الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | ابراهيم يوسف - عشيّة اليوم الأخير

ابراهيم يوسف - عشيّة اليوم الأخير

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image


ابراهيم يوسف- لبنان
 
"ليلى وما سَمّى العَرَبْ 
أحْلى.. ولا غَنّى القصَبْ"

ليلى الحلم الضائع في متاهة الجسم والروح
  وترنيمة حزينة في ليل المحبين

(1)"الليلُ ياليلى يعاتبُني ... ويقولُ لي سلِّم على ليلى
الحبُّ لا تحلو نسائمُه ... إلاَّ إذا غنَّى الهوى ليلى"  

منذ عقود مضت وفي ذروة نشاط العمل السنوي، نلت بصعوبة ملحوظة وبعد مداولات عديدة مع الإدارة، إجازة من الشركة حيث كنت أمتهنُ صيانة وتصليح أدوات ضغط السوائل والغازات، ومؤشر ارتفاع الطائرات العائدة للنقل الجوي في شركة طيران الشرق الأوسط. يومئذٍ نَشرتُ أولى مقالاتي، كتُبتها عن متعة السفرعلى علو مرتفع، حيث تبدو أحجام الأشياء على الأرض بالغة الصغر خلافا لحقيقتها، والطائرة تعلو تحت النجوم في سماء لا تدركها سنوات طويلة من ضوء العقول، أو فوق غيوم كالأراجيح تُخصِّبُ القريحة الخاملة وتوحي لها بألف خاطرة وخيال. لعل سعيد عقل كان مسافرا على بساط الريح حينما نظم قصيدته: (2) "خُذْنِي بِعَيْنَيْكَ واهْرُبْ أيُّهَا القَمَرُ. قد غِبْتُ عنهم ومالي بالغيابِ يدٌ --- أنا الجناحُ الذي يَلْهو بِهِ السَفَرُ". 
 نشرتْ مقالتي يومها إحدى المجلات المحليَّة وتعنى بالمقالات العلمية التي لم تكن لتخلو من الرومنسية وومضات من الشاعرية تفيض بها أحلام الشباب. خلال الرحلة الميمونة القصيرة وفي عناية سرب من المضيفات الفاتنات بأثوابهن الأنيقة القصيرة الضّيقة، وأردافهن الممتلئة النافرة تزخر بالرغبة والحيوية والاشتهاء. اكتشفتُ وأنا أطير للمرة الأولى كيف يكون الشعور في الأعالي، وكيف "ينظرُ السِّوى إلى الآخرين من فوق". 
سافرتُ إلى قبرص مروراً بالأردن في توقف قصير، لنقلِ المزيد من المسافرين على متن "الجامبو جت" الطائرة النفاثة العملاقة من طراز بوينغ 747. لم تستغرق الرحلة من عمان إلى لارنكا إلاّ بعض أجزاء الساعة، ما لا يزيد عن الوقت المخصص لتناول الحلوى والعصير وملء استمارة الوصول. وكان المنطق الاقتصادي الذي يتحكم في مفاصل الأوطان ويوجه سياسة البلدان، يقتضي أن تمر الطائرات الأردنية في بيروت، لنقل المزيد من المسافرين في الطريق إلى قبرص وليس العكس.. مهما يكن الأمر فقد كان بانتظاري في المطار سائق سيارة أجرة، يرفع لافتة بخط عريض بالحرف اللاتيني، يشير إلى "شخصي الكريم" فيظهر الاسم بوضوح للقادم من بعيد. 
في الطريق إلى العاصمة القبرصية.. لفتتني رصانة السائق وأناقة لباسه وشاربيه، ولطافته في الحديث معي والرد على أسئلتي، بما يليق بإرثه العريق من ثقافة الملحمتين الشّعريَّتين الخالدتين الألياذة والأوديسيه، ويردني في رزانته إلى أثينا جدَّته ربة الحكمة والقوة، وابنة زيوس في أساطير اليونان. وأكثر ما استرعى انتباهي عنايته المفرطة بنظافة سيارته وفخامتها، وصوت موسيقى هادئة لا أدري ما تكون ينبعث من مذياعها يدغدغ مشاعر الواصلين إلى هذا البلد النظيف الراقي الناهض منذ زمن بسيط. كنا نسير بمحاذاة حقول متواضعة من القمح أين منها اتساع حقولنا. تتلاحق كموج البحر وهي تستجيب لملاطفة الريح فتنحني سنابلها بتواضع لتعود بعد انحسار الهواء وتنهض برؤوسها من جديد.
 هذا المنظر أعادني إلى زراعة القمح التي أهملناها في وادي البقاع، السهل الواسع الخصيب بين سلسلتي جبال لبنان الشرقية والغربية، من  أيام (3) هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي العاشر. وكان البستان الملحق بقصر الخليفة يمتد عشرات الأميال، من عنجر وسط البقاع وينتهي في مرجعيون على الحدود الجنوبية المتاخمة للأرض المحتلة في فلسطين. ذكَرَه سعيد عقل في قصيدته (4) سائليني يا شآم بقوله: أمَـويُّـونَ فإنْ ضِقْـتِ بهم ... ألحقـوا الدُنيا بِبُسـتانِ هِشَـامْ.
وقمح البقاع امتلأت بخيراته إهراءآت روما ذات يوم..؟ أما إهمال زراعته بالإضافة إلى الزراعات الأخرى عموما.. فقد حملتنا على الخضوع لسياسة الدول التي تصدِّر لنا القمح والصناعات المختلفة، وآفة استيراده من الخارج باتت تؤثر على اقتصادنا وتهددنا بالفاقة والجوع.. ألم يكنِ "الويل لأمة تأكل مما لا تزرع وتلبس مما لا تنسج..؟" على ما يقوله جبران "النَّبي".. عظيم ومبدع من بلادي. 
في نيقوسيا قضيتُ أسبوعاً في أحد المشافي في الجانب اليوناني، إثر جراحة دقيقة خضع لها شقيقي في عموده الفقري، أجراها له أبيدوس طبيب يوناني من أحفاد أبقراط. حملت له معي كثيرا من هدايا "الأرتيزنا" الرائعة في أول شارع الحمرا في بيروت. لكن أهم ما أعجبه من الهدايا "المُكَسَّرات" من الفستق الحلبي والبندق واللوز المحمَّص والكاجو، التي توائم النبيذ الفاخر من أجود أصناف كروم العنب في قبرص، حيث ولدت أفروديت إلهة الحب والشهوة والجمال.
 وُلدتْ أفروديت بعد أن قام كورنوس بقطع العضو التناسلي ليورنس، فسقط المنيُ مع الدم في البحر وتكونت رغوة خُلقتْ منها أفروديت. ظهرت عارية الجسد ساحرة النهدين وفي قمة الجمال وهي تترك صدفتها على شاطىء البحر في قبرص. في معبدها كان الرجال والنساء يمارسون الجنس كجزءٍ من طقوسهم وعبادتهم، وقد تحوَّل معبدها في دمشق إلى كنيسة القديس يوحنا المعمدان. وفي أثينا ذَكَرَ المعبدَ بولس الرسول في رحلته إلى هناك. أمّا في الحجاز فعبدها العرب وأطلقوا عليها اسم اللات. قبرص أيضاً جابت شواطئها أساطيل الأمويين، آتية من دمشق تسد وجه الأفق  في التاريخ.  
تكللتِ الجراحة بالنجاح والحمد لله، وكنت أتناوب مع زوجة أخي البقاء إلى جانبه في الليل والنهار، حتى مللتُ من أجواء المشفى والنوم على كنبة ضيقة، ورائحة المطهِّرات وحديثي المتعثر مع الممرضات اليونانيات حفيدات أفروديت، المنهمكات في أعمالهن على الدوام، حينما أشفقتْ على حالي زميلة لأخي زارته في المشفى- محرِّرة في إحدى وكالات الصحافة الأجنبيَّة هناك ويعملان معا جنبا إلى جنب. أدركتني غادة الزائرة الكريمة من تونس بكتاب يتضمن إحدى مسرحيات كاتب عربي مشهور. خانتني ذاكرتي ونسيت عنوان الكتاب..؟ والكاتب رحل عنّا طيَّب الله ثراه وتغمده بواسع رحمته ورضوانه. 
 أذهلتني عن نفسي هذه المسرحية الرائعة التي لم أكن قد قرأتها أو سمعت بها من قبل؛ فلم أستغرق في قراءتها إلاّ بعض اليوم والليلة، وقارنتها من حيث لا أدري بمسرحية "زوجة الخباز" (5) لمارسيل پانيول، التي لم يكن قد مضى على قراءتها وقت طويل، فوجدت بين الكاتبين الكثير من السمات المشتركة في النهج والأسلوب وربما أيضا في النفس الحواري وتوارد الأفكار. لكن التشابه الحقيقي خَفِيَ عن إدراكي تفكيك عقده ورموزه لشدة شغفي وإعجابي بما قرأت، فالتبس عليّ أن أتبين بوضوح أين وكيف يكون وجه التشابه بالتحديد. 
 أحد الصّحفيين اللامعين المعروفين؛ المهتمين والمتابعين للشأن الأدبي، أكَّد لاحقاً هذا التشابُهَ المشترك والتناوب البارع في السرد والحوار، بأسلوب طيِّع وجذّاب بين المسرحية التي قرأت وزوجة الخبّاز؛ في مقالة مستفيضة كتبها عن بانيول والكاتب المسرحي الراحل، وقد أشار إلى انسجام واضح في أسلوب الكاتبين، وفي بناء الشخصية المسرحية التي تقوم على التناقضات، ولمحات ساطعة تضيء أدوار النماذج الإنسانية، والشخصيات التي رسماها بدقة وبراعة، لتحفرَ عميقا في وجدان القارىء ووعيه.
ما أضافه الصّحفي أن الكاتب صاحب المسرحية، وكان ممن رافقوه وكتبوا عنه مرارا في رحلته الأدبية القصيرة؛ ما انفك يكتب حتى اللحظات الأخيرة من فترة مرضه الطويل. المرض الخبيث الذي تسلل وفتك في جسد الأديب، فتحدَّاه بالشجاعة والمقاومة والإصرار على تدوين أفكاره.. وحينما أعيته الكتابة عن الحب والحياة والأمل؛ وتوقف القلم بين أصابعه ليبدأ رحلة السفر الطويل، وكان قد تعدى من عمره الخمسين؛ أشار إلى الممرضة أن تغادر الغرفة، وتدعه يختلي بزوجته وهو في  ساعاته الأخيرة..؟ 
في اللحظات الحرجة تلك كانت أنفاسه تتلاحق، وصدره مضطرب يعلو ويهبط بوتيرة سريعة، وكان متألما إلى أقصى الحدود، لكنه بالرغم من أوجاعه كان متشبثا بحياته يقاوم لينتصر على موته ويبتسم لزوجته ومن زاروه في اليوم الأخير. كان شجاعا وكان مؤمنا راضيا بما أنجزه في حياته الأدبية، ولم يكن معنيّا أو خائفاً مما ينتظره في العالم الآخر، من الثواب أو العقاب في الجنة أو في النار.
قُضِيَ الأمر وانطوت من حياته ورقة اليوم الأخير. كان على الكاتب كالمحكومين بالإعدام أن يعلن عن رغبته وآخر أمانيه. فشكا لزوجته بجانبه جفاف فمه، وتوسل إليها في ومضات فيض الأنفاس وانتفاضة الاحتضار، والملائكة تفاوض منه الجسم والروح، أن تكشف عن صدرها؛ ليرطب شفتيه من ثديها ببعض السائل الإكسير.. لعلَّه يعيش فترة أطول ولو لومضة أخرى من عمره القصير.
 هذه كانت أمنية الكاتب المسرحي والأديب الكبير، الذي لم يعش طويلاً لكنه لعب دوره بكفاءة عالية، حتّى وهو يلفظ آخر أنفاسه عشية اليوم الأخير، وتقسم الزوجة أنها كانت تبكيه وثديُها يدرَّ في فمه نقطا من الحليب.
 
(1) الليل يا ليلى يعاتبني- غناء وديع الصافي
https://www.youtube.com/watch?v=2Mqy4aGoNcA
(2) خدني بعينيك وارحل أيها القمر- من نظم سعيد عقل ومن تلحين الأخوين رحباني وأداء السيدة فيروز.
https://www.youtube.com/watch?v=zFRr4UuI0ms
 (3) هشام بن عبد الملك الخليفة الأموي العاشر. في عهده بلغت الإمبراطورية الإسلامية أقصى اتساعها، فامتدّت من أطراف الصين وبلغت أبواب پواتيه في فرنسا.

(4) سائليني يا شآم.. من نظم سعيد عقل ومن تلحين الأخوين رحباني وأداء السيدة فيروز.
https://www.youtube.com/watch?v=WvwNRhyrEw0

 (5)*تجدر الإشارة أن ما حقَّقه بانيول من النجاج في مسرحيته، إنما يعود بعض الفضل فيه "لجان جيونو" عن روايته "جان الأزرق"، التي توسلها  بانيول في تأليف "زوجة الخباز" وحتى الآن لا يخلو الأمر حول الكتابين من اللغط والالتباس.




شوهد المقال 5279 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وهيب نديم وهبة - خُذْ حَجَرًا

وهيب نديم وهبة                خُذْ  حَجَرًامِنْ كَرْمِلِي الْخَارِجِ بِعَبَاءةِ الْبَحْرِ إِلَى صَحْرَائِنَا الْكُبْرَى"التَّغْرِيبَةُ الْفِلَسْطِينِيَّةُ"قَصِيدَةٌ مُقَدَّمَةٌ لِلدُّكْتور: وَلِيد سَيْف.-1-خُذْ  حَجَرًابَيْني  وَبَيْنَكَ  مُتَّسَعٌ  مِنَ  الْوَقْتِيافا  تَنَامُ  فِي  الْبَحْرِ..وَأَنْتَ  صَدِيقِي
image

صادق حسن - مسکٌ وشذراتها

  صادق حسن البوغميش - الأهواز                 ینقنقُ بساعةٍ متأخرةٍ من اللیل، لایقلُّ عن آیةٍ وکأنّني في وادٍ مقدسوادٌ یعرفُ الماءَ والرمادَینتابني خجلٌ بین نهرٍ وخراب... تجربةٌ بیضاء
image

مسک سعید الموسوي - اللیلُ یخافُ الظلام والنساءُ تخافُ الظلم والرجال

   مسک سعید الموسوي - الأهواز             ینامُ اللیلُ في ذاکرةِ شوارعنا نهاراً، ویُخفي ظلامهُ جوف ألماسةٍ سقطت من یدِ عجوزة ٍ درداء، لاتنام إلا بعیدةً عن شیوخ
image

يونس بلخام - الشباب الحلقة المفقودة في الساحة السياسة

 يونس بلخام     غابُوا أم غُيِبوا ؟! ، تنازلوا عنها  أم أُنزِلوا من عليها ؟!  ، طَلَّقُوا السياسة أم هي من طالبت بالخُلع فانفصلت عنهم  ؟!  كلها
image

سعيد ابو ريحان - المتفرّجون أنانيّون جداً

  سعيد ابو ريحان مشروعُ عُمرك الذي أسّستخ منذ الصغر، سَهرتَ من أجلهِ على كُتب الأدباء والفلاسفة، وأغاني الملتزمين والمتسلطنين من المغنين، ولوحَات السّرياليين والواقعيين والتشكيليّين، ونِقاشات
image

محمد مصطفى حابس - "بيروني" جزائري لتوحيد المسلمين حول التقويم القمري

محمد مصطفى حابس: جنيف - سويسرا.رحل رمضان و حل العيد، لكنه عيد حزين دون طعم و لا مذاق.. تدهور أمني خطير في الخليج جراء أزمة
image

الجراح الجزائري الدكتور بشير زروقي يجرى بنجاح عملية جراحية، لأمير دولة الدانمارك

  تهنئة  جراح العظام الجزائري الدكتور بشير زروقي المتخرج من كلية الطب بجامعة وهران الجزائرية، يجرى عملية جراحية  بنجاح في فرنسا، للأمير هنريك لابوردأميرالدانماركبمناسبة نجاح أخونا الدكتور
image

بلقرع رشيد - عولمة العَراء.. فالطّـــائفة.. فالإرهَـــاب قَطــــر .. على خُطى بَربشتر ؟

 بلقرع رشيد * بئسَ السّياسة.. إن لم يكن عِمادها القيام على الأمر بما يُصلحه..بئسَ إعلامُها.. إن كان بثُّ الشّقاق ديْـــــــدَنه، نِعْمَ الكتابةٌ.. للحرف، رَبُّ يسألُه !الأزمات يلتهمها
image

سهى عبود - موعد مع الياسمين.. تفصيل بحجم الكون.. الحلقة الثالتة

سهى عبود كانت تلزمني شساعة البحر ومياه لا حدّ لها لكي ابلل الجمر الذي ينهشني من الداخل وأنا اجر القدم تلو القدم.. احرث الرمل، وقد انطفأ
image

عادل السرحان - ذكرى

  عادل السرحان             تذكرت عمري والسنين الخواليا وبيتي وظل النخل والعذق دانيا وسقسقة العصفورمن كل لينة تهب مع الأنسام والصبح آتيا وديك على التنور ينساب صوته افيقوا عباد الله نادى المناديا ورائحة القداح

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats