الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | حيدر سالم - فاقد الذاكرة

حيدر سالم - فاقد الذاكرة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 
 حيدر سالم 

 

جلس شاكر ، هيكل زمني متخم باللاجدوى ، تشع عيناه بالقلق ، كل هذه السنوات تنسلخ من جلده ، تاركه خلفها جفاف مهول ، البرد يجرجر ذاكرته المهترئه لبياض لانهائي ، فقدان الذاكره بياض قاتم لا اتجاهات فيه الا نحو اللانتماء ، لاقيود تشده للماضي الا الفضول ، عكس اللامبالاه التي تطرز نظرته للغد ، لا يحمل له في جيبه الا ترقب فاتر ، تحته عشب الحديقه الندي يصيبه بقشعريرة تهز بدنه كراقصه شرقيه ، يكاد معها ان يهرب ضلع من صدره لشدة نحوله .
اسماله الرثه مبلله ، تظهر تقاسيم ظهره المحدودب بسبب ماخلفه المطر ،حذاءه فم نهم لايشبع من التسكع ، لم يبقى رصيف الا وسجل مراسيم التيه الضبابيه الخاصه به عليه ، تتردد بتشويش غامض بعض الصور الخاطفه من شبابه ، يتذكر اغنية لمحمد عبد الوهاب ، ومنذ سنتين لايردد الا ( انا من ضيع في الاوهام عمره ) بصوت احرقه النيكوتين ، نبرة تكاد تتحول الى عصارة تبغ .
لم يأكل منذ الظهيرة ، لانفايات يبحث بها ، لافتات تعوي بسبب الريح القويه ، امامه لافتة تلطم اخرى كانها تنافسها بتعصب ، نظر الى السماء واستراح لان نجمة تطل من خلف غيمة لاحت كانها نافذة تحجب صبية يافعة ، اخرج الولاعه من جيبهه لكنه تذكر بان لا سجائر في جيبه ، لانقود ، لاشيء يملئ جيبه الا البرد القارص ، والمطر كنس كل الشوارع من القذاره وحتى اعقاب السجائر مبلله ، لم يترك له المطر حتى المطاعم التي كان ينسل الى مخلفاتها الفائضة ، لم يترك المطر شيء الا كيانه يتلاطم بين هذه الدروب ، هذا الفضاء الرحب بدأ بالتقلص ، هذا الكون الفسيح جدران متلاحمة ، قبضات لاتهمل رقبته ، هذه الرياح حبال وسلاسل ناريه لاتنفك من استيطانه الازلي ، ينساب صوت خافت نائي من بعيد الى اذنه ويختفي ، يترك الضوء الشحيح من مصباح كهربائي خيوط رفيعه تتوسد وجهه ، يكاد لايلامس جلده لكثافة الشعر الذي احتل تجاعيده ، شعره الفضي يرفرف تحت الهواء كشراع ناعس ، وحده لاشيء ينقذه من وجوده ، لاشيء يعيده ليهمس باذن العدم ( لاتنسجني بخيوط هذا الوجود العفن ) ، سنظر الى الشوارع المدلهمه الغاصه بالمياه كاناء ممتلئ بدموع سوداء لكائن اسطوري ، لم يعد شيء يجذبه لهذا العالم ، انه يعيش في ذاته التي لايعرفها ولايتذكرها ، تلز به موجة بكائية يوميه كانها نقشت على عظامه كدلاله لاداء واجب يومي ، يبكي كذره ضاعه في هذا الامتداد اللامحدود .
كان عبد الوهاب في خياله يغني ، كانه يبعث له صوته من الازمان الغابره ، تنبثق من رئته رغبه عارمه للتدخين ، اخترق صمت المكان صوت سيارة ، انارت ما امامه وظهرت الجهة المقابله باشياء كانها خلقت للتو ، ثم عادت بعد قليل لتختفي في جوف الليل المعتم ، بقي عالق في نظره صورة اعلان السجائر الذي علق فوق محل ، اشعل ولاعته وسار بخطى تكاد اقدامه تنسى وظيفتها من شدة الاجهاد والبرد ، وصل المكان الذي غمره الامل ، صعد على برميل باعجوبه ، بدى كانه اخترق حاجز كهولته ، يفيض دمه بالشوق لسجارة من الاعلان ، ضغط على الولاعه فنظر ، تلمس الاعلان ، انقلبت تقاسيم وجهه المشدود الى داخل الى جمجمة لايكسوها لا خيبة و ذعر ، اعتلته ابتسامة لا تفشي لمعنى واضح ، ساخرة و مشفقة ، نظر الى النجمة التي راها تراقبه ، صرخ بصوت مبحوح

ــ الرياح ستاكلني !
اشتد البرد عليه ، غنى لينسى ( انا من ضيع في الاوهام عمره ) ، لكن البرد كان يداهمه من كل مسامه فيه ، نظر الى طرف قميصه ، حالما خطرت فكرة حرق نفسه ليدفئ ، نزلت دمعة صامته بدون نشيج على خده ، كانها هو في هذا الشارع الذي لايفضي لسكون ، اشعل طرف قميصه ، احتضنته النار ، سقط من البرميل محدثا دويا عاليا .
فتح عينيه في المستشفى تحيطه وجوه غريبه ، راى جسمه ملفوف بضمادات ، و وجزء آخر متقرح يعتليه مزيج دهني ، لاح لنفسه كمومياء .، سأل بنبرة تكاد لاتخرج الى ابعد من شفتيه

ــ اين انا
اجاب احدهم
ــ في المستنشفى ، بالامس سمعنا صراخا قويا ووجدناك تحترق
سأل آخر بصوت مستفز
ــ لماذا حرقت نفسك الا تخاف من الله
اجابه شاكر ببداهة
ــ لا املك لحاف !

شوهد المقال 1588 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديب يصدر ديوانه الثامن عشر { المرأة الحلم } في بغداد

المرأة الحلم ..قريبا في بغدادديوان جديد للشاعر العراقي المغترب علاء الأديبفي موعد قريب ومن بغداد سيصدر الشاعر العراقي علاء الأديب المقيم في تونس ديوانه الثامن
image

وليد بوعديلة ـ ذاكرة "قالمة " وهويتها في رواية سنوات المحبة للأزهر عطية

د.وليد بوعديلة  رواية " سنوات المحبة" للكاتب الجزائري الأزهر عطية:تحولات وطن،وهج فني وهوية مدينة بعد أن أبدع الكثير من النصوص التي عانقت التاريخ الجزائري، يختار الكاتب
image

محمد محمد علي جنيدي ـ هاجروني وعلى الجرحِ مشيتُ

 محمد محمد علي جنيدي- مصر           هاجروني وعلى الجرحِ مشيتُ يا فؤادي لا تسلْ كيف ارتضيتُ هذه الدنيا قلاعٌ من عذابٍ وسيولٌ من دموعي فاكتفيتُ كانت الأيامُ
image

معتقلي الرأي في الحراك الشعبي الجزائري

ابراهيم دواجي  اخوتي: محمد دعدي، توفيق حلاتي، محمد سمالح، نبيل بوالقمح، رضا عمرود، رابح بلكور، الشيخ ڨاريدي، رشيد، رضا بوعريسة، بوعلام الغاز، الصادق، بشير،
image

زوايمية العربي ـ محمد شرفي وتاريخه الأسود ضد الجزائريين

 زوايمية العربي  محمد شرفي الاسم الذي لم انساه منذ 33 سنة . افلاني ريعي من ولاية قالمة كان صديق
image

البروفيسور الجزائري عبد العزيز برغــوث يحرز على جائزة التميز الدولية لهذا العام "جائزة جواهر العالم الإسلامي" بمساهماته في وضع خطة ماليزيا للتنيمة 2050 منذ سنوات

محمد مصطفى حابس : جنيف /  سويسرا The JEWELS OF MUSLIM WORLDLes joyaux du prix du monde musulman هجرة العقول أو الكفاءات ظاهرة تاريخيّة لم ترتبط بمكان
image

حمزة حداد ـ المختفون قسرا في الجزائر حراك مستمر

حمزة حداد  منذ أسبوع تدخل الأستاذ مصطفى بوشاشي بمقر حزب الافافاس، حول قضية المساجين السياسيين والمفقودين بدزاير في فترة التسعينات، وتحدث عن حجم المعاناة
image

نوري دريس ـ فرصة تاريخية للجزائر يجب أن لا تضيع...

د.نوري دريس   منذ بداية الحراك، وكلما دخلت في نقاش مع الناس العاديين، إلا و قالوا لي: سوف تقوم السلطة باعتقال طابو( بسبب غباء السلطة
image

جباب محمد نورالدين ـ شاهد على إعدام سيد قطب : من عمق القرية في الأوراس الجزائرية

د. جباب محمد نورالدين    كان ذلك في الستينيات و في العطلة الصيفية التي أقضيها في القرية مثل معظم الجزائريين في تلك الفترة كانت والدتي أطال
image

عماد البليك ـ فصول من كتاب جديد: الفكر المطارد في السودان عبر القرون 3

عماد البليك البدايات.. ثورة أركاماني:  بالعودة إلى جذور التاريخ السوداني وإلى أول الممالك القديمة في السودان الشمالي، قبل الميلاد، سوف نجد أن الكهنة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats