الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | بوفاتح سبقاق - صانع البؤساء

بوفاتح سبقاق - صانع البؤساء

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
بوفاتح  سبقاق
 
 
 
 
بعد كل هذه السنوات من التقاعد لا يصدق أنه أضحى خارج اللعبة السياسية ، يعتقد ان البلد دوما بحاجة الى خدماته ، كان يعتبر العلبة السوداء للنظام و فجأة تحول الى مجرد علبة كرتون مهملة.
يعتبر نفسه مهندس الكثير من القرارات الحاسمة التي أثرت في البلاد و العباد ، يدرك جيدا بأنه شخصية غير مرغوب فيها على المستوى الشعبي ، و لكنه يعتبر نفسه الرجل المذهل الذي جنب الدولة أزمات و كوارث كبيرة.
اليوم بلغه خبر وفاة زعيم سياسي كبير و قرر حضور جنازته و بالنسبة إليه هي فرصة للقيام بواجب العزاء و لقاء بعض الأصدقاء و الأعداء في مكان مقدس لا يمكن لأحد ان يتطاول على آخر ، زيادة على أنها فرصة للظهور الإعلامي
و خاصة أن دبلوماسية الجنائز أصبحت تقليد غريب في هذا الوطن
المقبرة محاطة بتعزيزات أمنية كبيرة و هذا بإعتبار ان الكثير من رجالات الدولة الكبار يتواجدون في المكان الذي من المفترض ان يتساوى فيه الكبار و الصغار ، اضحت مراسيم الدفن بروتكولات أكثر منها تذكر و عبرة ، بل ان بعض الوجوه السياسية و العسكرية تجمعت هنا و هناك لتبادل أطراف الحديث حول وضع البلاد أو خريطة التموقع السياسي المحتمل ، كلهم يفكرون في مصالحهم الخاصة و إمتيازاتهم المختلفة و كل واحد لديه مخططه الخاص في حالة سقوط المعبد على من فيه.
حانت لحظة مغادرة المقبرة ، و بمجرد خروجه إستوقفته سيدة عجوز و لم تفسح له الطريق.
- لن أسامحك يا رجل أنت سبب فقداني زوجي و تشرد أولادي.
وجد نفسه مضطرا لمحاولة تفاديها....
- أي موضوع تتكلمين سيدتي ؟ انا متقاعد منذ سنوات و لا أعرفك و لست معني بما حدث لزوجك.

إقتربت منه العجوز أكثر و بكل غضب صرخت في وجهه

- انت سبب كل المصائب التي حدثت بالبلاد ، هل نسيت أنك اتخذت قرارات كبيرة ؟.. قد تكون تقاعدت و لكنك
قتلت و هجرت و شردت و نكبت عائلات ، انت من صنعت الكثير من البؤساء في هذا الوطن.
وجد نفسه في موقف لا يحسد عليه ، كان متيقن بأنه لن يخضع للمحاسبة مهما طالت الأيام و لكن هذه العجوز المثقفة كما يبدو تريد ان تعرف الكثير بل و تريد إحراجه امام الجميع و عليه تصور انه في مناظرة تلفزيونية و قرر مناقشتها في أفكارها.
- سيدتي مع إحترامي و تقديري لك و تأثري بما حدث لزوجك و لأسرتك ، يجب ان تعرفي ان اللحظات التاريخية الفارقة تتطلب قرارات حاسمة ، و بالنسبة لي مصلحة الوطن فوق كل إعتبار.

إقتربت منه العجوز أكثر و بدت أقل توتر و خاصة ان رجل الدولة يبادلها الحديث بكل أريحية....

- و لكن هل مصلحة الوطن تقتضي إتخاذ إجراءات خاطئة ؟ تعتبرون الشعب مجرد قطيع ، وحدكم تفكرون و تقررون و البؤساء يتحملون النتائج الكارثية.

- و لكن سيدتي نحن نعيش في هذه البلاد و نحس بمعاناة المواطنين و نتسوق معهم و نشاركهم يومياتهم ، و أنا شخصيا كنت دوما حريص على هذا الوطن الغالي.
بعض دقائق إقترب بعض الفضوليين لمتابعة الحوار التاريخي و النادر و في هذه اللحظة إستغلت السيدة الموقف و زادت في حدة هجوماتها.
- يا رجل نحن في زمن العولمة و الأنترنيت و الفضائيات الكل يعرف عقاراتكم و أرصدتكم المالية في الخارج و أبناءكم يدرسون في دول أجنبية .. الوطن بالنسبة لكم مجرد مصدر للثراء و فرصة دائمة لصفقات جديدة.

في هذه اللحظة إقترب الحارس الشخصي لرجل الدولة المتقاعد و حدثه خلسة ، و هكذا غادر الرجل المكان مسرعا هاربا من السيدة التي أرادت محاسبته ، و لكن قال لها جملته الأخيرة :
- سأكتب مذكراتي قريبا و يمكنك الإطلاع على كل الظروف و الأسباب التي ميزت فترة وجودي في الحكم.

غادرت السيدة المنكوبة المكان بكل حزن و هي تتساءل عن مشروعية الأنظمة التي تبيح لبعض رجالاتها تجاوزات كبيرة في حق مواطنيها ، و هل يقرأ الضحايا مذكرات القتلة ؟

شوهد المقال 1236 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ تبون.. 100 يوم في قصر المرادية

د. رضوان بوجمعة   الجزائر الجديدة 172  مرت مائة يوم على تنصيب عبد المجيد تبون في قصر المرادية بعدما فرضه العسكر في اقتراع 12 ديسمبر 2019، الذي
image

محيي الدين قشاشة ـ في حب إيران زمن الوباء

د. محيي الدين قشاشة  في أعماقي شعور دفين، سأحاول الإعراب عنه، وهو ما أكنّه من محبّة للإيرانيين كشعب، واحترام لإيران كدولة، وإعجاب بالفرس كحضارة. فعندي انطباع
image

وليد عبد الحي ـ العولمة بين الكورونا والواقع الدولي

 أ.د. وليد عبد الحي  يميل قدر غير يسير من الكتاب والباحثين الى الاعتقاد بأن الكورونا قصم ظهر العولمة، وان الانكفاء مرة أخرى نحو
image

عادل اورابح ـ السكتمبري يمكن أن يكون فرانكوفونيًا أيضًا ! حكيم لعلام نموذج

 عادل اورابح المنشور الذي كتبه حكيم لعلام(كاتب عمود في جريدة Le Soir d’Algerie) اليوم حول موقفه من سجن كريم طابو هو باختصار ذروة اللاشرف. أولاً: التضامن الإنتقائي
image

وليد عبد الحي ـ هوس التنبؤات بالكورونا

 أ.د. وليد عبد الحي  منذ الفترة القصيرة على بدء " حرب الكورنا" ، توالت الكتابة عن تنبؤات قديمة نبهت لهذا الفيروس، وبدأت الكتابات المتعجلة والمتبنية
image

حميد بوحبيب ـ الشعب الزوالي رآه تلف له الحساب ، وما جبر راس الخيط

 د. حميد بوحبيب  صح يبان مستهتر شوية بالوباء هذا ديال الكورونا، وفي الحق رآه خايف ...خايف ، رآه يحس باللي رآه يتيم...تخلات عليه آلهة السماء ...وآلهة
image

العربي فرحاتي ـ الشعب الجزائري ..يستحق التكريم لا القزول ..

 د. العربي فرحاتي  هذا الشعب الذي أعطى مثالا لشعوب العالم في التضحية من أجل الحرية ..هذا الشعب الذي أعطى أروع الأمثلة في الصبر على أخطاء أبنائه
image

عبد الجليل بن سليم ـ العلاج له علاقة مع ثقافة الشعوب

 د. عبد الجليل بن سليم  أعود إلى أهم كتاب كان لازم بل هو مفروض على الطلبة المختصين في الطب و الإحصاء البيولوجي و علم النفس
image

أحمد سعداوي ـ [سجن نيسان 2003] العراقي

 أحمد سعداوي  في الأشهر الأولى ما بعد الاحتلال وسقوط نظام صدام في نيسان 2003 كنت مثل غيري شاهداً على اختفاء الدولة، فلا شرطة ولا جيش
image

سعيد لوصيف ـ تسيير الآني مؤشر على الفشل المستدام..

د. سعيد لوصيف   من المخاطر المحدقة بدول الازمات المستدامة ( واقصد هنا الجزائر على وجه الخصوص ) في الاشهر المقبلة في التعامل مع الاشياء

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats