الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | جعفر يعقوب - حمار مقداد

جعفر يعقوب - حمار مقداد

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

جعفر يعقوب 

 

 

 

يعتقد بعض الناس ممن يعرفون فن الحمير ولديهم خبرة بعاداتها وطبائعها حق المعرفة أنّ حمار جارنا مقداد حمار ممسوخ، أو متطوّر وفقا لنظرية داروين في النشوء والارتقاء. 
فحمار جارنا مغرّد موهوب في تقليد الأصوات، وموسيقي بارع، وقادر على الغناء بأنواعه الشعبي والفني، ويجيد التمثيل، وليس هذا فحسب بل له من العجب العجاب ما لا يحويه كتاب، ولا ينكره إلاّ مفترٍ كذّاب. هكذا روى عنه الأعداء والأصحاب.
حتى نهيقه لم يكن طبيعيا، فهو يلحنه بمقامات نهيقية مبدعة من أروع ما وصلت إليه السيمفونيات الحميرية، فمتى ينهق تجدنا صبية تسمّروا حول زريبته، وكلما شاهدنا جمهورا على مسرح غنائه أطال وشكّل في مدوده في صوته. 
يعتقد جدي هارون أن بعض الأشياء تحدث بعد نهيق حمار مقداد مباشرة، وكأنه يريد تنبيهنا لشيئ يحدث، ولا يشك أن الحمير ترى ما لا نراه، وخاصة في الليل. ويتذكر أن ذلك الحمار العبقري ظلّ ينهق طوال اليوم، فاعتقدنا بأنه جائع فأحضر له الزاد والماء، فلم يأكل أو يشرب منه شيئا، وجييئ بالطبيب الشعبي الحاذق في علاج الحمير، فلم يفطن لسبب نهيقه الذي أثار الجميع، وفي ذات الليلة شبّ حريق في بيت جارنا سالم، وبعد الحريق هدأ الحمار عن النهيق، والحق أنه كان يرى أشباحا أو أرواحا تعبث في بيت الجار، وهي التي أشعلت النار.
والشواهد على ذلك عندي جدي كثيرة، مما يظهر فراسة حمار مقداد.
لذا لا عجب أن يتم اختياره من بين الحمير ليكون ممثلا عنهم في الفعاليات الرسمية المختلفة، وخاصة التي تتطلب احتفاء بالمواهب، أو تصدّر المشاهد والمجالس ونشرات الأنباء. فهو ببردعته وبراعته خير ضمين لإنجاح الأدوار المطلوبة منه، وإبهار الناس بشخصيته الفذّة، وربّما أحضر للتشريف فقط؛ ليكون حضوره بركة ، فله مقاماته الحميرية العالية التي لا يعرفها إلا أمثاله.
ويقال أن أمه من قبيلة حميرية شريفة ومن سلالة الأعيان، وفدت من زنجبار هروبا من الجفاف في السنين السوداء. 
يقول جدي -والعهدة على الراوي- أن حمار مقداد له شعبية حاشدة، ومطاع بين قومه، ومتى حدث شجار بينهم أو نزاع أو نشوز، أدلى بدلوه فيه، وأصلح بينهم، حتى يطأطئ الجميع رؤوسهم ذاعنين، فتنكشف الغمة المدلهمة.
فيا للعجب من هذا الحمار النبيه، ويا للأسف أنه لم يستنسخ، ولم يستفد منه في رحلات الفضاء! هكذا تضخّم حمار مقدار، وعلت هيبته، فالاستحمار يولّد الاستحمار.

 

 

شوهد المقال 18801 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

علاء الأديب ـ خطيئتي

علاء الأديب           ماكان لي يوما سواك خطيئة يامن عصيت الله فيك لأقنعك. لو كنت أعلم أن حبك كذبة ماسرت في درب الظلال لأتبعك  سر التقى
image

خالد الهواري ـ سر الرقم 20

خالد الهواري  ـ  السويد  ليس بجديد القول الان ، ان السياسة الأمريكية في ظل حكم ترامب أصبحت غير مفهومة، ولايستطيع احد ان يتنبأ باي قرار سوف
image

يسرا محمد سلامة ـ ما ابتلاكَ إلا لـيُهذبك

د. يسرا محمد سلامة   يعيش عالمنا هذه الأيام مع أزمة صعبة جدًا تتعلق بوجوده في هذه الحياة من عدمها، وهو أمرٌ لم يكن يتوقعه أحد؛ خاصةً
image

مراسلون بلا حدود: النظام الجزائري “استغل كورونا لاستهداف صحافي حر”

الجزائر: أعلنت منظمة “مراسلون بلا حدود” توقيف الصحافي الجزائري المستقل خالد درارني مساء الجمعة في الجزائر، والذي كان احتجز قيد التحقيق منذ الأربعاء. وهي المرة
image

عثمان لحياني ـ الجزائر ما بعد كورونا

عثمان لحياني  كيفما كانت النتائج والنهايات، أنجز الجزائريون حراكهم بأقل كلفة ممكنة وتحت عنوان أنّ هذا النظام فاسد ومفسد للمقدرات العامة وزارع للمظالم ويحتاج
image

وليد عبد الحي ـ العولمة بين الكورونا والواقع الدولي

 أ.د. وليد عبد الحي  يميل قدر غير يسير من الكتاب والباحثين الى الاعتقاد بأن الكورونا قصم ظهر العولمة، وان الانكفاء مرة أخرى نحو
image

وليد عبد الحي ـ دلالات كورونا " عربيا"

 أ.د. وليد عبد الحي   طبقا لأرقام منظمة الصحة العالمية – إذا كانت الارقام صحيحة- فان عدد الاصابات في دول الجامعة العربية هو حتى
image

نجيب بلحيمر ـ لخالد الحرية والمستقبل

نجيب بلحيمر   قبل ثلاث سنوات من الآن تحول مشروع تركيب السيارات في الجزائر إلى نكتة بعد ان أظهرت صور نشرت على فيسبوك سيارات منزوعة
image

مرتضىى كزاز ـ محنة العقل المستقطب في زمن الكورونا ..ايطاليا والصين نموذج

مرتضى كزاز   أكثر العقول نشاطاً هذه الأيام هو العقل المستقطب، المتحزب والموتور دينياً أو سياسياً، منذ بداية انتشار الفايروس وأنا أتسقط الأخبار متابعاً ما
image

العربي فرحاتي ـ حكايات " الشعب الملهوف" خرافة

 د. العربي فرحاتي  مشاهد التزاحم والتدافع القوي بين السكان في الأحياء والقرى لاقتناء كيس من الدقيق (السميد) كما تلتقطه وتنشره وسائل التواصل الاجتماعي..مشهد حزين

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats