الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | سعيد مقدم - حكاية ضياع

سعيد مقدم - حكاية ضياع

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

سعيد مقدم أبو شروق - الأهواز

وجدته جالسا في الحديقة العامة، وخرطوم الماء يصب على رجليه؛
يبدو أنه مرهق من الصيام، سلمت عليه وجلست جنبه.
يستلم راتبا تقاعديا، كان يعمل في ميناء المحمرة، ويبلغ من العمر 75 عاما.
تكلم لي حول الميناء الذي كان مزدهرا قبل الحرب، ثم أشار إلى قصر الشيخ خزعل الذي دمره الحاقدون قبل أربع سنوات.
سألته عن أولاده وهل يسكنون معه أم لا؟
تأوه طويلا ثم قال:
الكبير متزوج ولديه أطفال، يسكن في المحرزي، النهر السادس.
الأصغر يسكن معي، ولم يتزوج بعد..وبطال لا يعمل، يقول أنه يبحث كثيرا عن عمل يناسبه، لكنه لا يجد... في الآونة الأخيرة، اختار الهجرة إلى آلمانية؛ ويحرضه صديقه الذي هاجر قبل أشهر قليلة إلى هناك.
ثم خاطبني بصوت متهدج: كيف لي أن أجده إن هاجر وضاع هناك؟!

وسكت قليلا فتابع بمرارة:
أما الأوسط، فقد تبرأت منه..ولا أرغب أن أسرد لك حكايته فأسبب لك وجع الرأس.

لكني تلهفت لسماع حكايته فطلبت منه أن يحكيها لي...فاستطرد قائلا:
كان بطالا، تعرف على فتاة أعجمية؛ قالت له أن أخي رئيس شركة، إن تزوجتني شغلك...وبدأت بينهما علاقة غير ملائمة.
حتى قرر أن يتزوجها...
طلب مني خطبتها، بيد أني رفضت طلبه رفضا باتا.
ثم أشار إلى (دشداشته) البيضاء وقال:
دشداشة نقية بيضاء..إن رقعتها بوصلة سوداء...كيف تبدو؟!
ثم واصل حديثه بهدوء حزين فقال:
راح لوحده يخطبها إلى أهلها، فوافقوا على الفور؛ بل وتكفلوا بجميع مخارج الزواج ...فتزوجها.
لم نحضر حفل زواجه لنعبر عن رفضنا واستنكارنا.

ثم أضاف وهو ينظر إلى السيارات المركونة عند مدخل الحديقة العامة منتظرة الركاب المتجهين إلى عبادان:
مضى من ذلك الزمان خمس سنوات، وصار يزورنا هو وأطفاله وزوجته بين الفينة والأخرى...يأتون، يتراطنون، ويمشون.

وأدار وجهه المجعد إلى جهة الحديقة، نزع نظارته، غسل وجهه بماء الخرطوم؛ لعله يغسل دموعا لا يريد أن تخدش كبرياءه، أو تهدم آخر أمل في حياته وهو يترقب اندكاكه في كل آن... أنّ متسائلا:
أليست حكايته حزينة؟
قلت: بلى، حكاية الضياع حزينة.


شوهد المقال 5346 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

في 03:18 29.06.2016
avatar
صح ضياع بمعنى الكلمة.
تحية للأهواز ولكاتبها سعيد مقدم أبو شروق.

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

وهيب نديم وهبة - خُذْ حَجَرًا

وهيب نديم وهبة                خُذْ  حَجَرًامِنْ كَرْمِلِي الْخَارِجِ بِعَبَاءةِ الْبَحْرِ إِلَى صَحْرَائِنَا الْكُبْرَى"التَّغْرِيبَةُ الْفِلَسْطِينِيَّةُ"قَصِيدَةٌ مُقَدَّمَةٌ لِلدُّكْتور: وَلِيد سَيْف.-1-خُذْ  حَجَرًابَيْني  وَبَيْنَكَ  مُتَّسَعٌ  مِنَ  الْوَقْتِيافا  تَنَامُ  فِي  الْبَحْرِ..وَأَنْتَ  صَدِيقِي
image

صادق حسن - مسکٌ وشذراتها

  صادق حسن البوغميش - الأهواز                 ینقنقُ بساعةٍ متأخرةٍ من اللیل، لایقلُّ عن آیةٍ وکأنّني في وادٍ مقدسوادٌ یعرفُ الماءَ والرمادَینتابني خجلٌ بین نهرٍ وخراب... تجربةٌ بیضاء
image

مسک سعید الموسوي - اللیلُ یخافُ الظلام والنساءُ تخافُ الظلم والرجال

   مسک سعید الموسوي - الأهواز             ینامُ اللیلُ في ذاکرةِ شوارعنا نهاراً، ویُخفي ظلامهُ جوف ألماسةٍ سقطت من یدِ عجوزة ٍ درداء، لاتنام إلا بعیدةً عن شیوخ
image

يونس بلخام - الشباب الحلقة المفقودة في الساحة السياسة

 يونس بلخام     غابُوا أم غُيِبوا ؟! ، تنازلوا عنها  أم أُنزِلوا من عليها ؟!  ، طَلَّقُوا السياسة أم هي من طالبت بالخُلع فانفصلت عنهم  ؟!  كلها
image

سعيد ابو ريحان - المتفرّجون أنانيّون جداً

  سعيد ابو ريحان مشروعُ عُمرك الذي أسّستخ منذ الصغر، سَهرتَ من أجلهِ على كُتب الأدباء والفلاسفة، وأغاني الملتزمين والمتسلطنين من المغنين، ولوحَات السّرياليين والواقعيين والتشكيليّين، ونِقاشات
image

محمد مصطفى حابس - "بيروني" جزائري لتوحيد المسلمين حول التقويم القمري

محمد مصطفى حابس: جنيف - سويسرا.رحل رمضان و حل العيد، لكنه عيد حزين دون طعم و لا مذاق.. تدهور أمني خطير في الخليج جراء أزمة
image

الجراح الجزائري الدكتور بشير زروقي يجرى بنجاح عملية جراحية، لأمير دولة الدانمارك

  تهنئة  جراح العظام الجزائري الدكتور بشير زروقي المتخرج من كلية الطب بجامعة وهران الجزائرية، يجرى عملية جراحية  بنجاح في فرنسا، للأمير هنريك لابوردأميرالدانماركبمناسبة نجاح أخونا الدكتور
image

بلقرع رشيد - عولمة العَراء.. فالطّـــائفة.. فالإرهَـــاب قَطــــر .. على خُطى بَربشتر ؟

 بلقرع رشيد * بئسَ السّياسة.. إن لم يكن عِمادها القيام على الأمر بما يُصلحه..بئسَ إعلامُها.. إن كان بثُّ الشّقاق ديْـــــــدَنه، نِعْمَ الكتابةٌ.. للحرف، رَبُّ يسألُه !الأزمات يلتهمها
image

سهى عبود - موعد مع الياسمين.. تفصيل بحجم الكون.. الحلقة الثالتة

سهى عبود كانت تلزمني شساعة البحر ومياه لا حدّ لها لكي ابلل الجمر الذي ينهشني من الداخل وأنا اجر القدم تلو القدم.. احرث الرمل، وقد انطفأ
image

عادل السرحان - ذكرى

  عادل السرحان             تذكرت عمري والسنين الخواليا وبيتي وظل النخل والعذق دانيا وسقسقة العصفورمن كل لينة تهب مع الأنسام والصبح آتيا وديك على التنور ينساب صوته افيقوا عباد الله نادى المناديا ورائحة القداح

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats