الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | حيدر سالم ـ عجين مريدي

حيدر سالم ـ عجين مريدي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

حيدر سالم

 

 

في مدرسة الصدرين قطاع 23 ، يجلس داخل القاعة شلة تنسجهم خيوط الغربة ، خمسة شبان يتبادلون دواوين الشعر و السجائر ، يحتلون آخر القاعة التي غضنها الخدر ، هذه اخر سنة لهم في الاعدادية .
دخل مهدي استاذ الفلسفة ، و انبأهم بسفرة ليوم غد و هكذا سجل الجميع اسمائهم الا صلاح تحجج بالمرض . الشمس ناعسة ، تمد اصابعها اللزجة على سحنته الغاصة بلوعة ما ، من النوافذ تدخل رائحة المكان العطنة و الضجيج ، رائحة الصرف الصحي ممزوجة مع بقايا العشب و الشجر في حديقة المدرسة المقفلة ؛ تشوش فضاء القاعة ، تتدحرج نظراته ساهية داخل الظلال الغافية في هذا السجن المستطيل ، الجميع نائمون مفتّحة أعينهم ! الدرس ماقبل الفسحة الممل ، ينخر عظامهم الوقت المُتسلحف ، ينظر فراس الى صديقه او غريمه صلاح من بعيد ، لم يغب عنه هذا الفتى القادم من عشوائيات المدينة بخطه الذي يفوق خطه جمالا بعدما كان يحظى بهذه الصفة داخل القاعة لوحده ، لكنهما سرعان ما دمجتهما خطوة واحدة ، تطوف بهما شوارع هذه المدينة التائهة ، كان صلاح يقدم عليهم بكيس يخبئ فيه احلامه الصغيرة و احباطاته المتضاخمة ، و كلما كثرت الاسئلة حول الكيس زاد صمته .

 

ساد الصمت في حانوت المدرسة ، كانت الفلافل تنزل ككتلة مخالب الى معدهم الضامرة ، و مازالت نظرات فراس تقشر وجه صلاح الذي طحنته اضراس الكئابة ، لم يضحك صلاح امامه و لامرة حتى سهوا ! و هكذا ارتبط به بعمق و صمت ، تخرج كلمات الحب كنظرات يغسلها اللمعان دائما ، بعيدا عن ما تزجه الأفواه من كذب ، بعيدا عن كلمات الحب المتحجرة ، فقط نظرات دافئة ؛ لحاف للشتاء و فيء وارف في الصيف .

الضجيج يحفرُ رأس صلاح ، شعره القصير أكلته الشمس و احيل لحمرة طفيفة ، يبزغ من وجهه دنمل معبأ بقيح ينتظر الوثوب ، كأنه يريد أن يهرب من هذا الوجه الواجم . سأل فراس صديقه عن سببه الحقيقي وراء رفضه للسفرة الترفيهية ، ساد السكوت برهة ، رد صلاح عليه مُتحججاً بالمرض ايضاً .

بعد انتهاء الدوام ذهبوا خمستهم الى الحديقة ليدخنوا السجائر الرخيصة و يتبادلوا ما حفظوه من الشعر ، كان البيت يخرج من شفة احدهم ليستقر بقلب الاخر ، وضحكاتهم تمتد هازءة كبساطٍ يحلقون فوقه على هذه القضبان ، يأكلون من بائع جوال ، و يرمي احدهم علبة سجائر انهكتها الاصابع ، و يترنمون باغنية ما . انتهى يومهم بعد ارتيادهم صالة الانترنت ، حيث طريق العودة ، من " الجوادر " الى " الكيارة " سيرا على الاقدام منفقين كل نقودهم . الطريق مظلم ، تتحرك الاكياس الفارغة كأفراد المدينة ، تقتادهم الريح و العتمة ، و كلما سالت من اقدامهم خطوة انفلتت من صلاح كلمة ، لقد عزم كالعادة على بيع الدهينة * بعربته في سوق مريدي لاعالة اهله ، منذ سنوات إنقطع عن كتابة الشعر ليصبح قصيدة تآكلتها أتربة التيه . ليصبح مسؤولا عن عائلته !

 

في اليوم التالي كان جميع الطلاب داخل حديقة الزوراء الا صلاح ، يتجولون و ياكلون و يتمرجحون و يتقافزون امام الحيوانات . الخضرة وارفة ، و الاشجار تملئ الافق ، العشب رطب و الناس يمشون و كانهم في عيد ، الاطفال يتراقصون على أغان شغلها الباعة ، و الالوان مبهجة ، الا قلب فراس الذي بقي معلقا بكف صلاح حين وداعهما ليلة الامس ، شعر بانه خان الهم الذي جمعهم . الغربة التي تنمو تحت جلده ، شقت الجلد لتظهر منفرة الجميع منه ، فاتحة طريقها كأظافر سوداء ، بكلمات و ايماءات و صمت ، فانسحب الجميع من مرافقته . بعد الغداء انشغل بعضهم بمراقبة اصدقائهم ، ضاحكين على صرخاتهم التي تتساقط عليهم من الاعلى وهم يركبون سكة الموت . رن هاتف فراس ليفتح دمعه و بسمته في آن واحد ، و كأن اسم صلاح كان قرعا على ذاته المغلقة في هذا المكان المُلتبس ، و صله الصوت واضحا
_ ها فروسي شلونك ؟ 
رد عليه متداركا حشرجة في حنجرته 
_ حبيبي صلاح مشتاقلك انت شلونك ؟ 
ضحك صلاح و اجاب بعد هنيهة حصدت قلب فراس 
_ اليوم خالي اشترى ديوان كاظم اسماعيل الكاطع و هسه قريت قصيدة اريدك تسمعها من ترجع اسمها "سفرة مجانين "

 

 

نزلت دموع فراس لتكفن خديه بسكاكين سائلة 
_ اقراها 
_ لا طويلة راح اقرالك بيت :

 

 

حتى هذا الكمر لعبة 
من خلص دوره و مشينا 
نزلوه أهله بحبل !

 

ساد الصمت ، سمع فراس بروحه صوت الدمعة التي نزلت فوق خد صلاح ، بعد قليل انتهت المكالمة بالوداع .

عندما وصل ضيفه الثقيل ؛ المغرب ، كان صلاح يبحلق في فراغ متزاحم داخل سوق مريدي ، لاح له الغروب و قد جاء بإبره الصدئة ليغرزها بقلبه ، هذه الغربة التي تعصر قلبه اليوم تختلف عن سابقتها ، كان صلاح يبيع الدهينة ، انساحت على وجهه دهون و عرق ، تطوقه جمهرة ذباب امام مرطبات عزيز الكعبي ، الصبات الكونكريتية تقضم الشارع ، و المحلات تتزايد و تخنق الفضاء ، الجميع يبيع اشياء مبهمة ؛ ساعات لا تعمل ، خرق ، باقلاء ، كرزات ، حنفيات ، كتب ، اسلحة ، و اشياء غير مفهومة ، تفترش سلعهم الارض ، مختلطة بماء قذر يندلق من ناحية مجهولة . الصراخ يتفاقم ، الاقدام تضرب على الارض بقوة ، أصوات الباعة مبحوحة ، الاوراق و الاكياس تفقد ملامحها تحت وطأة المارة ، تنتصب ملامحهم السوداء كراية حرب تشي بسر مُطلسم ، الجميع يحمل تقاسيمه السوداء ، حتى و ان كان ابيضاً ! ، في أكياسهم تلتف قطعة سلاح ؛ علبة شوكلاتة رخيصة ، مسبحة عقيق ، كتاب ممزق ، ينسابون مع سوق في فوضى لا تنتهي . إستغنى بعض الباعة عن اصواتهم مستعملين عوضا عنها سماعة صغيرة ،هل بقي لصوتهم غاية غير السعال ؟ ، الطواف مستمر حول هذه الكعبة المنسية ، و كأن السوق بيتا مهجورا ، بات مرتعا للاشباح و القطط و الصياح الفارغ ، نعم ؛ صياح نحو السماء لا يعدو كونه صوتا فارغا ، يفيض بالندم . ليس هنالك وجهة يرتادونها ، يتمخضون تحت سنابك الكارثة ، و صلاح يقف بينهم منتصب القامة ، محني القلب . ارادت خيل الضياع اليوم ان تسرع لتعصر عظام جمجمة اخرى . ماهي الا لحظات حتى انقضى تعبه بعد صراخ " الله اكبر " ، متحولا صلاح لعجينة لزجة ، منصهرة مع الدهينة ، فوق ركام من الجثث / العجين .

لا أحد يسبق المبتور الى الموت .

 

شوهد المقال 94 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

شكري الهزَّيل - القضية الفلسطينية: مهاترات ال سعود..من مبادرة فهد مرورا ب عبدالله وحتى ال سلمان؟!

د.شكري الهزَّيل في عام 1915 وجة مؤسس مملكة ال سعود الملك عبد العزيز ال سعود خطابا كتبة بخط يدة موجها للضابط البريطاني بيرسي كوكس"كوكس ضابط
image

وليد عبد الحي - التنسيق الامني الفلسطيني الاسرائيلي : نظرة من الداخل

 أ.د. وليد عبد الحي   طبقا لاتفاقية أوسلو وتبعاتها 1993-1994، تم الاتفاق على " تنسيق امني " بين السلطة الفلسطينية والأمن الاسرائيلي، وبدات السلطة الفلسطينية بانشاء أجهزتها
image

مخلوف عامر - من سَفْك الدماء إلى امْتصاص الدماء

 د. مخلوف عامر يحق للمواطنين الجزائريين أنْ يقبلوا صفة"السوداء" لعشرية مضت، نظراً لما سُفك فيها من دماء.فقد كان من حقهم أن يطمحوا إلى حالة من الهدوء
image

جباب محمد نور الدين - المرأة هي الحياة ولا معنى للحياة دون المرأة

  د. جباب محمد نور الدين  تابعت هوشة نسائية سببها امرأة اتهمت الداعية طارق رمضان بالاعتداء عليها وقالت بصريح العبارة أنها تعرضت للاغتصاب من
image

عدي العبادي - فكرة البناء والايجاز في شعر تماضر وداعة

   عدي العبادي     هناك عناصر عدة يجب ان تتجمع في قصيدة النثر كي تكون قصيدة جيدة مستقلة في كيانها وتكون
image

رائد جبار كاظم - النهضة العربية الحديثة والنهضة الأوربية وصال أم انفصال؟

  د. رائد جبار كاظم  حين نطلع على أدبيات وفكر النهضة العربية الحديثة (القرن التاسع عشر الميلادي وما بعده) وأدبيات وفكر النهضة الغربية
image

حسين صقور - سطور في التشكيل

  حسين صقور  (الفينيق ) إن الإنسان ليس وليد اللحظة، وإن راودته تخيلات أو قرارات في أن يولد من جديد ويعيد تأسيس وبناء علاقاته الفنية والاجتماعية (تجديد الذات)،
image

محمد مصطفى حابس - "الوقف باق أصله ودائمة منفعته" ازيد من مائة شخصية أكاديمية ومتخصصة، يناقشون دور الوقف في المجتمعات الإسكندنافية

  محمد مصطفى حابس :ستوكهولم / السويد     بعد الندوة الدولية التي نظمت منذ ثلاث سنوات خلت في سويسرا، أيام 25 و26
image

هاتف بشبوش - فيلم عصابة من نيويورك.

هاتف بشبوش - العراق      عصابة من نيويورك فيلم أمريكي من إنتاج عام 2002 ومن تمثيل الشاب بطل تايتنك ( ليوناردو
image

عزالدين عناية - وكالة الاستخبارات الأمريكيةوحاضرة الفاتيكان

  د. عزالدين عناية * صحيح أن حاضرة الفاتيكان دولة دينية، ولكنها دولة نشيطة على مستوى سياسي أيضا، وإن بدا هذا الدور مغمورا أحيانا،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats