الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | حيدر سالم - المسرحي و الاخشاب

حيدر سالم - المسرحي و الاخشاب

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

حيدر سالم 

 

 

 

تهشم صفاء ذهن ( فياض ) كالزجاجه ، حينما اعطى ثمن الاستنساخ لصاحب المحل ، رأى اول ورقه من مسرحيته وهي تحمل اسمها فقط ( الاقنعه ) ، لاح له الاسم موشح بضبابيه تلوح خلف سور الغلاف الشفاف ، اخذ المسرحيه وخرج يتأبط تحت افكاره و بيته الذي تركه متصدع من كثرة انين اطفاله بسبب الجوع ، لقد تردت احواله بعد ان خسر كل امواله في البورصه  ، تمارس النقود الدعاره بين جيوب الناس . مشى ( فياض ) في الشارع قاصدا المسرح وهو يلملم حسراته ، ثم يقذفها في المدى المزدحم باصوات الماره و السيارات ، حث خطاه بسرعه ، مما اجهده ، واضعا المسرحيه ملئ يده  كانه يخاف ان يهربوا ابطالها من السطور نحو الشارع . لم يمنع عيناه وهي تجتاح مايمتلكه المتسول من نقود جمّه ، تمكنه من اعانة عائلته التي ثقبت بخرم يطل منه التلاشي

حالما وصل الى المسرح ، وجد الجميع ينتظره وقد اصابهم ملل شديد ، نزل ( رائد ) من الخشبه متوجها الى النص الذي رآه متوهجا بلونه الاصفر ، اخذه من يد فياض دون ان يحفل بقدوم الكاتب ، وصعد بملامح ساطعه تنضح فرحا ، بعد ان تبادل مع الاخرين المجاملات الرتيبه ، المنافقه ، سال فياض صديقه ( عادل ) عن استاذه ( عطيه ) الذي لم يأت منذ اسبوع للمسرح بسبب انتكاسه مرضيه ، ورد نافذه كلاماته من نبره حزينه متصدعه ، مخبره ان مرضه لايحول  شيء عن توسد بدنه بالكامل .

بينما كان يفترش افكاره المزدحمه بعائلته الجائعه ، واستاذه المريض ، اخترق شروده صوت احدهم مطالبه بحضور البروفه في اليوم التالي كي يعطي اقتراحاته بالاخراج الذي يجهله ، توجه فياض نحو صديقه الحميم عادل تسحب اللامبالاة خطواته حيث همس له 

- الديك ويسكي اليوم ؟ 

- نعم ، وهل عدنا يوما للبيت دون ان يجففنا من الالم 

رد فياض مقهقها 

- الويسكي اوكسجين الهروب 

- لكن لماذا مالزت مُصِرّ على عدم الاخراج ؟

- لوكانت لدي رؤيه اخراجيه ، لاخرجت نفسي مني    

 

بعد ان غادر الجميع ، جلسوا كالعاده ، يهللون ويبجلون الويسكي ويطلقون نحو القنينه كلمات المدح والشتائم ، الى ان غفت على فياض غمامه الثماله ، صرح بالذهاب بكلمات تترنح كادت لاتخرج منه .

سار فياض في الشارع لايرفع بصره عن الرصيف ، يميل بجسده بحركة لااراديه ، حاثا خطاه على الاتزان ، يود لو تخرج روحه المعطوبه من جسده الهزلي ، البليد ، الى اللامكان ، كان يحلم ان يصبح مثل ( بيكيت ) ، لكنه ردد دائما بانه لن يصبح كذلك ، لان بلده تتقيئه ، تنفيه بداخلها ، يغترب في ساحاتها المختنقه من وجع الماره ، بدت له المدينه مصابه بالسل ، لاطاقه لها على التنفس ، لابهجه في عيون الناس ، ولاحتى ضحكه مصطنعه ، ورغم كل المصابيح من السيارات والمحلات واعمدة الاناره ، بدت كل الوجوه معتمه ، واخذ البرد يمر بجسده واسماله الباهته كانه سكاكين طائشه .

دخل فياض الى بيته يرن باذنه صوت نحيب اطفاله ، رمى هيكله على الفراش ، سمع صوت زوجته تنبأه بان الحطب اوشك على النفاذ ، نام ولم يسمع ما اكملته زوجته من الخبر

جلس في الصباح متاخرا ، شارفت الساعه على ان تدق معلنتا عن منتصف النهار ، اخذ يغسل وجهه متأملا ان تسيل ملامحه مع الماء المندلق منه . اكل الفول الذي حضرته زوجته مكملتا عليه خبر الامس دون ان يتبادلى تحية الصباح او اي كلمه اخرى .

 

خرج فياض هاربا من البيت دون ان يغسل يديه ، مفكرا بالحطب والمسرحيه و الاستاذ المريض ، لم يذهب لاستاذه لانه لايمتلك النقود لياخذ له شيء ، استاذه الذي سد فراغ ابيه المتوفي منذ السابعه من عمره . حينما وصل الى المسرح وجد الجميع يتدربون ، شعر بان جميع الصاعدين على الخشبه هم دمى خرجت من احشائه ، تتحرك بخيوط مربوطه بذاته . سرعان ماشد انتباهه خشبة المسرح ولم يرفع بصره عنها  ، تتخاطف الاشخاص امامه كالاشباح ، لكنهم كانوا لايمنعون ناظره من التسمر على الخشبه ،

كانهم كائنات زجاجيه ، ينفذ بصره من خلالهم الى الخشبه التي تحولت الى هوس يمنعه من كل الاشياء حوله ، كانه اسير لها ، سامعا صوت اطفاله في خياله يبكون ، يرتعدون من شدة البرد ، ولم يرفع عينه عنها الا وهو يصغي الى عادل مخبره بذهاب الجميع ، معلنا عن بدء السهره ، بصوت يضفي بهجه على الروح مثل صوت طفل يعلن عن قدوم العيد 

-هيا يافياض الى الاوكسجين  !

 

بعد ان ثملوا ، خرجوا من المسرح ، معلنان بمرح عن ولائهم السرمدي للويسكي ، اختبئ فياض خلف سياره منتظرا عادل ان يختفي ، وبعد ان تبخر داخل شارع معتم ، عاد فياض مادحا اصحاب المسرح الذين اعطوه نسخه من المفتاح ، وهو يردد الان عرفت فائدة المفاتيح و الاغبياء الذين يعتنون بالثقافه ويبنون المسارح ، دخل الى المسرح يختلط خوفه بثمالته ، ويرتفع الغثيان مع صوت لهاثه ودقات قلبه المتسارعه .

اخذ يبحث عن المطرقه في المخزن ، وهرول معتليا خشبة المسرح ، يكسرها مرددا 

- دفئتك باقدام شخوص كثيره ، والان عليك تدفئة اطفالي 

اغلق الباب خارجا الى الشارع  و الخوف والثماله تضرب ركبتاه ببعض ، تاركا فجوه عميقه في صدر المسرح شاهدها  وهو يخرج فخ عميق يطل الى اللانهايه ،  بينما الخشب اخذ ينفذ الى جسده مخربشا يده و وجنتيه ، وقد اخذ الناس ينظرون اليه بريبه لانه بدى لهم بشعره و ثيابه المتسخه كرجل منتفض من قبره .

وصل الى البيت ، قاذفا كل الخشب الى الموقد كانه يريد ان يعوضهم عن كل البرد الذي قضم جلدهم كالتفاح ، نام مثل كل مره دون ان يشعر بجسده .

في الصباح انتفض هلعا من الفراش على صوت الباب كان من خلفه يريد خلعه ، وقد ارتعب من فكرة الشرطه التي طاردته في حلمه بسبب فعلته ، فتح الباب ورأى عادل بسحنته الضئيله ، شاحب اللون ، وقد رسمت على خديه الدموع الجافه خطين ممتزجين بالوسخ الذي يعتلي وجهه ، معلنا له بصوت مبحوح ان استاذ عطيه قد مات ،  انكسر شيء ما خفي في ذات فياض ، لكنه فرح لانه لم ياتي احد لحبسه ، سالت دموعه دون ان يكون له يد في ذلك ، كأن عينه ليست جزء منه ، خاطبه عادل  بطريقه مترهله بالبؤس ، مقترحا عليه الذهاب للمشاركه في تشييع الاستاذ ، هنا في هذه اللحظه الغريبه انتفض شخص آخر من قعر فياض ، كان ذاته بدلته بآخر ، كانها اقالته من منصبه ، مفكرا في التابوت الذي سينقلون به الاستاذ ، حالماً بأن يكون من الخشب الفاخر ، اغلق الباب مندفعا نحو الشارع ، والرياح تقرصه بيد من برد ، وهو يتوعدها بالانتقام من لسعتها بترياق اخشاب التابوت  . 

 

شوهد المقال 2262 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

بسباس عبدالرزاق في 02:55 18.09.2015
avatar
هكذا يكون القص
قصة لها فلسفة خاصة و نبرة حزينة استطاع الكاتب تمريرها للقارئ على القل بالنسبة لي، ما أعجبني هنا هو ابتكار الحل و طريقة تأزيم العقدة لتصل لمنتهاها و ذلك بحبك الأحداث انطلاقا من استخراج نسخة المسرحية إلى اقتلاع خشبة المسرح، و هناك كان يجب أن تتوقف لأن الفكرة وصلت و ما كان بعد ذلك هو زيادة و ترهل و لا يعني القارئ في شئ..


أتمنى منك مراجعة النص نحويا فبه أخطاء كثيرة، و اللغة كائن عضوي في النصوص القصصية فهي من تتفاعل مع المتلقي فإن شوهت شوهت العلاقة بين النص و المتلقي

بقي شئ
لك مستقبل زاهر جدا بالقصة فلا تتخلى عما كان هنا من شجن و عمق في التفكير و كذلك لغة جميلة و سلسة و إخراج العميق الضيق نحوم الخارج الفسيح

أسرتني عبارة دعارة النقود فهذه وحدها فكرة جد عميقة


تقديري الكبير أستاذي

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ خلف الستار

خديجة الجمعة  توجد أشياء خلف الستار . وقبل فتح المسرح الكبير ليراه العالم.  أنت ياأنت الذي تتحدث . لاتستعجل لتفتح الستار . الستار الذي أخفيته قبل
image

شكري الهزَّيل ـ كارثة "سلام الشجعان" : من هانت علية القدس وحيفا..هانت علية الاغوار وكامل فلسطين!!

د.شكري الهزَّيل من هانت عليه نفسه فهو على غيره أهوَّن وبائع الزيت لا يقول ان زيته عكر ومن اطاع هوا عدوه هانت علية الاوطان مقابل
image

عبد الباقي صلاي ـ أهمية الأفكار في حياتنا !

 عبد الباقي صلاي  الأمة الفقيرة هي الأمة التي على الرغم من حيازتها للثروات ما ظهر منها وما بطن،إلا أنها لا تملك الفكرة البناءة التي
image

العياشي عنصر ـ نخب السلطة وإدارة الأزمات!

د. العياشي عنصر  تعيش الجزائر منذ عقود ازمات متنوعة ومتتالية تزداد حدة وتعقيدا مع مرور الوقت. لاشك أن هناك عوامل عدة تقف وراء ذلك،
image

اسلام طبوش ـ الحراك الجزائري من التعتيم الإعلامي إلى الاستهداف ... صمود الحراك يغضب فرنسا و اولادها

اسلام طبوش    قام الحراك الشعبي علي ما عقده بيان ثورة أول نوفمبر 1954 وفق المبادئ الاسلامية عقدته أيضاً ثورة 22 فيفري السلمية...
image

فضيلة معيرش ـ حلم

 فضيلة معيرش ـ مسيلة /الجزائر  يضيق بها صبح الأمل وهي تسمع ما تم إقراره بمستقبلها ،تلقت وابلا من الطعنات المتتالية ودعت زميلاتها وقدمت طلب تنازلها عن
image

عبد الجليل بن سليم ـ لكي لا نقع في الفخ : مؤامرة و خرافة

 د. عبد الجليل بن سليم  في سنة 2004 العمال و الموظفين في شركة Apple تلقوا رسالة الكترونية من صاحب الشركة steve jobs يعلمهم فاها بانه
image

عبد الجليل بن سليم ـ تغيير، صراع ، احزاب السلطة ، Starsky & Hutch

 د. عبد الجليل بن سليم  منذ بداية حراك الشعب، و شي ناس كل يوم مباشر على الفسبوك و ينظروا علينا و راهم يقولو بان الصراع
image

وليد عبد الحي ـ توجسات الحرب الاهلية في الولايات المتحدة:

 أ.د. وليد عبد الحي  ما الذي يقف وراء تزايد المقالات والاستطلاعات والخطابات بل والدراسات العلمية التي تتحدث عن " سيناريو الحرب الاهلية في الولايات المتحدة"؟نزعم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats