الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | سهى عبود - موعد مع الياسمين.. تفصيل بحجم الكون.. الحلقة الاولى.

سهى عبود - موعد مع الياسمين.. تفصيل بحجم الكون.. الحلقة الاولى.

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 
 سهى عبود 


سماء القرية هذا الصباح متواطئة مع حالتي النفسية.. تزيح عنها الغيوم برفق لتفسح الطريق لخيوط ذهبية خجول..
تحدثتُ طويلا مع امي قبل ان أغادر البيت، حول عرس الشهيد وعرس العريس.. تركت المبادرة لقدميّ تحملانني أينما طاب لهما..
وجدتني دون سابق قرار عند باب ساحة القرية، اتفحص الوجوه الشابة.. كمن يبحث عن شخص تاه عنه..
دخلت الساحة الدائرية، العريضة، الموحشة، إلا من اربعة دكاكين بقالة، ومحل ألبسة بداخله لوحة ”الموناليزا” بلباس الخمار، وصيدلية و مستوصف مهجور، ومسجد قديم كوجوه رواده، ومقهى تتوسط المشهد لتحتضن كل انواع الحكايات.. فمعظم الشباب بين الجبهة والغربة..
أناس يتناقشون، و آخرون يهرولون إلى ”كراج السيرفس” (محطة سيارة الأجرة) المتوجهة للمدينة، بينما يقرر آخرون أن لا يضيعوا أجمل أيام حياتهم في الحلم والانتظار فقط، فتجدهم في الأركان المنزوية والمظلمة، نهارا، يحللون كيمياء الرضاب..
وأنا، كباحثة في الآثار، أعيد بناء أحداث تاريخية لقصص حب من خلال اطلالها..
هو ذا ميدان حروبه العشقية المتعددة.. ميدان انتصاراته وهزائمه.. وهنا: من سقط في شراك الزواج..
سابقت ظلي وخُطاي، دون علم بالمسافة و المكان.. تابعت صراع الافكار ورماح الأسئلة وسراب الأجوبة عن واقع رمادي لصراع الانسان، إلى أن جلبتني الكافيتريا بصخب هميس أوراق أشجار السرو الجاثمة على صدر الشارع العريض..
مقهى  اسمها: ”الاسمر” تطل على واد سحيق.. واد عميق في جوفه نهر. تنتصب البناية متل برج على الجرف، شديد الانحدار للمجهول..
المكان عبارة عن صالة، بعض عرائش الورود المتناسقة، كمدخل صراط مستقيم، على بابها الزجاجي. تطل على أراضي كالجنة. بساط من الجمال: كسجادة متناسقة الالوان،حاكتها يد فنان مبدع، كلها مزووعات صيفية، وأشجار مثمرة، كالتفاح النهري والدراق والاجاص و ما لذ وطاب.. يفصلها الجرف العميق يتلوى كنهر حمم من أنهار جهنم.. ليبقى السؤال عن وسيلة النقل..
اه.. لمن يرى واستمتع..!!
أخدت مكانا بين الرواد، حول طاولة خشبية.. طلبت قهوة، بعد ان استوطنت كرسيا، من الخيزران، على طرف القارعة، وبدأت أرسم بالكلمات بورتريه ولوحة عاشق.. اعطيته عنوان: الذئب الشاعر..
كان يحب هذا الإحساس الذي يغمره والذي يجعله قريبا من الله..
يحب كونه عاشقا.. عاشقا للحب كحالة امتلاء.. كغاية في حد ذاتها. أما الحبيبة فهي وسيلة للسمو، للارتقاء بمشاعره نحو المطلق، لا اكثر..
يحب فيها كونه محبا.. كون الحياة أصبحت أجمل، والورود أنضر، والموسيقى أطرب..
يمتلئ، ويكتفي إلى درجة ينسى معها أن يقاسمها كل ما توحي به إليه من جمال..
كطفل يرفض أن يعير لعبته لأعز أصدقائه..
هو المبدع وهي الإلهام..
هو الحالم وهي الواقع الذي يجعل الحلم أروع..
هو يدرك -نظريا على الأقل- أن الحب عطاء، تبادل، تواصل، حالة ملموسة بكل الفصول: ممطر يبكي.. ثلج يرتعش.. ريح تئن من البرد.. ونار تحترق كل صيف صاهد..
لكنه يعيش كل هذا الزخم على الورق.. الكتابة.. حبّه الأول والأخير. في حين تستعير أنثاه بياض الورقة حينا وسواد الحبر أحيانا، سحر الحرف حينا وحرقة الكلمة أحيانا..
يعيش كمتصوف في عزلة عمّن يحب وإن كان يحمله داخله في صور شتى.. ربما لهذا لا يستطيع أن يحتفظ بأنثى أكثر مما تتطلبه القصيدة أو النص من حيز زمني.. (على الاقل ما تبادر لذهني..)
كمن يمتص رحيق برتقالة بامتياز ولا يأبه لقشرتها، لبزرتها، لخيوط بيضاء تنخر جسدها البض..
ومع هذا فهو ليس انتهازيا، عندما يقول أحبك.. فهو فعلا يحبها وعندما يقول سأحبك حتى الموت فهو صادق ساعتها.. صادق في كل شيء حتى في كذبه..!..
يستطيع أن يحب أخريات في نفس الوقت كبدايات قصائد نزلت دون استئدان..
هو ليس خائنا ولا حقيرا ولا كاذبا كل هذه التهم لا يمكن أن تنسب إليه، لأنه خارج النمط وخارج الأحكام..
يّقال: ”لماذا نوبخ الطفل، غير الموهوب في علم الحيوان، إذا كان يرغب بعصفور ذي أجنحة خمسة؟”..
هو طفل يفكك اللعب ويختلق أخرى، ويبكي لو كسّر واحدة أو ضاعت منه أخرى..
هو ذئب يلقي قصائده لحمل، يريده كوليمة.. يستكين عكس ضجيج نسيم الريح، يتخيل عشاءه الملكي، يستمتع بصليل انيابه، يمرر لسانه على شفتيه ليستدرك نبيد لعابه الاحمر قبل أن بسقط على فروه.. ثم يمضي..
هو سيد التناقضات، يُحسن جمعها وطرحها عند الضرورة. كبهلوان يستبدل صلابة الإسمنت بهشاشة الحبال، الهارب من قبضة نفسه إلى الريح، هو الشيطان والمسيح..
كانت تعرفُ كل هذا، وتحبه كهدية من السماء، كشمس لا يمكن أن تحتفظ بدفئها دون سواها.. تحبه كطائر مهما حلق بعيدا، فهو حتما سيعود إلى عشه.. وتعلم أن وضعهُ في قفص قد يقتل حبهما..
تحب انفلاتاته، حماقاته، تفاهاته، إشراقاته، إحباطاته، ونظرته التي تجعلها الأجمل.. ولتمتحن غيرتها عليه.. لتعرف مدى تغلغله في كيانها..
تحبه لدرجة تقاسُمه مع الأخريات.. كقصيدة، كنثرٍ، لا غير.. لتحس في قرارة نفسها، سمو عظمتها وإلهامها في وجوه الأخريات..
هي القصيدة وهن الأبيات.. متفرقة.. متناثرة.. واحدة تصلح للإيقاع وأخرى للقافية وبينهن فواصل ونقط وبياض..
هي القصيدة المتماسكة الشامخة التي سيحفظها التاريخ.. هي المعلقة على جدار قلبه.. هي الوطن بكل أبعاده وأشكاله.. هي الروح والنفس..
بكاء طفل صغير بين أيادي أمه، قطع حبل شرودي في الكتابة و التدوين.. أعدت قراءة هذه الصورة مرات ومرات، وكأنني أتأمل وجهه أمامي..
لملمت ملامحه، ووضعتها بحقيبة يدي، ومضيت نحو نافورة الواقع، أبلل به إشتياقي للذئب.. ركبت سيارة الأجرة، وهي تعبر الشارع في جولة تعريفية بتاريخ البلدة عبر مآثرها.. كسائحة تحترم دورها، أنصتت بإمعان الى شرح المرشدة في دهاليز التاريخ..
كل الحضارات العظيمة بُنيت على ضفاف الأنهار الكبيرة مثل دجلة والفرات وغيرهما.. أنهار كانت منبعا للحياة والحلم كما كانت مقابر مائية..
حقا، الأشياء التي تصنع عظمة الإنسان هي نفسها التي تُقبره.. وبعض التفاصيل تكون بحجم الكون.. وأهم تفصيل هو أنه:
أعادني للقراءة، صالحني مع القلم ومع جسدي.. جعلني أحب نفسي من جديد هو الذي كره نفسه حدّ العدم..
ظهر فجأة ككل الصدف الجميلة.. ببرقه، برعده، بالمطر.. وكان الجفاف يقتلني..
أهو الماء جدبني إليه؟..
لا أعلم..
لا أعلم سوى أن الماء يولّد الحياة من جديد.. 
ربما سيكون- لاحقا- تفصيل آخر جديد و حكاية حياة جديدة..
ربما.. ربما.. سأترك خيوط الشمس الأخيرة تحملني.. إليه..
ربما.. لا أعلم..

يتبع...

سهى عبود 
قرية حمين - طرطوس
سوريا ..

شوهد المقال 5371 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

النبراس في 04:00 01.07.2017
avatar
بوركت

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

صدمة ثقة - بقلم إيمى الأشقر

#من_الواقعأًعلم جيداً -    أن أشد الصدمات هى التى تأتى من عند جدار القلب -    أقسى الصدمات التى تأتى ممن أحببتهم ووثقت بهم ومنحتهم مكانه خاصة
image

شكري الهزَيل - مقارنة خاطئة : الشعب الكردي ليست برزاني ولا الكيان الاسرائيلي!!

د.شكري الهزَيل من المفيد ان يتثقَّف الانسان بمعرفة تاريخ الشعوب قبل ان يحكم عليها او ينحاز لرأي وسائل اعلام تضليلية تعمل لخدمة مشاريع امبريالية واخرى دكتاتورية
image

أحمد رضا ملياني - جميلا كوجه أمي

 أحمد رضا ملياني                  جميلا كوجه أميمضطربا يوحي بفصل قادم نحو الطيورالموج يصفع شاطئه والزوارقأغاني الصيادين العابرةتملآ المكان صخبا البواخر تعبر وجهه إلي مدي لاأعرفهأمدد يدي علي صوته
image

عاطف الدرابسة - ثورةُ الجراح

  د.عاطف الدرابسة                 أخشى أن يَثورَ الصّبرُ ..أن يُكسَرَ القيد .. كما يَكسِرُ الفجرُ الظّلامَ ..  أخشى أن يغيبَ العقلُ .. ويمسّني الجنونُ .. ويهزمَني الجّوعُ .. فأثورُ كما يثورُ الجُرحُ
image

شكري الهزَّيل - عرب الردة : الاراضي العربية المحتلة!؟

د.شكري الهزَّيل من هنا مرَّت الكارثة وهنا وهناك على طول وعرض الوطن العربي حطت رحالها وسلطَّت سيفها على رقابنا,ومن هنا حيث الخراب والدمار مرت طائرات الاعداء
image

علي رحيالية - بوكروح "الزدّام".. بوتفليقة.. العسكر.. وسوق الحمير الحلقة الثانية

بقلم المواطن علي رحاليةواحد من الغاشي  بوكروح "الشيات" الأول والأكبر أو كيف تتفوق على سعداني وولد عباس وأويحي في الشيتة؟    اذا المشكلة ( بالنسبة لي على الأقل )
image

نورالدين محمد حاج مصطفى - الكرد والإستفتاء (حق تقرير المصير )

نورالدين محمد حاج مصطفى    فرسان الشرق وعمادها منذُ الحضارات القديمة والحديثة  ، سلالة الهوريين والآكاديين ،  الخلديين و السومريين ، ورثة امبراطوريات  الميزوباتمية والميديا.  إنهم الشعب الكردي العريق
image

علي رحالية - بوتفليقة.. العسكر.. وسوق الحمير الحلقة الأولى : ومازال بوكروح يعتقد بأننا "غاشي"

 المواطن علي رحالية واحد من الغاشي رغما عني جذبني الحقل المغناطيسي للرداءة والتفاهة العامة التي غرقت فيهما البلاد والناس.. الرداءة في كل شيء.. وتتفيه أي شيء.. السياسة..
image

شكري الهزَّيل - الامم المتحدة : قهقهات على جثث الشعوب العربية!!

  د.شكري الهزَّيل الناس في بلادنا وبلادكم مشغولة ومنشغلة بامور الدنيا والدين ويكادوا ان ينسوا او يتناسوا امور العالم اللتي يغزونا في عقر دارنا ولا نغزوة
image

منظمة تواصل الاجيال بحي محمد شعباني ببوسعادة تصنع الحدث وتحقق الهدف.

   تقرير: هنيدة نورالدين. بادرت اليوم المنظمة الوطنية لتواصل الاجيال (ONCG) بحي محمد شعباني بوسعادة ،بفتح وتدشين نادي موجه للاطفال بمقرها حتى تصنع الحدث وتظيف فضاءات تحتضن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats