الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | إيناس ثابت - قصة الأمس

إيناس ثابت - قصة الأمس

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

إيناس ثابت 


افتقدتكِ زمناً خاصمتُ فيه روحي الولهى، حينما نسيتُ بأنكِ محجّة شوقٍ ووفاء، فاحتضنتُ أولى إشراقات الربيع في مولد الصّبح وعطر الطفولة، ولثغةَ الكلامِ المتعثّرِ في اللسان وعلى الشّفاه، وحللنا معا شرانقَ العمرِ فراشاتٍ تراقصُ الضوءَ، وتحاكي تغريد البلابل، توقظ القلب من غفوته وتبوح بخبايا الجسم والروح، فنهلتُ من عبق الذكريات مما لم يزل يستوطن الفكر والوجدان. كنتِ ملجئي بعد رحم أمي وأختا جاد بها الزمان على دنياي، صديقة وصورة من نفسي إلا أنكِ الأكثر مرحا وانفتاحا وفتنة، بعينيك الدعجاوين وحمرة خديك بلون الورد وشقائق النعمان.
عشنا جنة الطفولة وزهرة الحياة الأولى، وتعاهدنا  أبد الدهر على المحبة والوفاء. كان زمنا قصيرا.. زمن سلام ومرح وإخلاص، العالم بأسره لا يزيد عن صورة صغيرة جميلة في عيوننا ونفسينا، وفرح عظيم بحجم أفلاك السماء، يكبر الكأس ويتسع لنهر ينساب رقراقا على حصباء، والتفاحة الواحدة تزيد عن شجرة مثقلة بالثمار، وبهجة نفسينا تتعالى وتتجدد في الصباح وفي المساء. كل ما يغرينا لا يزيد عن ثوب جديد  أو دمية  بسيطة مصنوعة من بقايا قماش.  نلعب على العشب الناعم بجانب الغدران، نغرد كالبلابل في السحر والعشيات، فما الأطفال إلا قبس من أنوار الملائكة وما الطفولة إلا رسول الملأ الأعلى، تُعلم الإنسان عفة اللون الأبيض، وتدرك بقلوبها الصغيرة معنى الطهارة و السعادة والسلام.
ثم حَمَلنا موكب المراهقة وأسعد الأحلام، إلى آفاق جديدة وسماوات بلا نهايات. سافرتِ بعدها لاستكمال دراستك الجامعية، وأرهقتِ روحي بهذا البعاد فأظلمت زاوية في روحي أو كأنها تلاشت وانتهى أمر صداقتنا لهذا الفراق. بقيت وحدي تراودني الذكريات ويتردد صداها في قلبي كما تردد الجوامع فاتحة الكتاب. 
كانت أمانينا أشهى من الحلوى يحبها الأطفال، وأشد عذوبة من الماء القراح يروي عطشنا في صحراء الحياة، وعلى جذع شجرة الدار التي أسميناها شجرة الأمنيات، أرسلنا أمانينا في الليالي المقمرة صوب السماء، وسخّرنا النجوم ونثرناها عقودا وأقراطا من الماس، وحفرنا على جذع الشجرة اسمينا، والحرف الأول من اسم الفتى الذي أحببتِه، وصديق شقيقك الذي أحببت، ليتك تتذكري كم بكيتِ بمرارة وخيبة حين قال لكِ أنتِ بمقام شقيقتي، وصديقة عزيزة لا أكثر ولا أقل، فما باحت الشجرة بسرنا ولا خانت تلك الأمنيات.
مرت السنوات فكنتِ الوردة النضرة وكنتُ لك الغيمة والشتاء، وكبرت الطفلة واسترسلت جدائلها على الكتفين، تزوجتُ ولم أكمل تعليمي لكنني لم أتزوج بمن أحببت.. أتعجب من نفسي وأضحك لسذاجتي كيف أحببت هذا الطائش المجنون؟ وبقيت أكتب لكِ الرسائل وأسرد لك أحلى الذكريات عن الزمن البريء الذي أظلنا والأرض التي جمعتنا، وكنت تردين بالجواب وراء الجواب بدمع تسفحه العين، وحنين  يتردد نغما شجيا في الفؤاد.
انقطعت رسائلك وانقطعت أخبارك وما انقطعت رسائلي، بقيت أكتب إليك وأسأل عنك  ولا أتلقى منك إلا الحسرة وشوقا بلا عتاب ، أستثيرك بالحنين وذكرى الأيام الخوالي وأطياف ماض ولى فينساب في روحي شجن مؤلم لهذا الغياب. لم ألمك على انقطاعكِ عن الكتابة أو توقفك عن الرد على رسائلي يا صديقتي.. لا.. والذي فطر النفوس على المودة والخير، وخلق قلبي فأودعك فيه فكان إيماني بقلبك أكبر من عتب رقيق وأعظم من كل الظنون، ألم تكن الظنون بعضاً من الآثام..؟
 حتى بلغني عن طريق بعض الأصدقاء أنك نلتِ أعلى مراتب التعليم وأرقى الدرجات. سعيتِ في حياتكِ بخطى ثابتة وشجاعة نادرة، مشرعة ذراعيك لأبعد الآفاق تجنين الأماني الطيبة وأحلى الثمار. أما أنا فرزقت بطفلتي الأولى، وصارت من بعدك جنتي وبهجتي و سلواي في الحياة. أبصرت في عينيها طفولتنا وفي روحها قرأت الماضي بدهشة الأمهات.
وبقي صوتك يرن في سمعي وصورتك ما غابت عن مخيلتي على الإطلاق. أبحر في محيط متلاطم الأمواج على ظهر زورق بلا مجذاف. وروحك تتهادى من حولي ودمعة  حرَّى تنساب على خدي، وحينما تقسو على قلبي الحياة أذكرك في خلوتي فاستمع لأمآلك وحكاياتك، والأيام التي ولت بكثير من المحبة والمودة والرجاء، وأقلدك في ابتسامتك العذبة الصافية والوداعة تخيم على وجه مليء  بالرضا والعزم وإقباله على العيش رغم المآسي في كل الديار. 
حتى أتى ذلك اليوم وأنا أقرأ بالصدفة خبر مؤتمر طبي يقام في المدينة، رأيت اسمك من خلال لائحة من أشهر الأطباء، فخطف سنا اسمك بصري ورقص قلبي طربا لما رأيت. إذاً سلوى هنا اليوم؟ منذ متى سكنت في داخلي جنة من أمل..؟ وغنت روحي على أوتارها أحلى النغم. لم أحتمل الانتظار فحملت طفلتي وأسرعت حيث يقام المؤتمر، أنا وطفلتي سنغدو مفاجأة سارة لكِ وستحبينها كما تحبيني وتعتبرينها ابنة لكِ ولو لم تلدي بعد.
قُرعت طبول اللقاء المرتقب، وارتفع الإعلان في أرجاء المدينة وشوارعها، وأودعت المزن رذاذ الأيام الخوالي ففاح أريج الأرض طيبا، وعجت السماء بالطيور الصادحة وأطلت عيون الكواكب تضحك من خلف سحب يبعثرها النسيم لتمسح غبارا عن جبين النهار.
رأيتك بعد عمر من الغياب، كنت بهية الطلة ملتهبة الحضور لامعة كنور الشمس، تشع من عينيك الثقة والقوة والتصميم، تتحصنين بالعلم والمعرفة، تتألقين عند الصمت وتبهرين وقت الكلام، والقلوب تهفو من حولك وتجول فيك العيون. كنت فخورة بكِ يا صديقة أيامي وطفولتي. رفعت رأسي زهوا وفخرا حتى أشرقت الشمس في قلبي وجبيني. صفقت لكِ بحرارة وغالبت صراخا في نفسي ودموعا في عيوني: هذه سلوى صديقتي وأختي ورفيقة  عمري.
وبعد نهاية المؤتمر وانصراف الحضور، ناديتكِ ببسمة تملكت شفتاي ورعشة اهتزت لها أركان قلبي: سلوى..؟ نظرتِ نحوي ببرود طويل. ثم قطبتِ حاجبيكِ واستفهمت عيناكِ بتعجب وتعالٍ: من أنت!؟ مرت بخاطري الذكرى وملأ الغم صدري وجالت الدموع بين أجفاني، فحبست دموعي خبأتها قطرة ندى فوق أزهار ماضٍ لن يعود. سيطرت على نفسي واستدركت موقفي، قلت: ناديت ابنتي.. ابنتي اسمها سلوى يا سيدتي.


شوهد المقال 1081 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نهاد مرنيز - " سي بوعزيز بن قانة " .... كتاب مسمُوم يوظفُ وجهة النظر الإستعمارية للثورة التحريرية

نهاد مرنيز أثارت عودةُ " قاطع أذُن " الجزائريين من خلال كتابٍ يُمجدُ تاريخهُ " القذر "والذي توثقهُ شهاداتٌ وصورٌ وحقائق ، الكثير من الجدل بين
image

رائد جبار كاظم - النفط مقابل الحياة

د. رائد جبار كاظم صرح الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب حول مسألة النفط في العراق بقوله : "إن واشنطن كان عليها أن تأخذ احتياطيات الخام العراقية"
image

بوزيد بغدادية - امرأة من دانتيل

بوزيد بغدادية               كَكُلِ أُنثى أناأصنع الفراشات وأهديها لحقولِ وطنيوأهديها للورْدِ والزَّهْرِككل أنثى أنا أخيط العرائسَ من القطنِوانْفُخُ فِيهَا طُولَ العُمْرِوأسْرِي... وأسْرِي... حالمةًوحظي الودودُ مَحْبُوسٌ في الأَسْرِوقدري البَائِسُ بَاعَ
image

مادونا عسكر - الرمزية ومدلولاتها في ديوان "من عبادان نحو العالم الفرنكوفوني" للشّاعر الإيراني جمال نصاري

مادونا عسكر- لبنانعندما تعجز اللّغة يحضر الشّعر بانسيابه العذب ومنطقه الأعلى وروحانيّته المتّقدة. يحضر، وتحضر معه فضائل العالم الشّعريّ الملامس للأرض المطاول للسّماء. "من عبادان
image

عبد الباقي صلاي - ما هكذا تورد الإبل يا حاكم الشارقة؟ !!

عبد الباقي صلاي لم نكن ننتظر من حاكم الشارقة "سلطان بن محمد القاسمي" أن يخرج علينا بتصريح أقل ما يقال عنه إنه تصريح غير مسؤول عن
image

بادية شكاط - حين صار الإسلام مشكلة.. هل ستصير العلمانية هي الحل؟

بادية شكاط   لا شك أننا اليوم بتنا بحاجة إلى بوصلة تُحدّْد لنا مواقعنا الإيديولوجية، تمامًا كتلك التي تُحدّد لنا مواقعنا الجغرافية، خاصة ونحن نعيش هذه الفوضى
image

ولد الصديق ميلود - السياسي الانتهازي في مقابل المواطن الانتهازي : موسم التعايش السلمي

د.  ولد الصديق ميلود  إذا كان موعد إجراء أي استحقاق انتخابي في الديمقراطيات العريقة أو حتى الناشئة هو فرصة للتباري بعرض البرامج  الانتخابية ومسلكا مهما  للتجنيد
image

حمزة حداد - إقطاعيوا الإدارة .. " الصغار " !!

 حمزة حداد   الإقطاعية في أوربا انتهت بما عرفته من ثورة صناعية وعمليات تحديث وتحيين لمجموعة من المفاهيم التنورية التي تجعل من الإنسان مبتدأ الاهتمام ومنتهاهللأسف
image

كاظم مرشد السلوم - حكاية الهروب من جحيم إلحرب الى غياهب البحر

كاظم مرشد السلوم  ماريه نوستروم ، عملية عسكرية  امنية بحرية اطلقتها ايطاليا في اكتوبر تشرين الاول عام 2013 للحد من موجات النزوح والهجرة غير الشرعية من
image

نوميديا جرّوفي - جماليّة النّصوص في كتابات الشّاعر "بهاء الطّائي"

 نوميديا جرّوفي"بهاء هدب الطائي" من مواليد 1967 ، بالكاظميّة، بغداد، العراق، خرّيج كليّة الزراعة سنة 1991.صنع لنفسه عالمه الخاصّ من خلال كتاباته المتنوّعة و الكثيرة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats