الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | محاولة غير إنقلابية .....قصة بقلم بوفاتح سبقاق

محاولة غير إنقلابية .....قصة بقلم بوفاتح سبقاق

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

جلس يرتشف فنجان قهوة في شرفة فندق باريسي مشهور ، متأملا عاصمة الجن و الملائكة ، ينتظر بكل قلق الرجل الذي بإمكانه ان يوصله الى سدة الحكم ببلده .
غادر الوطن منذ يومين حاملا في حقيبته مشروع إنقلاب لم يتجسد لحد الساعة ، بالرغم من تواجده في دواليب السلطة منذ سنوات إلا انه لم يفهم لحد الساعة سر عدم سقوط المعبد على أصحابه شعبية الحكومة في الحضيض و أزمة إقتصادية خانقة و لكن الوضع السياسي ما زال مستقرا ، يعتقد ان رحلته ستكون آخر مسمسار في نعش من يحكمون البلد.
أحزاب المعارضة لن تصل للحكم و أحزاب الموالاة لم تكن يوما في السلطة ، و هذا ما جعله يفكر في خطة يعتبرها بمثابة طريق ثالث لا بديل عنه ، التغيير داخل نواة النظام أو زعزعة النسق الخفي الذي لا يعرفه أحد.
إنه يبحث عن وصفة سحرية مذهلة تجعله الرجل القائد و الملهم الذي تصفق له الجماهير و تهتف بإسمه في الشوارع و في كل المنابر يريد ان يدخل التاريخ من بابه الواسع و يهزم جغرافيا المكان بالرغم من فقدان الأمل في هبة شعبية مؤيدة له و خاصة مع سنوات التدجين و الخنوع التي جعلت المواطن لا يفكر في تغيير وضعه السياسي أو إسقاط النظام بقدر ما يفكر في الحصول على سكن أو وظيفة و لقمة العيش ، جماهير تعيش و لا تعيش و لكنه من جهة أخرى مقتنع بوجود فئة من الشعب ممكن ان يعول عليها إذا ما تم توظيفها عن طريق نقابات أو جماعات ضغط و نفوذ و التاريخ السياسي دائما يؤكد ان خروج الناس غالبا ما يكون مفاجئ و مؤثر و ليست العبرة بالعدد ، و كلمة الشعب مصطلح يستعمل دوما لتبرير تصرف أو سلوك فئات من المواطنين ، و موكب عرس بإمكانه ان يتحول الى شعب حين يرفع مطالب سياسية.
أخيرا وصل متعهد الأزمات ببدلته الأنيقة و إبتسامته الماكرة فقد أضحى حاضرا عبر كل الفضائيات و الندوات و الملتقيات في كل أصقاع العالم ، يبشر بمستقبل أجمل لكل الشعوب التي تناضل من أجل مكافحة الإستبداد و دكتاتورية الأنظمة و الحكام.
- لدي خبرة دولية في قلب كل أنواع الأنظمة و لدي سجل حافل بإنجازات لا يمكن لأي احد ان ينكرها ، و أفضل المناطق التي تستهويني ، القارة الإفريقية التي أعتبرها أروع فضاء إنقلابي في العالم ، ثم أمريكا الجنوبية و البلدان العربية.
- طبعا سيدي لا يمكنني إلا ان اعترف بقدراتك الرهيبة في تغيير الأنظمة المستبدة.
اقترب راعي الأزمات من صاحبنا أكثر و بكل خبث سأله :
- و حين أساعدك على الوصول الى الحكم ببلدك ، هل تضمن لي بأنك لن تكون حاكما مستبدا جديدا ؟

- إطمئن يا صديقي تعرف بأنني من دعاة الديمقراطية منذ سنوات و شعاري الأساسي هو التداول السلمي على السلطة و إحترام الدستور و إستقلالية القضاء.
- نفس الخطاب أسمعه منذ سنوات ، انها اسطوانة مشروخة تستعمل لإستمالة قلوب الجماهير يستعملها كل إنقلابي جديد ، كان يمكنك الإنتظار حتى تصل الى السلطة عن طريق الصندوق الإنتخابي.

- و هل تصدق أكذوبة الإنتخابات عندنا ؟ التزوير هو الحاضر الأول في الأوراق أو في الإدارة ، دائما هناك وعود بإنتخابات نزيهة و لكن في الواقع لا ينجح سوى من تزكيهم دوائر النظام
لدينا دولة داخل دولة ، لقد وصلنا أخيرا الى مرحلة التزوير الذكي .

نهض متعهد الأزمات من مقعده و إقترب أكثر من شرفة الفندق
ثم عاد بكل هدوء الى مكانه ، قائلا بكل إستغراب :

- فعلا بالرغم من خبرتي الكبيرة في السياسة و كواليس الأنظمة و دوري الكبير في عدة إنقلابات عبر مختلف القارات ، و علاقاتي القوية بالكثير من زعامات العالم ، إلا أنني لحد الساعة لم افهم طبيعة النظام لديكم ، نسق خفي لا يمكن فهمه ، توازانات معقدة و حسابات لا يمكن توقعها.
- سيدي لدينا اصعب نظام حكم في العالم ، لا يمكنك ان تفهم من أين يبدأ و أين ينتهي ، كل ما نراه في الواجهة السياسية و الإعلامية مجرد بيادق لا غير ، لديهم قدرة رهيبة على التزوير بكل أنواعه و يستطيعون التأقلم مع كل الظروف مهما كانت شدتها.
- ليس هناك دليل عالمي موحد لإسقاط الأنظمة لكل بلد خصوصياته و ظروفه ، و لكن هناك نظامان لا يمكن إسقاطهما نظام قمعي بوليسي او نظام منتخب ديمقراطي ، أروع الإنقلابات حين تكون من داخل الدائرة الضيقة للسلطة ، في هذه الحالة تكون نسبة النجاح مرتفعة.

-نحن لا نعرف حتى من يحكم البلد ، و أنت تحدثني عن الدائرة الضيقة ، يبدو ان رحلتي لن يكون لها جدوى و سأعود خالي الوفاض.

إبتسم الراعي الرسمي لكل الثورات و الثورات المضادة بكل دهاء محاولا ان يعيد إليه شيء من الأمل.

- لا تقلق عزيزي و لا تفقد طموحاتك ، قد تكون الطريق طويلة و لكن بتخطيط و تنسيق يمكننا إسقاط النظام عندكم و بالدول المجاورة لكم أيضا ، اريد تسونامي سياسي بالمنطقة يغير كل الموازين.

بعد أسبوع في عاصمة الجن و الملائكة و الشياطين حانت ساعة العودة الى الوطن من أجل تنفيذ الخطة الجهنمية التي أعدها متعهد الأزمات ، التي ترتكز بالأساس على إفتعال أزمات في مختلف القطاعات و تحريك بعض وسائل الإعلام الخاصة من أجل هدف واحد هو التغيير السريع الذي سيخدم المعارضة بكل تأكيد.

لم يكن يعرف بأنه سيساهم في تحديد مصير هذه البلاد ، أقدار الأمم قد ترتبط بمواقف و تحركات الرجال ، الشعب منوم و مغيب و لا أمل يرجى منه ، مواطنون شعارهم الإستهلاك لا يعرفون سوى الأكل و الجري وراء ملذات الحياة ، المؤسف ان هناك نخبة خارج مجال التغطية لا تعرف سوى المغانم و المكاسب و لا يهمها الوطن و تتشدق أحيانا بالوطنية في المنابر الرخيصة كل الأوطان في هذا الزمن تشكو من رحيل المواطنة و إستقرار الطغيان و قهر الإنسان.
-
- أهلا سيدي ، أتشرف كثيرا بك و يسعدني أن تركب بجواري .

بالرغم من تواجده بالدرجة الأولى إلا أنه لن ينجو من هذا الرجل الفضولي.....
. – مرحبا بك .. قالها بكل تردد و هذا تفاديا لمواصلة الحديث
و لكن يبدو ان السائل الغريب مختص في إحراج الشخصيات العامة.
-هل سيشارك حزبكم في الإنتخابات القادمة سيدي ؟
وجد نفسه مضطر لإجابته حفاظا على سمعة الحزب و الإجابة جاهزة و متوفرة دوما و لن تتغير.

- اننا نراقب الوضع عن كثب و سوف نرى مدى جدية السلطات في ضمان نزاهة و حرية الإنتخابات و من ثمة سوف نستشير قواعد الحزب و هذا من اجل الخروج بقرار مناسب يتماشى مع متطلبات المرحلة.
اقترب الرجل الفضولي أكثر من صاحبنا و خاطبه بنبرة تدل على وطنية مبالغ فيها أو دراية شاملة بالوضع العام للبلاد.
- عقدة المعارضة الدائمة سيدي هي النظر للنصف الفارغ من الكوب ، و هل تنكرون الإستقرار الذي نعيشه ؟ انجازات كثيرة في الميدان على كل الأصعدة من سكنات و طرقات و بنية تحتية تتطور كل يوم ، و نمو اقتصادي كبير و انخفاض في نسبة البطالة و دون الحديث على تطور في حقوق الإنسان و ضمان الحريات.

لم يكن يدري ان الأقدار سوف تجعله يسافر رفقة رجل غريب
يعتبر بمثابة الناطق الرسمي للحكومة ، بدى و كأن الرجل صحفي يقدم نشرة اخبار رسمية للتلفزيون الحكومي و التي دوما عناوينها الرئيسية ترتكز على لغة الخشب و التي تؤكد بـأن البلد بخير و ان كل دول العالم تحسدنا على الإستقرار و الخيرات التي ننعم بها و طبعا الإصرار على أن الدولة تسعى جاهدة و العمل بدون هوادة يعني نفس الطقم القديم الذي يستلمه أي صحفي جديد يلتحق بنشرة الأخبار الرسمية.

- سيدي انتظر ردك فيما قلته ، يسعدني ان اسمع رأيك حول الوضع العام في الساحة السياسية و مستقبل البلد.
فعلا لا مفر من الحديث مع الرجل و خاصة ان الرحلة لم تنتهي بعد اقترب منه أكثر محاولا ان يقرأ في عيناه سر جرأته و ثقافته السياسية التي تدل على انه مشروع مناضل يمكن الإستفاذة منه في حشد اكبر قدر من الفئات الإجتماعية التي ينطلي عليها الكلام المعسول.
- سيدي نحن نمثل المعارضة البناءة التي تهدف الى وضع خيار ثالثا امام الشعب ، لسنا حزبا وطنيا عتيدا و لا حزبا دينيا متطرفا نسعى الى تمثيل فئة سئمت الوعود و لغة الخشب نريد إستقطاب شرائح جديدة من المجتمع ، لا يشاهدون نشرة الأخبار الرسمية مواطنون يعيشون العولمة و يعرفون كل شيء و لا يصدقون الأكاذيب.
يسعدني جدا أن تنضم إلينا و تساهم في نهضة سياسية و إجتماعية جديدة.
لم تظهر على الرجل الغريب أي علامة تدل على إنبهاره أو تأثره بما سمع ، كل ما فعله إشارات مبهمة تدل ان الرسالة وصلت ، عدل مقعده قليلا و إستدار من جديد الى صاحبنا.

و ماذا تعطيني كمقابل إن أصبحت من أتباعك ؟ -

- خدمة الوطن غايتنا اخي ، المهم أنك تساهم معنا في هذه الوثبة التاريخية.

- أي وثبة تاريخية يا رجل ، هل تظن أنك في تجمع إنتخابي أعرف جيدا كل شيء عن ألاعيب رجال السياسة ، و هذا ما جعلني اكون معك صريحا ، جميل ان يقفز الوطن و لكن وضعي ايضا يجب ان يتغير الى الأفضل.

لم يكن يتصور بأنه سيتعرض الى إبتزاز سياسي فوق السحاب و هذا الرجل الغريب يبدو مطلعا على كل خبايا و كواليس المشهد السياسي .
من حسن حظه ان المضيفة أعلنت بداية هبوط الطائرة على ارضية المطار و هذه فرصته المواتية للتخلص من هذا الاخطبوط السياسي الذي يجلس بقربه.
حين بدأت الطائرة تتدحرج ، تسنى له ان يشاهد تواجد كبير للأجهزة الأمنية المشتركة على غير العادة ، على طول المدرج و عبر كل محاور المطار.
ما إن توقفت الطائرة حتى فتح هاتفه النقال ،أول ما وصله رسالة قصيرة من سكرتيره الخاص في الحزب ....فعلا كانت قصيرة جدا .....
إنقلاب مفاجئ سيدي أنصحك بعدم العودة للوطن.
 
 
 
                              بوفاتح  سبقاق
                        

شوهد المقال 6471 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

اسلام طبوش ـ الحراك الجزائري من التعتيم الإعلامي إلى الاستهداف ... صمود الحراك يغضب فرنسا و اولادها

اسلام طبوش    قام الحراك الشعبي علي ما عقده بيان ثورة أول نوفمبر 1954 وفق المبادئ الاسلامية عقدته أيضاً ثورة 22 فيفري السلمية...
image

عبد الباقي صلاي ـ ماذا عن رجالات الدولة الأَكْفَاء الذين ظلمتهم العصابة؟!

عبد الباقي صلاي  حملةُ الأيادي النظيفة التي قادها  "أحمد أويحيى"  عندما تَسنّم القرار الأول في الحكومة الجزائرية أواسط التسعينيات من القرن الماضي،والتي على إثرها
image

نجيب بلحيمر ـ سحابة صيف راعدة

نجيب بلحيمر   كما كان متوقعا اكتفت الخارجية الفرنسية بالتذكير بحرية الصحافة للرد على قرار الجزائر استدعاء سفيرها لدى باريس احتجاجا على بث وثائقيين سهرة
image

نجيب بلحيمر ـ النقاش الحرام

نجيب بلحيمر   هل نقد بعض القرارات في ميدان السياسة الخارجية للجزائر والاختلاف حولها يمثل جريمة ؟ في الجزائر يجيب كثير من الناس بنعم، وقد
image

عثمان لحياني ـ فلتان وتلف

 عثمان لحياني  مثلما كانت هناك عملية مأسسة وتبني لخطاب الكراهية المبني على تمزيق الجغرافيا ووضع الحجر في الشقوق ، مثلما يبدو واضحا أنه تم
image

العربي فرحاتي ـ إذا عرف ..من رخص ؟ ..بطل العجب !

د. العربي فرحاتي  لشعورهم بالنقص في شرعية من انتخبوهم..الباديسيون الجدد يكملون ما نقص من شرعية السلطة التي انتخبوها من هجومات الاعلام الفرنسي لسلطتهم ..حيث
image

وليد عبد الحي ـ قرارات ترامب بين النرجسية والمؤسسية

 أ.د.وليد عبد الحي  أزعم ان عملية صنع القرار السياسي في الولايات المتحدة لم تشهد في تاريخها تنازعا حادا بين " شخصية الرئيس" من
image

العياشي عنصر ـ خبايا "تحقيق فرانس5"

 د. العياشي عنصر  بعد مرور لحظات الصدمة والغصب لابد من التفكير بتأني وبمنهجية حول هذا التحقيق وتحليله وتفكيكه ثم إعادة بنائه حتى يتسنى لنا فهم
image

محمود بلحيمر ـ لولا الحراك لواصل الكثير من الناس التبوّل في سراويلهم كلّما سمعوا اسم السعيد

محمود بلحيمر   بالنسبة لي لا مقال يُنشر في "الواشنطن تايمز" ولا وثائقي يُبث في قناة فرنسية ولا أي عمل إعلامي أو دعائي يُغير من موقفي
image

زهور شنوف ـ معڤال وبوحميدي.. عار "قُبلة الشيخوخة" في الشارع! #الجمعة_67 #الحرية_للمعتقلين

زهور شنوف   في الاسبوع نفسه رأينا اهتماما غريبا بالحراك، على مستويات مختلفة، والحقيقة ان الاهتمام بالحراك لا يغيب ابدا لدى من ينام الجمر في بطونهم،

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats