينتظرون قدومنا إليهم في أي حين.بأبي أنتَ وأمي وأهلي يا شيخي، وكل ما بقي من النور في عينيَّ وفي قلبي. أنت صديقي لكنك لا زلت مغشوشا بمظهري وسلامة أحوالي، وشخصية"دون كي شوت" التي تحكَّمت في خيالكَ عنِّي..وتلبَّستني.

 ولو أنني أبدو واقفا على قدميّ ولم أنحنِ كثيرا، إلاَّ أنني هشٌ وشديدُ الخواء والوهن، من الداخل المستور بقشرة مزيَّفة،ومرارة لامعة للعلن وغطاء كاذبٍ لم يعد يجدي. يستبدُّ بي الضعف والانكسار السريع، ولستُ كما يتراءى لك كالعملاق أو المارد الجبار،فلا أزيد في الحقيقة عن أرنبٍ جبان وحملٍ متشائم،أعجز من أن يدفع عن رقبته شفرة السكين.. بقايا بشري متهالك تدمع عيناه بسرعة، وتغسل وجنتيه وتقسو على قلبه لأسبابٍ لا تستحق البكاء.

 هذه حصيلة هشاشتي وانكساري، وهذا سِرِّي أرميه بين يديك بلا مكابرة أو خداع. والله لا أدري يا صديقي من أين تأتيني هذي الدموع المستنفَرة البغيَّة فتغزوني وتقهرني من حين إلى حين..؟ لكأنها نشوة نهاية العمر وانتفاضة العشق الأخير..؟ فترفق بقلبي قليلا وأنت تَصِرّ على موعظتي دون أن تيأس مني،ما دمتُ أقلِّدُكَ ومن مريديك وما دمتَ مرجعي وصديقي وشيخي،وأستاذي الذي لا أنكر فضله.

 وهكذا لا يمكنني أن أحبطك، أو أنال من عزيمتك في الخيال والشعر،"ودلعونا والروزانا، وزهر البنفسج يا ربيع بلادنا".مما أحببناه في وَعْيِنا وأحببناكَ بجانبه، وأراهن أن أحدا في البلدة والجوار ممن عرفوك على وجه العموم، لا يحمل لك في داخله، غير الحب والاحترام والمودة الخالصة ومكانة الشيخ الجليل.

 

https://www.youtube.com/watch?v=jQT_JBeA7mk

 وماذا سأفعل أو أقول أمام مخزون معرفتك بالرياضيات والفيزياء،وحساب معادلة سرعة الصوت والنور، وعلم الكواكب والنجوم وسبع سماوات طباق، لا ندري سرَّها أين تنتهي وكيف يمكن أن تكون..!؟وقريحتك المتوقدة وهذا الجموح المتمرد العجيب، ولون شعرك الرمادي تهيم به - بصوتٍ خافتْ - مراهقاتُ هذا الجيل،ورؤيتك المميزة لسائر الأمور تتجاوز حدود معرفتي إلى الآفق البعيد؛ فأنت ممن لايتسع لحضورهم خيال الشعراء، ولا سهرات الصيف في الريف، أو ما ينالني على يديك من تحريض وتنكيل.. وتجريح لطيف.

 فلم أنسَ بعد"حميدان والبدوية الحسناء"، ولا نسي َالمعجبون القراء، حكاية الليل والبخور وسوى ذلك من قول يأسر القلب، ويحفر في الوجدان العميق، ليستوطن بوداعة في قلبي وقلوب "الكثيرين" ذكورا غلاظا أوإناثا أشدُّ فتنة من زهر البريّة في الحقول، وأطهر من عطر النرجس وصفاء البنفسج على قمة الكرمل في فلسطين. تلك الحكايات أذهلني سحر بيانها وسكبها في قالب أبهى من الفراش الملون،وأكثر رونقا من النحل على زهر الخزامى،وصوت الحساسين على حَوْرِ المطاحن في "حُشبى"،وعلى أشجار اللوز والمشمش في البساتين.

 كثير.. المفردة التي وردت في الفقرة السابقة،لا تحتاج إلى تعريف..؟ فلتكن البداية من هنا وأنت ممن يَشْهدُ على كفاءتِه معظم من عرفك من الطلاب،وتتمتع بحسن التعاطي والمودة والقدرة على الصداقة المترفعة العميقة،وفي شريعتك كما في شريعتي..؟ ليس ما يمنع من تعريف مفردة كثيرٍ أو.. قليلْ، ولا من التقاء الساكنين أو الخطَّين المتوازيين، رضي أو غضب نيوتن وعبدالله العلايلي.. وأنشتاين، وسائرالحريصين على الآداب ومختلف العلوم ما دام "بعضها" لم تتأكد "صحته" بعد. ولا خوف أبداعلى لغة القرآن من التحريف، ولو أن اللغة التي لا تتحرك وتتفاعل وتواكب المبتكر الجديد،سيصيبها الوهن والهرم والتخلف الأكيد.

 

كنت على أطراف الماضي البعيد أعلّم ابنتي، حينما أصرَّت أن تستخدم la بدلا من leحرف التعريف الذي يسبق  Musée وLycée ،وكانت حجَّتها أن المفردة مؤنثة ما دامت تنتهي ب e الحرف الساكن الأخرس، ولا يصح إلاّ أن تكون مسبوقة بالتعريف المؤنث La. وحينما لمستُ إصرارها حدَّ العناد..؟ استجبتُ لها وتركتُها تفعل ما تشاء، وأنا أعجز من أن أسيء إلى آدآب اللغة الفرنسية، بفعل التواطؤ مع ابنتي وعلتنا في التذكير والتأنيث.

 وابنتي المعنية بالإشارة، كان من نصيبها أن تتخرج من جامعة فرنسية عريقة. لكنهالا زالت ناقمة على شواذ وشوائب اللغة التي تَعَلَّمَتْها.وتسهرُ في الوقت الحاضرأرفعُ المراجع اللغوية الفرنسية على غربلتها"وتشذيبها" كما أخبرني ذات حين "صديقك الحكيم"، ونحن على منحدرات ضهر البيدر في الطريق إلى شتورة.

 فما بالك بلغة تستخدم عشرين مفردة على الأقل، لتدل كل واحدة منها على"حُبٍّ" أضعناه،وعلى"خَمْرٍ" لا يتعاطاه إلاّ المنحرفون الفاسقون،"وسَيْفٍ" طالما روّجنا له حتى سلَّطوه على رقابنا،وبات من أسباب علتنا حتى تقوم الساعة وينفخ في النفير؛حينما جيَّرَه بعض أهل الأرض، للدفاع عن الحق "المُزَأْبَق"ونصرة الدين الحنيف.

 إذا بخلت السماءواحْتَبَسَ القَطْرُ في السَّنَةِ..؟ فهي: قاحِطَةٌ وكاحِطَةٌ فإذا ساء أثرُها..؟ فهي: مَحْلٌ وكحْلٌ، فإذا أتتْ على الزَّرعِ والضَّرعِ..؟ فهي: قاشورَةٌ، ولاحِسَةٌ، وحالقةٌ، وحَراقٌ. فإذا أتلفت الأموال..؟ فهي: مُجْحِفَةٌ، ومُطْبِقَةٌ، وجَدَاعٌ، وحَصَّاءُ..! قل لي بربك: هل سمعتَ أحدا على مساحة الوطن العربي المجيد، من يستخدم مثل هذه المفردات البالية التي استهلكها العث والعفن.. وما آلت إليه أسباب المعرفة ووسائل العصرودنيا الحواسيب..!؟

 وهذه البلوى الأخرى في أَسمَاء اللَّيْل وأحلامنا المغتصبة..!؟كالصريم، والعقبَة، والجنان، والسمر، والطِّفْل، والكَافِر، والظل، والخدارى، والخدر، والأخدور، والعكامس، والغاسِق، والأغضف، والغميس، والدجوجى، والدامخ، والحندس، والطيسل، والعمساس، والضارب، والطوفان، والسرمد، والساهر، والردف، والدحمس، والدامس، والقسقاس، والعيهب، والدلهمس.. وكفى "ياليل الصبر يا مسهر دموع العين، لا أنا عارف لمين أبكي..؟ ولا عارف لمين أشكي"..؟هذا العذاب اللغوي السقيم.

 

وإذا كانت "رسالة الغفران" إيَّاها..؟ للملحد "الشَّافِر" - بلغة أهل اليمن - صاحب الرأس المقطوع في معرة النعمان، قد تمحورت حول الحشر وما في الجنة والنار، حيث يتحلق المؤمنون حول المآدب في الفردوس، ينعمون بخيرات ما أعدَّ الله لهم من لحم طير مما يشتهون، ومن حور حسانوما في"الجليس الأنيس وأسماء الخندريس"،وكؤوس الطلا ومزاجها من الخمر الأصيل،وسعادة نعيم مقيم لا ينقضي أو يزول..؟

 

هكذا صاغ المعرّي صورة الجنة تبعا لما في أذهان العامة ومعتقداتهم، لتتحول الجنة إلى ما يشبه شؤون كل الشهوات على الأرض، فتستباح فيها "المحرمات" على أنواعها، ويغدو التَّمنَّع عن إرضاء الشهوات في الدّنيا، إن هو إلاّ ضربٌ من الذكاء والحكمة والحيلة والدّهاء،ّ وتأخير في المتع مما سيناله المؤمنون فيالفردوس.وربما يضيق سكان النعيم برخائهم في السماء..؟ ليُجْمِعوا على التظاهروالمطالبة بالعودة إلى الفساد في الأرض.

 وما دمتَ شيخي وأستاذي ومن علَّمني التِّيه،والخروج عن سياق الموضوع،فلم تنصحني مرة وتمسكني من يدي، وتردني إلى صوابي وترشدني إلى الطريق الصحيح..؟فتعال معي واسمع ما قالته هذا الصباح إحدى المذيعات،قبل المباشرة بقراءة الأخبار (وذلك) "بوحي من رسالة الغفران". قالت بصوت متهدج من خشية اللهومن شدة الإيمان:

 من قرأ هذا الدعاء مرة قبل طلوع الفجر..؟ كتب الله له شجرة تفاح في الفردوس،حملتْ بذرتها ملائكة السماء من جبال العاقورة في شمال لبنان، يفيء إلى ظلها مع حورية حسناء– كبدويتك -تخطر مزهوة"بهدوم" مبتكرة من حرير الصين"والساتان" والديباج،وتلتصق بحنايا جسمها الفاتن الريَّان،فتأسر العين وتهفو النفس إلى نعومة جسمها الأبيض الوهَّاج.. أرأيت بنفسك كيف تكون بداية الفردوس..!؟

 ومن قرأ الدعاء مرتين..؟ كُتبتْ له الحورية بقميص نوم شفاف. يكشف عن مفاتن جسدها، أشد نقاء من العاج وضوء الشمس في رابعة النهار. يفوح من أردانها"عطر الفردوس من الشام"، وتلوح عاصفة من الرغبة الموجعة من بين نهديها وردفيها البارزين.لكن من قرأه ثلاث مرات على التوالي كتبت له الحورية بلا  لباس، في حديقة غنَّاء تعجُّ بالسمراوات والشقراوات، والخلاسيات من أشهى وأجمل النسوان.فيها ما لذ وطاب من اللوز والجوز، ومن التِّين والخوخ والتفاح والرمان. ".

 وأما من قرأه أربع مرات متواليات..؟ فقد زاد الله له من خيرات الرزقفي البستان، نهرا من العسل واللبن وساقية من الخمر الحلال، مع كُبَّةٍ نيئة بالزنجبيل من لحم الحجال،في الجرود وعلى  قمم الجبال، تُعِدّها بأيديهن حريم الجنة من أشهى وأجمل النسوان،تزوّد الذكور بطاقة جنسية هائلة قلّما عرفها أقوى الرجال وأشجع الفرسان،وأشجار صفصاف خجولة تميل مع هبّات الهواء،وتنحني دلالا على ضفاف أنهار يوشوشها النسيم، تفيء إليها البلابل والحساسين، وتترنم بالتغريد على أغصانها آناء الليل وأطراف النهار.

 ومن طوَّل باله وقرأه خمس مرات بلا انقطاع..؟كان نصيبه من الجنة بحرا نظيفا كساحل "لارنكا" حيثما ولدت "أفروديت" ربة الحب والشهوة والخصوبة والجمال.تسبح على شواطئه قبيلةٌ من الإناث العاريات."جنس وأكل وشراب وطاقة بلا ضوابط، وراحة وفضاوة بال وحدائق مخضوضرة على الدوام".هكذا فلن تخلو الجنة من القمامة والسرجين، والمخلفات الملوِّثة نتيجة حتمية الإقبال على الطعام والشراب.الجنة بذاتِها سيلوِّثها هذا الإنسان.

 وهذه فحسب بعض سمات الفردوس. ألم ترَ إلآم  أوصلنا التطرف والدواعش من شغل "الأتراك والأميركان"..!؟يُعْرَفُ الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَاهُمْ فَيُؤْخَذُ بِالنَّوَاصِي وَالأَقْدَامِ. فبأيِّ آلآء ربِّكما تكذبان..!؟ وكيف السبيل إلى الصحوة وانتزاع هوية هؤلاء الخارجين على انتمائهم، لدين الحق والرحمة والعدلفي الإسلام..!؟

 وأما من قرأ الدعاء إياه مئة مرةقبل طلوع الشمس، "دقق جيدا بالرقم"، فهات "إيدك" والحقني من كثرة العطاء..! فمتى يا شيخ الشباب ومولانا صاحب العمامة والقفطان، سأجدُ الوقت الكافي لأتنفسَ ولو قليلا، فأعمل وأكد وأشتري خبزا للعيال..!؟ أنا والله في حيرة من أمري، وفي رأسي الفارغ تتزاحم وتصطخب مختلف الدواهي وأسوأ الأفكار، وأتجشم ما عاناه الهدهد  صفيّ  بلقيس، من المهانة على باب سيده وولي نعمته سليمان..؟فهل من فتوى يا مولانا الشيخ..؟ ليرحمك رب العباد ورب الإنس والجان..؟

 

 

شوهد المقال 418 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ بلاد الروح

محمد محمد علي جنيدي – مصر         في بلاد الروح ادور واجري فيها أمشي بين الناس وروحي مش لاقيها كل لحظه تعدي طيفها يمر بيه مر
image

للتاريخ! مع تحيات المادة 102 من الدستورالجزائري المغتصب

 للتاريخ!مع تحيات المادة 102 من الدستور المغتصب.  المادة 102:" إذا استحال على رئيس الجمهوريّة أن يمارس مهامه بسبب مرض خطير ومزمن، يجتمع المجلس الدّستوريّ وجوبا،
image

جمال الدين طالب ـ الإسرائيلي يوفال هرري.. يفقد عقلانيته عند سؤاله عن فلسطين .. ملحد لكنه يؤمن أن الله وعد اليهود بفلسطين

جمال الدين طالب يُقدّم الكاتب والمؤرخ الإسرائيلي يوفال نوا هراري على أنه "أهم مفكر في العالم حاليا"، كما وصفته مجلة "لوبوان" الفرنسية. كتبه تحقق مبيعات
image

يسين بوغازي ـ بوحجة ــــ اويحيـي ـــــ ولد عباس حواش من صراع في البرلمان ؟

يسين بوغازي     بدأ مند ما يقل عن شهرا ، صراع سياسي  في البرلمان الجزائري ، ففتحت  بوابات هذه الأزمة في
image

عزالدّين عناية ـ نهضة الزيتونة.. أو كيف نخرج الحيّ من الميّت

  د. عزالدّين عناية*   بموجب الفترة المطوَّلة التي قضّيتها في جامعة الزيتونة طالبا وباحثا، على مدى السنوات المتراوحة بين منتصف الثمانينيات
image

إبراهيم يوسف ـ دهرٌ من التّشهيرْ والسُّمعةُ المُسْتباحة للأطفال الصِّغار.. والكِبار

  إبراهيم يوسف – لبنان   تقتضي الأمانة الأدبيّة الإشارة أنّ الحكاية نُشِرْت في مجلة عود النّد منذ
image

سيد أمين ـ وجهة نظر حول سوريا وايران والربيع العربي

  سيد أمين غياب الرؤى العميقة ، والأمية السياسية ، والتزمت والرعونة والانتهازية ، هي من الأسباب الأصيلة المسئولة عن تحول وطننا العربي
image

إيناس ثابت ـ ليالي شهرناس 2

 إيناس ثابت  حلَّ المساء ولف الظلام السماء. ولكن القمر كان ينشر خيوطه في الفضاء، والغيوم تحجب نوره من حين إلى حين. وهكذا تثاءبت حقول
image

مجمع اللّغة العربيَّة يصدر العدد التاسع من مجلّته المجلّة

    سيمون عيلوطي، المنسّق الإعلاميّ في المجمع         صدر حديثًا عن مجمع اللّغة العربيَّة في النّاصرة، العدد التاسع من مجلّة المجلّة، لعام 2018،
image

مادونا عسكر ـ الحبّ حتّى المنتهى قراءة في ديوان "لنتخيّل المشهد" للشّاعرة اللّبنانيّة سوزان عليوان

  مادونا عسكر "الحبُّ لا يصنعُ المعجزات هو، بحدِّ ذاتِهِ، معجزة" (سوزان عليوان) يتجلّى الحبّ في ديوان "لنتخيّل المشهد"، عذباً  رقراقاً

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats