الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | أيها الصديـــــق تجلـــــــى..!!. "حنين للماضي وأنين من المستقبل"

أيها الصديـــــق تجلـــــــى..!!. "حنين للماضي وأنين من المستقبل"

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

ولد الصديق ميلود

 بمحفظة بنية اللون ، فارعة الطول ، ثقيلة الوزن ، مملوء نصفها بكتب الدراسة للمرحلة الثانوية ونصفها الاخر بكراريس الاشعار وملخصات الدروس المسائية والليلية لاتكاد تنسجم مع بدنه النحيف ولا سنه الذي لم يتجاوز السابعة عشر ربيعا ، يخرج (باسم ) التلميذ المثابر كل صباح راجلا ، يسبق أقرانه من تلامذة البلدة في حدود السابعة تماما ، بمئزره البالي وحذائه الحصيف متلوا بعض اذكار الصباح في طريقه ، متجها نحو بيت صديقه (محمد) الجوهرة الفذ الفريد او هكذا يسميه . يدق باب بيتهم ليستأذن وينادي : محمد.....محمد....محمد ، انا في انتظارك ، الوقت يكاد ....

يجلس (باسم) برهة من الزمن قدام البيت متكأ على عرسات البستان الذي يحوي نخلا ،كان ابو (محمد) رحمه الله على كبر سنه وضعف بصره قد رص جنباته ليسهل على كل زائر يريد البيت ان يجلس قربه قبل فتح الباب.
(باسم) كعادته امده الله بسرعة البداهة وقوة الذاكرة ، سبق بها زمانه ، لا يكاد يضيع جزء من وقته، يأخذ كراسته التي وضعها على جنب محفظته حتى يسهل اخراجها .يبدأ يتمتم متلوا مافيها ، فإما اشعار او مقولات لعظماء ومشاهير وفلاسفة او كلمات بالفرنسية او الانجليزية يريد حفظها ....بعد 5 دقائق هاهو (محمد) القصير القامة شبيه (باسم) في كل شيء وكأن الاقدار جمعتهم ليكونا هكذا ..يخرج من البيت ، يقترب شيئا فشيئا من (باسم) الذي يبدوا غاصا بعقله وفكره في كناشته ... ما ان يصل اليه حتى يبتسما الاثنين ويتعانقا معانقة الام لولدها ، معانقة القائد لشبل من جنوده ، معانقة الشيخ لتلميذه ...عناق صاف شديد وشديد ..تغمرهما فرحة عارمة عالية ....وكأنهما يحمدان الله أن أحياهما ليلتقيا مجددا بعد فاصل ليلي قصير كانا قد أمضياه في ردحة المسجد مسجد الحي " معاذ بن جبل" حيث يحضران الدروس ويتسامران ثم يصطحبان بعضهما بعضا بعد مناقشات حادة وجادة حول مواضيع العصر والساعة ........
يأخذ (باسم) بتلابيب يد (محمد) يتبادلان الابتسامات لتبدأ رحلة عظيمة ستتكرر كل يوم مدة سنتين كاملتيين .رحلة مسافتها 2 كيلوا لكن ما يحدث فيها من وقائع ومجريات سوف تشكل منعرجا حاسما في حياة (باسم ) و (محمد)..
رحلة تؤكد ان الصديقين قد استبقا اقرانهم من جيلهم سنوات ضوئية وفلكية ..يقرأون ويتذاكرون ، يتبادلون الملخصات وأقوال المشاهير والفلاسفة وترجمة الحروف والكلمات ،جديد الامة حاضرها ومستقبلها ، يتحدثان حول وضعية المجلة الحائطية في الثانوية ومن سيكتب عمودها الاسبوعي .... الرحلة في اليوم مقدارها الزمني نصف ساعة من السابعة وعشرون دقيقة الى السابعة وخمسون دقيقة .
شكلت هذه الرحلة لــ(باسم ) و(محمد) بداية صداقة أخرى بعد صداقة الطفولة ببراءتها ، صداقة أبدية لم يعرف العالم مثيلا لها يمتد رحى عطرها الى اليوم حيث تجاوزا الاثنين سن الثلاثين ، فلم تقطعها طوارئ الزمن ووسائطه الحديثة كالفايسبوك وغيره من الملهيات التي أخذت عقل كل لبيب فكسرت عوائد الالتقاء والتراحم . ولا الزواج الذي يغير من طبائع الرجال فتنحصر الصداقة في دائرتها القرابية المغلقة، حتى ينسى الاخ اخاه ...
(محمد) الذي وفق لأن يكون أستاذا مربيا ، تماما كما كان يطمح يستذكر كل يوم ذكرياته التي دونها في كراسة خاصة بما في ذلك الرسائل النفيسة التي كان يبعث بها له (باسم) وهو اذ ذاك في الجامعة .....ومن ذلك تلك الرسالة الخطية التي ارتسمت حروفها في ذهنه "......ولاتنس يا(محمد) فرصتك الذهبية التي ان مضت لاتعود في الجامعة فطور معلوماتك ودقق منهجك وعدد نعاتك واتقن تخصصك ولاتنس نفسك الامارة بالسوء بمراقبة الله في افعالك ودمث اخلاقك بالقراءان ...."
(باسم ) الذي اصبح اماما استاذا مفوها كان يكبر (محمد) بسنتين ومع ذلك كان يعتبره هدية الله له في أرضه ، وجائزة العمر التي لاتقبل التنازل و لايمكن ان تباع او تشترى او تغير او تستبدل في زمن يستبدل صديق صاحبه بعرض زائل او امر تافه او غرض كريه ... هو قطعة منه و(محمد) بضع منه ا.
فكم تسامرا الاثنين معا في تلال تلك الكثبان الرملية قرب مركز التكوين المهني بعد كل صلاة عشاء ....كم تناظرا ،كم جمعتهم الاقدار في حضور دروس الشيخين عاشور وماهمي حيث أثرت فيهما وشكلت منهما شيئا عظيما.
يكتب (باسم ) الامام المفوه لـــ (محمد) الذي لم يكن بعد قد انهى سنته الثالثة جامعي "....أجدني مضطرا لئن أهدي لك هذه النصيحة وإن كانت ليست في محلها . وهي أنني وبعد أن وفقني الله عز وجل الى مهمة الأنبياء .وجدتني نادما ندما شديدا على تضيعي لفرصة تحمل المسؤولية في الجامعة ، فوددت لو أني كنت أكثر مسؤولية ،تؤهلني لئن أخوض غمار الحياة العملية بكفاءة أكثر وموضوعية أعمق وبصبر جم وبتوؤدة أكبر .ولكن كما تقول الحكمة استفد من أخطاء الآخرين فإنه ليس لديك الوقت لئن تقع في جميع الأخطاء التي وقع فيها غيرك...." .
صداقة (باسم ) و(محمد) صداقة من نوع خاص من معدن خاص من تربة وطينة الملائكة ، معرفتها تختصر عنا قراءة الف كتاب وكتاب عن الاخوة والصفاء عن الايثار والتفاضل عن عدم حب التملك واشراك الغير ، عن عدم الغيرة والحسد واستيعاظ ذلك برحابة الصدر وسلامته ..كان نجاح باسم من نجاح محمد ونجاح محمد من نجاح باسم ...يفرح هذا لذاك وهكذا....
صحيح لقد بعدت المسافات اليوم بين الصديقيين الاخلاء فذاك في اقصى الشرق والثاني في اقصى الغرب من وطننا الحبيب غير ان وريد الحب الصافي بينهما لاينقطع وسلاسل الحب بينهما لاتشيخ ولاتتقادم ...
لقد حاول (محمد) في بعده عن صديقه ان يبني صداقات جديدة مع اشخاص يجدهم في مكان عمله الجديد ويجد فيهم شيئا ما من صداقة حبيبه غير انه للاسف الشديد ما ان يبدأ صفحة مع أحدهم حتى يكتشف زيفها ... خداعها نفاقها ...لم يعلم انه سيأتي يوم تكون المصلحة هي من تربط بين الاخلاء ..فهو لم يتعلم ذلك ، ولم يتعلم ان يهتك عرض صديقه او يتحدث في غيابه بسوء او يزاحمه او يحسده او يفاجره ، لقد وجد اي (محمد) جميع هذا في مرتعه الجديد ، لقد تغيرت و تبدلت من حوله الشخوص والتصرفات فأحس بالغربة وأي غربة في زمان مغشوش مليء بالاعشاب الضارة المسموة التي لاتكاد تتمايز على الاعشاب الطبيعية الحية ...زمن تربى فيه الناس على الجري وراء الدنيا والتنافس حولها، تارة بالمال والزينة وتارة بداعي الاولاد ، وتارة بطلب الحاجة التي بمجرد قضائها ينس الصديق صديقه
يهتف (محمد ) مسرعا لـــ(باسم) كلما انتابه هذا الشعور قائلا له : (باسم) حبيبي ...أيها الصديق تجلى ....أين أنت ؟؟...

 

 seddikmiloud84@yahoo.fr 


أستاذ العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة سعيدة

 

شوهد المقال 2419 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ تبون.. 100 يوم في قصر المرادية

د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 172  مرت مائة يوم على تنصيب عبد المجيد تبون في قصر المرادية بعدما فرضه العسكر في اقتراع 12 ديسمبر 2019، الذي
image

محيي الدين قشاشة ـ في حب إيران زمن الوباء

د. محيي الدين قشاشة  في أعماقي شعور دفين، سأحاول الإعراب عنه، وهو ما أكنّه من محبّة للإيرانيين كشعب، واحترام لإيران كدولة، وإعجاب بالفرس كحضارة. فعندي انطباع
image

وليد عبد الحي ـ العولمة بين الكورونا والواقع الدولي

 أ.د. وليد عبد الحي  يميل قدر غير يسير من الكتاب والباحثين الى الاعتقاد بأن الكورونا قصم ظهر العولمة، وان الانكفاء مرة أخرى نحو
image

عادل اورابح ـ السكتمبري يمكن أن يكون فرانكوفونيًا أيضًا ! حكيم لعلام نموذج

 عادل اورابح المنشور الذي كتبه حكيم لعلام(كاتب عمود في جريدة Le Soir d’Algerie) اليوم حول موقفه من سجن كريم طابو هو باختصار ذروة اللاشرف. أولاً: التضامن الإنتقائي
image

وليد عبد الحي ـ هوس التنبؤات بالكورونا

 أ.د. وليد عبد الحي  منذ الفترة القصيرة على بدء " حرب الكورنا" ، توالت الكتابة عن تنبؤات قديمة نبهت لهذا الفيروس، وبدأت الكتابات المتعجلة والمتبنية
image

حميد بوحبيب ـ الشعب الزوالي رآه تلف له الحساب ، وما جبر راس الخيط

 د. حميد بوحبيب  صح يبان مستهتر شوية بالوباء هذا ديال الكورونا، وفي الحق رآه خايف ...خايف ، رآه يحس باللي رآه يتيم...تخلات عليه آلهة السماء ...وآلهة
image

العربي فرحاتي ـ الشعب الجزائري ..يستحق التكريم لا القزول ..

 د. العربي فرحاتي  هذا الشعب الذي أعطى مثالا لشعوب العالم في التضحية من أجل الحرية ..هذا الشعب الذي أعطى أروع الأمثلة في الصبر على أخطاء أبنائه
image

عبد الجليل بن سليم ـ العلاج له علاقة مع ثقافة الشعوب

 د. عبد الجليل بن سليم  أعود إلى أهم كتاب كان لازم بل هو مفروض على الطلبة المختصين في الطب و الإحصاء البيولوجي و علم النفس
image

أحمد سعداوي ـ [سجن نيسان 2003] العراقي

 أحمد سعداوي  في الأشهر الأولى ما بعد الاحتلال وسقوط نظام صدام في نيسان 2003 كنت مثل غيري شاهداً على اختفاء الدولة، فلا شرطة ولا جيش
image

سعيد لوصيف ـ تسيير الآني مؤشر على الفشل المستدام..

د. سعيد لوصيف   من المخاطر المحدقة بدول الازمات المستدامة ( واقصد هنا الجزائر على وجه الخصوص ) في الاشهر المقبلة في التعامل مع الاشياء

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats