الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | سعيد ابو ريحان - المتفرّجون أنانيّون جداً

سعيد ابو ريحان - المتفرّجون أنانيّون جداً

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 
 
سعيد ابو ريحان

 

مشروعُ عُمرك الذي أسّستخ منذ الصغر، سَهرتَ من أجلهِ على كُتب الأدباء والفلاسفة، وأغاني الملتزمين والمتسلطنين من المغنين، ولوحَات السّرياليين والواقعيين والتشكيليّين، ونِقاشات الأصحَاب والأغراب، وأفكار مجنونة حامَت كحمائمَ فجَهدتّ في التقاطها وتصنيفها وتحليلها، وأحلامٌ قطفتها من أرض "أليس" للعجائبَ وصُغتها وبنيتها جسداً وروحاً. 
مشروعُ عمرك الرائع، معرضُك الإنسانيّ للتراث البشريّ الذي طليت جدرانهُ بألوان الطبيعة والإنسانية، واخترت لزواياهُ أيقوناتها الخاصةَ ليغدو مَتحفاً ومعرِضاً ذا طابع منوّع. ولم تنسَ أن تضعَ الوطنَ تمثالاً حياً يتحرّك ليعبُده العابدون بإيمان مُطلق، وأن تضعها هيَ في كلّ مكانٍ منسوخة مكرّرة كأنها لمسَتُك السّحرية على كلّ شيء.
الزوّار كثيرون، والعمل لا يتوقف، وأنت المرشد السياحيّ الوحيد. عملٌ شاقٌ كل يوم مع كل زائر، يأتون محمّلين بالدهشة والرغبة، محمّلين بالفضول والأمل، محمّلين بالمغامرة والابتسامة. يمرّون بين الزوايا مبهورين ناظرينَ هنا وهناك باحثين عنك، يدّعون أنك هنا عند زاوية الحبّ، فيصدرُ صوتٌ من زاوية السياسة فيظنّون أنك هناك، وصوتٌ آخرُ من زاوية الفلسفة، وآخر من زاوية الإنسانية...  
معرِضُك مُنوّع لدرجة أنهم بحاجة فعلاً إلى استراحة بين كل فترة وفترة ليستطيعوا الرّكض وراء خيالاتك، ومنهم من يحتاج إلى استراحة أكبر، خاصّة أولئك الذين يخشونَ أكثر من الآخرين الفشل في اكتشاف كل الزوايا، فيكونونَ بحاجة أكثر إلى الاحتفاظ بالطاقة الكافية للهرب فزعاً، تماما ككهف الرّعب في ملاهي الأطفال. 
يأتي المتفرّجون من كل مكان يحدوهمُ الأمل بأن يجدوك متسمّراً في الوسط بانتظارهم، لكن زواياك تفاجئهم. معرضُك ليس كباقي المعارض المتخصصة، هذا التنوع شائك جداً، ربما يكون هذا هو سببُ نجاحِك وفشلكَ في آنٍ معاً؛ ففي زمن العولمة والتخصص يتجه علم التسويق والإدارة إلى التخصيص أكثر وأكثر في الأماكن العامّة، صحيحٌ أن "المولات" جاءت مثالاً عظيماً على التنوّع، ولكنك في المجال الذي تعمل فيه لا مجال لصنع "مول"، ففي المعارِض البشريّة يحتاجُ الزائر أو المتفرّج إلى سلعة أو اثنتين على الأكثرِ بعكس معارضِ المستلزمات المنزلية والغذائية.  
إلى متى ستبقى هكذا تصف روحك وجسدك؟ هو حقاً معرضٌ ولكن ليس بهذا التجريد الموحش، ألم يحن الوقت لتجمع الزوايا وتقدمها للخالق خلطة كاملة يلملمها بيديهِ الحنونتين ليصنع منها إنساناً؟ 
هؤلاء المتفرّجون الذين لا يعلمونَ عنك شيئاً يُمعنون في الخرَاب، تضعُ لافتاتٍ تحذيريّةً ولكن دون جدوى، تماماً كلافتات منع التدخين لا يلاحظها أحد. 
وضعتَ لافتةً تقول: يُمنع إلقاءُ الأمل هُنا. 
فيأتونَ محمّلين به بأكياس تشبهُ أكياس الفشار ويبدؤون بنثره هنا وهناك، وأنت تنشغلُ بكنسهِ في المساء إلى أن تسقط مغشياً عليك من التّعب.
وضعتَ لافتة تقول: يُمنع الزيارة بقصد الزيارة، معرض للإقامة فقط.
يرفضونَ هذه الفكرة مدّعين أنه لو كان للإقامة لكان اسمهُ بيتاً لا معرِضاً، ولكنهم لا يعلمونَ أنك لا تملكُ من رأس المالِ ما يكفي لبناء منزلٍ وأنك لم تجعلهُ معرِضاً إلا لكي تلفتَ الأنظارَ إلى المحسنين منهم ليشاركوك في البناء. 
أنانيون جداً هؤلاء المتفرجُون ألم يكن يكفيهم أن ينظروا من خلال الجدران الزجاجيّة فقط؟! 
شيئاً فشيئاً يتحوّل المعرِضُ الذي يأملُ أن يصيرَ منزلاً إلى مغارة، يتكدس الأملُ فيه ويتعفّن، وتتجمّع في زواياه الذكرياتُ القديمة التي من قدمها صارت تفوح منها رائحة الصّدأ والرطوبة، والأيقوناتُ الجميلة صارت تصفرّ شيئاً فشيئاً حتى بدأ جسدُها يتآكل وصارت آيلة للسقوط كلما ضربها الريح أو جناح عصفورٍ. حتّى العصافيرُ لم يبق منها شيء، جاء المتفرجون فاصطادوها جميعها وتركوا المكان مناسباً لتعشّش فيه الغربان والخفافيش، واصطادوا الأرانب البيضاء اللطيفة وحلّت محلّها الجُرذان التي نخرَت كلّ الجدران ومحَتِ الألوان وهي تحكّ أسنانها بالجدران.
وكتبتَ لافتة تقول: إذا كنتم لن تقيموا فعلى الأقلّ ازرَعوا وردة بسيطة لتذكّركُم بهذا المكان؛ عندها ستضطّرون أن تأتوا للاعتناء بها. لكنّهم اكتفوُا بقطف الأزهارِ التي جمعتها من اللوحات العالميّة والرواياتٍ الإنسانية ليُهدوها لأحبّائهم، تماماً كأيّ متفرّجين يدخلون حديقةً عامّة. 
والأصعبُ من ذلك كلّه أنّهم كتبوا على الجدران أسماءَهم، لم تعلم ماذا تفعلُ بها، حاولتَ أن تمحوا بعضها فخرّبت الجُدران وحَففت ألوانها، وحاولتَ أن تُبقي على بعضها فاعترضت زاوية الذكريات لأنها نافستها وقررت أن تكرهَ هذا الدّخيل.
 تركوك إما خرابا أو معرِضاً للكراهية، تغزوا هذه الزاوية تلك. فكلما كانت زاوية تتسبّب في ثنيِ متفرّج عن المساهمة في بناء المنزل كرِهتها الزوايا الأخرى التي تعبت من الانتظار، حتى صرتَ تكره بعضَك. 
وفي النهاية خرجوا وأغلقوا الباب وراءهم، ليُكمل الظلام دوره في عملية التّعفن. 
كم هم أنانيّون هؤلاء المتفرّجون 
لو أنّهم ينادونك لتخرُج إليهم 
لو أنّهم على الأقلّ يشتاقون!


شوهد المقال 3886 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

S.NOMAD في 03:06 25.07.2017
avatar
اكثر من رائع

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جباب محمد نور الدين - بعيدا عن السياسة : الحب في تجلياته الجزائرية

 د.  جباب محمد نور الدين   توجد شابة في هذا الفضاء تعلق بجمل قصيرة وجريئة وقوية ،قبل قليل قرأت لها تعليقا قالت فيه "أول مرة سمعت
image

شكري الهزًّيل - صفقة القرن : الكاوبوي وأبوبعير وال14 مليون فلسطيني!!

د.شكري الهزًّيل تتداخل الامور احيانا على قلمي المواكب للتاريخ الفلسطيني والعربي منذ امد واحيانا كثيرة تختلط الاحداث في مسيرتي مع ناصية حلم لم يبرحني ولم
image

وليد عبد الحي - المجتمع الدولي والقضية الفلسطينية: نظرة مستقبلية

 أ.د. وليد عبد الحي* تمهيد:لم تعد أي من نظريات العلاقات الدولية تُسلم بالدولة القومية (دولة ويستفاليا) كوحدة وحيدة لفهم تفاعلات الحياة الدولية، فقد زاحمت كيانات ”ما فوق
image

فوزي سعد الله - عن البربر والديانة اليهودية قبل الإسلام

  فوزي سعد الله  "...النص الخلدوني الذي يستدل به المؤرخون اليهود والغربيون عامة، على غرار أندري الشّراقي وريشارد حيّون وبيرنارد كوهين وغيرهم، بل يستدل به كل الذين
image

مخلوف عامر - هو التراث: فلا تقديس ولا تدنيس 9 / 4

 د.مخلوف عامر   ابن خلدون والعرب ممَّا حفزني على العودة إلى (ابن خلدون) من جديد، هذه الظاهرة السائدة في أوْساط العامة والمتعلِّمين أيْضاً، وهي
image

مخلوف عامر - الجيل الجديد والتاريخ المجهول

 د.مخلوف عامر   تُعدُّ الثورة الجزائرية معْلماً بارزاً في تاريخ القرن العشرين وامتدَّ تأثيرها إلى سائر حركات التحرُّر حتى قيل إن الجزائر قِبْلة الثوار. والفضل في ذلك
image

حمزة حداد - حسب كمال داود الإسلاميون "منشغلون بقضية البسملة والتفاصيل الثانوية والهامشية "

حمزة حداد  زعمة .. هو الي منشغل بإنتاج صواريخ بوينغ يانغ النووية أو دواء مرض السكري او علاج الفشل الكلوي!! يبدو أن
image

نوميديا جرّوفي - كعادتي كلّ يوم

نوميديا جرّوفي            يوقظني العشق باكرا قبل أن يرتدي الصباح معطفه الشّمسي و دونما حراك يغسل الشوق
image

محمد مصطفى حابس - اسبوع الديانات في الغرب : "ادْخُلُوهَا بِسَلَامٍ آمِنِينَ.. فسلام بعض المجتمعات هو سلام كل المجتمعات"

   محمد مصطفى حابس : جنيف / سويسرا    تظاهرة "اسبوع الديانات"  في سويسرا، مبادرة حميدة ووحيدة في العالم، بحيث تفتح كل
image

صالح حجاب - يامن تعجبت من سعر الوقود في الجزائر . لقد علمت شيئا وأخفوا عنك أشياء .

 سفارة ايطاليا بالجزائر سفير ايطاليا السيد باسكال فيريرا رقم 18 شارع ويدير أملال الأبيار 16030 الجزائر العاصمة  معالي السفير : شاهدت فيديو والي ولاية الجزائر يقول فيها أنكم أبديتم تعجبكم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats