الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | سعيد مقدم - أبو پريسا (5)

سعيد مقدم - أبو پريسا (5)

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 
 
سعيد مقدم أبو شروق - الأهواز

في كل مرة أحاور فيها أبا پريسا حول ابنته التي أنساها لغتها العربية تؤسفني حججه الداحضة، لكنك تراني أسيطر على أعصابي طمعًا في هدايته؛
أقول لنفسي : سيهتدي، إن لم يكن اليوم فغدًا.
أسمَعه يجاهر بعداوته ضد لغته، فأحب أن أصرخ في وجهه:
يا رجل، من استخدمك ضد نفسك؟ وكم يعطونك لهذا الحقد المتقد ضد عروبتك؟!
ولكني لم أفعل، طمعًا في هدايته.

له مواقف تثير الدم في وجهي من شدة الغضب، سأروي منها موقفـًا:
عندما توفت أمه، حضرتُ لمواساته و لقراءة الفاتحة.
وجدت على حيطان بيته لافتات تعزية كثيرة كتبت باللغة الفارسية، وكأنك في طهران أو اصفهان أو شيراز، وكأنك لست في الأهواز العربية!
هل يا ترى كل أصدقائه وزملائه عجم؟!

فأسرعت نحو السوق أجلب لافتة عزاء عربية، أعطيتها للشباب ليلصقوها على الحائط، ففعلوا.
تفاجأت بعد ساعة باختفائها!

قال أبو پريسا: أتريدُ أن تجلب نظر الاستخبارات نحوي؟!
وهل تدري لو عرف مسؤول أمن دائرتنا بهذه اللافتة ماذا سيحصل لي؟!
ثم تابع معاتبًا: أتريد أن تقطع رزقي؟!

ضحكت من شدة حزني وسخطي (وشر البلية ما يضحك). أنا يا أبا پريسا؟! وبلافتة خـُطت أحرفها بلغة القرآن؟!
فلو كتب الله لك رزقـًا، لا أنا ولا مسؤول أمن دائرتك ولا أكبر ولا أصغر منه لا يستطيعون أن ينقصوا منه بقدر قطمير.
الرزق بيده وحده ... قُلْ إِنَّ رَبِّي يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ  (سبأ 36)

  فيا صديقي يا أبا پريسا، انتمِ لذاتك ولكيانك العربي، وإلا فكيف تتوقع للآخرين أن يتقبلوك؟
وبأي عين يرونك وأنت ألغيت انتماءك وأنسيت ابنتك لغة إسلامها؟!
ألا ينظرون إليك بعين الضعف والاحتقار؟

يا زميلي يا أبا پريسا، نوّع شخصية ابنتك ولكن لا تلغ انتماءها، وإلا فسوف تـفـتـقـد بهاءها وجمالها الحقيقي؛ وهل للمزيف قيمة وجمال حقيقي؟!
علمها الفارسية، ولكن لا تخسّرها بالمقابل لغتها العربية.

يا عديلي يا أبا پريسا، العربية ليست لغة فحسب؛ ولكنها هوية وشعائر ووجود. فهل ترضى أن يُمحى وجودك؟

يا جاري يا أبا پريسا، أرأيتَ إن إصابك سوء حزنتُ عليك، إن تعرضتَ لحادث، أو مرضتَ، أو سرق بيتك سارق... واسيتك واكتربت لك وأخذت بخاطرك؟
فها أنا أرى مكروهًا قد حلّ بأسرتك؛ ولا يسمح لي التزامي ولا حق الصداقة ولا الجوار ولا المزاملة أن أترك هذا المكروه ينهش بكيان أسرتك حتى يفقدها انتماءها.

ويا مثقفينا، أيها الأهوازيون الذين تحملون على عاتقكم مسؤولية دوام استقرار واهتداء هذا الشعب؛ لا تبعدوا القصور عن أنفسكم حيال ما تعرض له أمثال أبي پريسا من استخفاف وارتباك، وتلصقوا التهاون والتراخي بهم وحدهم...لا مراء أنكم مُعاتبون أيضًا.

من ترك جاره يضيع وهو يتفرج على ضياعه ويكتفي باللوم، فليس بجار.
من رأى أحد أقاربه ينحرف عن الصراط السوي ويكتفي بالتأنيب، فلم يراع حق ذوي القربى.
كن في مجتمعك الأهوازي قدوة مؤثرة وأسوة حسنة، فإن وجدت زميلا مخدوعًا بالثقافة الغالبة معرضًا عن ثقافته الإسلامية بما فيها لغته العربية، لا تكتف بالتنديد والتوبيخ فحسب، كن دليلا ونورًا يرشده إلى إصالته.

بالنسبة لصديقي القديم أبي پريسا فقد استنفدت جميع ما في وسعي من طرق ولم يهتدِ، ولكني لن أفقد الأمل، ولا تثبط عزيمتي، فسأرسل أم شروق إلى أم پريسا لتحاول أن تهديها وترجعها إلى مجدها العربي التليد.
ستدعوها إلى الأمسيات الأدبية العربية التي تقام بين الفينة والأخرى، إلى مسرحيات كاظم القريشي، إلى رقصة أشبال ميسان...
ستـتواصل معها عبر شبكات التواصل الاجتماعي وترسل لها ما يعزز ثـقـتها بعروبتها ولغتها، ما يضيء لها طريق رجوعها إلى أصلها؛ ما ينذرها مما يحاك لضياع ابنتها.
فإن استجابت فسأقترح أن تهدي لها قاموس المصطلحات اليومية لمؤلفه ناجي عبود، أو قاموس عارف العاشوري، أو أي قاموس يضاهيهما، وأن ترسل لها ما يكتبه الأستاذ ياسر زابيه من مصطلحات وأمثال عربية.
فهل يا ترى نستطيع أن نهدي هذه الأسرة إلى الصراط المستقيم؟ ونرجع پريسا إلى هيفاء؟ عسانا أن نستطيع...
قال الله في كتابه الحكيم:

كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنْ الْمُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ (آل عمران110)

شوهد المقال 3184 مرة

التعليقات (2 تعليقات سابقة):

في 07:03 11.06.2016
avatar
هداك الله يا ابو بريسا الى عروبتك
في 06:08 18.06.2016
avatar
حلقات حلوة
نصائح

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

نهاد مرنيز - " سي بوعزيز بن قانة " .... كتاب مسمُوم يوظفُ وجهة النظر الإستعمارية للثورة التحريرية

نهاد مرنيز أثارت عودةُ " قاطع أذُن " الجزائريين من خلال كتابٍ يُمجدُ تاريخهُ " القذر "والذي توثقهُ شهاداتٌ وصورٌ وحقائق ، الكثير من الجدل بين
image

رائد جبار كاظم - النفط مقابل الحياة

د. رائد جبار كاظم صرح الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب حول مسألة النفط في العراق بقوله : "إن واشنطن كان عليها أن تأخذ احتياطيات الخام العراقية"
image

بوزيد بغدادية - امرأة من دانتيل

بوزيد بغدادية               كَكُلِ أُنثى أناأصنع الفراشات وأهديها لحقولِ وطنيوأهديها للورْدِ والزَّهْرِككل أنثى أنا أخيط العرائسَ من القطنِوانْفُخُ فِيهَا طُولَ العُمْرِوأسْرِي... وأسْرِي... حالمةًوحظي الودودُ مَحْبُوسٌ في الأَسْرِوقدري البَائِسُ بَاعَ
image

مادونا عسكر - الرمزية ومدلولاتها في ديوان "من عبادان نحو العالم الفرنكوفوني" للشّاعر الإيراني جمال نصاري

مادونا عسكر- لبنانعندما تعجز اللّغة يحضر الشّعر بانسيابه العذب ومنطقه الأعلى وروحانيّته المتّقدة. يحضر، وتحضر معه فضائل العالم الشّعريّ الملامس للأرض المطاول للسّماء. "من عبادان
image

عبد الباقي صلاي - ما هكذا تورد الإبل يا حاكم الشارقة؟ !!

عبد الباقي صلاي لم نكن ننتظر من حاكم الشارقة "سلطان بن محمد القاسمي" أن يخرج علينا بتصريح أقل ما يقال عنه إنه تصريح غير مسؤول عن
image

بادية شكاط - حين صار الإسلام مشكلة.. هل ستصير العلمانية هي الحل؟

بادية شكاط   لا شك أننا اليوم بتنا بحاجة إلى بوصلة تُحدّْد لنا مواقعنا الإيديولوجية، تمامًا كتلك التي تُحدّد لنا مواقعنا الجغرافية، خاصة ونحن نعيش هذه الفوضى
image

ولد الصديق ميلود - السياسي الانتهازي في مقابل المواطن الانتهازي : موسم التعايش السلمي

د.  ولد الصديق ميلود  إذا كان موعد إجراء أي استحقاق انتخابي في الديمقراطيات العريقة أو حتى الناشئة هو فرصة للتباري بعرض البرامج  الانتخابية ومسلكا مهما  للتجنيد
image

حمزة حداد - إقطاعيوا الإدارة .. " الصغار " !!

 حمزة حداد   الإقطاعية في أوربا انتهت بما عرفته من ثورة صناعية وعمليات تحديث وتحيين لمجموعة من المفاهيم التنورية التي تجعل من الإنسان مبتدأ الاهتمام ومنتهاهللأسف
image

كاظم مرشد السلوم - حكاية الهروب من جحيم إلحرب الى غياهب البحر

كاظم مرشد السلوم  ماريه نوستروم ، عملية عسكرية  امنية بحرية اطلقتها ايطاليا في اكتوبر تشرين الاول عام 2013 للحد من موجات النزوح والهجرة غير الشرعية من
image

نوميديا جرّوفي - جماليّة النّصوص في كتابات الشّاعر "بهاء الطّائي"

 نوميديا جرّوفي"بهاء هدب الطائي" من مواليد 1967 ، بالكاظميّة، بغداد، العراق، خرّيج كليّة الزراعة سنة 1991.صنع لنفسه عالمه الخاصّ من خلال كتاباته المتنوّعة و الكثيرة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats