الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | حيدر سالم - الأسمال و المستنصرية

حيدر سالم - الأسمال و المستنصرية

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

حيدر سالم 

 

 

   انتهى للتو من اعادة كتاب حول ( سارتر ) ، رتب مكتبته بعنايه ، ارتدى ( ح ) اسماله كيفما شاء ، انحنى ليلبس حذاءه القديم ، الذي فقد لونه الاسود ، اضطر الى لملمة اصابعه لصغره ، مضى لياخذ 2500 دينار دون ان يمسحه من الغبار ، وهو يتذكر صديقه الذي سلفه المبلغ بالامس ليلا .

 

تمنى ( ح ) لو يبدء في الدراسه اليوم وان لايعود مثل الامس دون شيء ، لكن ماخفف من وطأة الخيبه تعرفه على صديقه ( محمد باقر ) ، كان ( ح )  يغص باللهفه لمعرفة ماذا سيدرس ، لطالما حلم ان يصبح مثل  كامو ، سارتر ، بودلير ، وهاهو دخل اداب لغه فرنسيه الجامعه المستنصرية .

 

ذهب مع جاره الذي يسبقه بمرحلتين ، دفع ثمن اجرة الباص ، لم يبق معه مايفطر به ، سيكتفي بالسجائر تفتت رئتيه . عندما نزل من الباص ، لمح العجوز المتسوله التي تعرف عليها في يومه الاول ، كانت تطلق من فمها الادعيه على الماره كانها تغسلهم بها بغية المال ، كان ينفذ من عينيها حزن كالشعاع يخترق اعين الطلاب ، تذكر ( ح ) حديثه معها ، فهو سرعان ما يكون علاقات مع المتشردين والمتسولين ، كان دائما ينادي باللامتنمي ، لكنه يضعف دائما ازاء انتمائه للرصيف والضياع . سار اليها تاركا صديقه يحث خطاه خلفه ، لم ينتبه لتهامس الناس حول ثيابه الرثة ، ووجهه الذي مازال يتوسده النعاس ، كانت لعنة الوجوديه تطارده مشكك في نفسه والعالم ، كان لايرى سوى العجوز ، وصل اليها وبادرها التحيه 

 

ـــ صباح الخير ام عمار 

ردت عليه وكانها تلتقي بصديق طفولتها رغم انه بعمر احفادها 

_ هلا يمّه هلا بالطيب ، اكعد

 

جلس فورا الى جانبها على الرصيف ، وهم يتبادلان المجاملات ، وسط تعجب الطلاب ،  اخذت يد جاره ترفعه بقوة  وهو يفتح عيناه  موجهها الى ( ح ) حتى كادت تسقط على كتفه من غيضه وغضبه ، استاذن ( ح ) منها واضعا 500

دينار في يدها ومضى يزحف خلفه وابل طويل من الادعيه تزفه العجوز له .

 

قال جاره بانه اتفق مع احد عناصر الامن كي يفرغ له مكان ليقبل صديقته ، اختفى بين الحضور واخذ (ح ) ينتظر دوره للتفتيش ، وسط صياح احدهم بان ياخذوا ( مراد ) من راية احد الائمه التي وصلتهم للتبرك بها ، رأى (ح ) الشباب يمسحون  نسفهم بها ، وفاجئه امتعاض الحراس وتكلمهم بنبره مستفزه مع الكل الا الاساتذه ؛ لاستخراج الهويه  لكنه تفاجئ اكثر حين ادار وجهه ووجد جاره يتفق على المكان مع نفس الشخص الذي يصرخ حاثا الناس على التبرك .

 

دخل وهو ينظر الى يمينه حديقه كبيره مكتضه بالناس ، بعضهم اعتاد ان لا يدخل المحاضره الاولى ليبقون وقت اطول مع صديقاتهم ، مشى وهو يتخبط بالطلاب لشدة اسراعهم ، بعضهم يتصل والاخر ممتعض واخرون تعلو وجوههم ابتسامه بلهاء ، رفع بصره الى ساعة المستنصريه المعطله متعجبا لطولها ، ولعدم فائدتها ، بينما حث خطاه راى عجوز تلملم ماقد رموه  الطلاب ، محنية الظهر ، تتلقف عقب سجائر رماه للتو رجل غزاه الشيب ، كان يتصل بصوت واضح ويقول انا ( استاذ حقوق الانسان ستار ) ، جرجت العجوز كيس النفايات خلفها ، وعمرها يسيل مع العرق المتصبب من جبهتها ، فكر (ح ) بالشبه بين الساعه  المعطله و العجوز ، كلاهما وقت مشلول ، زمن منفي الى اللا زمان ,

 

يهتز امام (ح ) افخاذ ونهود كبيره وصغيره ، وهو يرى حلمات متصلبه وملابس داخليه واضحه خلف القمصان الخفيفه ، نظر (ح ) الى نهد وفير ، حلماته بارزه ، يخترقن حمالة الصدر الورديه والقميص الفضفاض ، كان يطلب الحريه لأن يغسله شعاع الشمس ، شعر بان لسانه قد خرج وامتد كالافعى رغما عنه ليمرر بعض من رمقه على الحلمات ، ممزقا حمالة الصدر طاغية اللون وياخذ النهد الابيض ملئ يديه ، استيقظ الكبت ، ركضت رعشه  على طول جسده مثل سجن يفتح للمحكومين بالمؤبد للافراج ، انتصب قضيبه واخذ يبرز ، وسرعان ما خبأه بالدفتر الذي يحمله ، وهو يردد متوسلا بأن يعود الى سباته الازلي

 

وصل الى قسمه وراى من بعيد صديقه ( محمد باقر ) ، استمر بالمشي قاصده لانه الوحيد الذي يعرفه ، وهو بدوره لم يعرف غير (ح ) ، القى عليه التحيه واخذا يتسليان بالحديث الى ان دخل الجميع الى القاعه ، واثتناء المحاضره الاولى والثانيه لم يدرسوا سوى كلمات بسيطه ، خرجوا للاستراحه بينما كانت سيجارة (ح ) تزعج الكل وتطغي على عطورهم الفاخره ، اقترح ( محمد باقر ) ان يرافقهم بعض الاصدقاء الذين عرفوهم اثناء المحاضرتين لتناول الفطور ، وافقوا الجميع الا (ح ) انتابه القلق والخجل لانه يحمل نقود العوده في الباص فقط ، لكنه في النهايه رضخ لهم ، وهو يرى الفتياة ينظرن الى حذاءه المتسخه ، واسماله البليده ، بدى للجميع بهيئة عامل نظافه ، هنا بدات عينه اليمنى ترفرف كانها جناح باستمرار، تعجب لذلك وقال انها رعشة عابره ، لكنها عادت هذه المره بسرعه اكبر ويرافقها صوت الدكتوره وهي تلفظ حرف ( الراء ) بالطريقه الفرنسية ( غين )  .

 

وصلوا الى الكافتيريا وعين (ح ) ترفرف وصوت ( الغين ) خرج هذه المره من فمه تلقائيا ، لم يسمعه غيره ، تحول وجهه الى ليمونه من شدة القلق خوفا من مشاركتهم بالنقود ، اختصر الطريق وقال بانه لايريد شيئا ، تكررت حالة العين والحرف كثيرا ، بدأت عيون الفتياة تنهشهه كأنه فريسه ، ود لو يستبدل ثيابه بما يرتديه صديقه ، والحاله اللعينه تزداد مع كل تلفت فتاة نحوه ، راى سارتر يرتدي بدلته ويمسك غليونه بعيدا في المدى ، يكلمه ويبتعد لكنه لم يسمع مايقول ، حرف الغين يعلو متمردا عليه ، هذه الحاله اللعينه لم تاتي له من قبل ، اخذ سارتر يختفي في الاعلى كالذبابه ، انتبه ( محمد باقر ) لعينه  واستمع مرارا لحرف الغين لكن (ح ) رد عليه مبررا بأن عينه تغمز لفتاة اما الحرف فهو تدريب على الكلمات الفرنسية الجديده عليه ، ود لو يلتهم اكلهم كله ، ويملئ معدته الفارغه الا من صوت الزقزقه

 

عاد الجميع الى القاعه ، اخذت كلمات كثيره تدون على السبوره ، حاول جاهدا اخفاء رعشة عينه اليمنى ، لم يستطع ان يحول دون ارتفاع صوته ، كأن حرف الغين امامه سلم صوتي يصعده دون مانع او حاجز . اخذ الجميع ينظرون اليه لان صوته وعينه بدأن يشكلان لهم فزع كبير ، اضافه الى شعره الاشعث واسماله ورائحة السجائر التي تفوح منه كانه مكب نفايات يجلس بينهم او نياندرتال بعث لعصرهم ، انتهت المحاضرتين ، ركض (ح ) مصرحا لاصدقائه بعدم قدرته على مرافقتهم لانشغاله بشيء ما ، وفي الواقع اراد تفادي الحاله اللعينه ، حالما ادار وجه مبتعدا صادفه ( محمد باقر ) سائلا 

 

ــ وين رايح 

بدات المعضله قريبه من الذروه ورد عليه بصعوبه فائقه ، عينه ترفرف ويخرج من بين كلماته حرف ( الغين ) متطفلا 

ــ اني ( غو ) رايح ( غو ) بشغله اسف  ( غو غو غو ) ما اكدر اروح ( غو ) وياكم ( غو  غو

 

هرب دون ان ينتظر جواب ( محمد باقر ) ، ذهب وهو قريب للهروله منه الى المشي ، وقف امام مرآة المغاسل يتسائل مالذي اصاب عينه ولسانه ود لو يرميهما في سلة المهملات تحت المرآة  ، وانقض على حذاءه يلمعها حتى بدت كانها جديده . خرج وجلس امام القسم على مقعد خشبي تحت ظل شجره واضعا قدم على اخرى فقط ليري الفتياة اللاتي لم يرحمن فقره بالنظرات المستهتره الهازئه ؛ ان لديه مثلهن حذاء يلمع ، شغل اغنية احمد عدويه ( اغراب يادنيا ) واضع السماعات في اذنيه مدخنا سيجارة تلو اخرى ، انقطع عن العالم رافعا مستوى الصوت كي يطغي على حرف الغين ، مغلقا جفنيه متفاديا رعشة عينه اليمنى ، لكنهما كانا يحاولان كسر القيود ، لم يهتم (ح ) محاولا تناسيهما مثل شخص يرى شيء يتحرك من بعيد دون سماع صوته ، هكذا تعامل مع فمه الذي بدء يطلق حرف الغين كانه مدفع رشاش .

 

دخل (ح ) الى المحاضره الاخيره ، لم يقاوم الحاله اللعينه وتركها تنتصر عليه ، قالت الدكتوره انها ستحدثهم عن ( سارتر ) ، اخذت تتكلم باشياء بعيده عنه ،  هي اللحظه ذاتها التي انتفض (ح ) من مقعده وقد وصلت الحاله اللعينه ذروتها العليا ، والجميع ينظر اليه برعب كانه سياكلهم ، وصوته يعلو ( غو غو غو ) ، وفي الحقيقه هو من حاول الفرار ، هو من امتلئ بالرعب ، ركض كانه يريد ان يحمل سارتر تحت ابطه ساحبا اياه من فم الدكتوره التي لوثته ، كان خوفه اكبر من ان تستوعبه المستنصريه ، او اي مكان ، الخوف الذي غرسوه بجسده كالخنجر ، اقتلع قبضة الباب بيده  وقد انبح صوته من الصراخ ( غو غو غو )  .

 

ركض في الساحه ، اخذ الطلاب يتبعونه فضولا ، واخرون يهربون منه ، لم يسمع اصواتهم التي تتعالى بضجه مدويه كانهم اطلقوا عواء موحد من افواههم  ؛ الا صوت الغين ، وصوت ( محمد باقر ) خلفه  يامره بالتوقف والهدوء ، سقط عدة مرات ، لكنه عاود الركض هربا من المستنصرية ، كل لحظه تبقى قدماه فيها ، يشعر بانها تمضغه بهدوء ، ببرود  .

 

خرج منها وافواج خلفه ، اصتدم بالمتسوله ام عمار وهي تقول 

ــ اوكف يمّه شبيك 

ابعد يدها منه ، مستخرجا منديل ، واخذ يمسح مكان كفها ، لقد كره اسماله والفقراء بسبب لعنة المستنصريه ، ونظرة الفتياة ، ركض في وسط الشارع وفي عز صراحه الذي لم يتوقف بنطق ( غو غو غو ) صدمته سيارة رفعته كالخرقه عاليا ورطمته على الارض كالصاروخ ، رسم دمه حوله لوحه حمراء هو شخصيتها الوحيده ، بدء حرف الغين ينطلق متقطعا كانه سقط اثناء الاصتدام من فمه ، وعينه اليمنى تكبلت بالدم الكثيف دون حركه ، من بين كل الوجوه حوله سقطت دمعة ( محمد باقر ) على وجهه مخترقتا الدم المتكدس ، رأى سارتر في الافق وهو يطلق الدخان ، ماسكا غليونه وبات صوته الوحيد المسموع الان 

 

ــــ الاخرون هم الجحيم  

 

شوهد المقال 3033 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

في 08:03 21.02.2016
avatar
جميل جدا وحزينه ومكتوبه بطريقه اكثر من رائعه لعد اذهلتني وهذا يكفي

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عاشور فني ـ التاريخ الثقافي المقلوب ..الجزائر رسمت ابجديتها تاماهق

د. عاشور فني  على حجر عمقه آلاف السنوات أحاول أن أتهجى حروف اسمها. وامام خيمة تضيئها أشعة الشمس الأولى بعد الليلة الأولى بصحراء تادرارت
image

نجيب بلحيمر ـ العلاج بالحرية

نجيب بلحيمر   الأفكار لا تجابه بالسجن، والذين تزدري أفكارهم، أو تحسبهم جهلة، هم في النهاية يعتنقون فكرة مهما كانت مشوشة أو مشوهة. نعيش في مجتمع مغلق، ويحكمنا
image

السعدي ناصر الدين ـ زروال

السعدي ناصر الدين في اليوم الثاني من زيارتي بجاية حيث اقضي كل عام جزء من عطلتي السنوية توجهت مع الاولاد الى تيشي وقضينا يوما رائعا..عدنا
image

عثمان لحياني ـ بكل وضوح : عند رأي خبيه عندك

 عثمان لحياني  "عندك رأي خبيه عندك ، لا تكتبه في الفايسبوك، لا تخرج هن ولي الامر"..لن تستطيع المؤسسة الرسمية أن تكون أوضح من هذا الوضوح
image

رشيد زياني شريف ـ حتى لا يختلط علينا الأمر ونخطئ المعركة

رشيد زياني شريف   ما تطرقت إليه في منشورات سابقة وجديدة بشأن اللغة العربية وما يدور حولها من حديث وحروب، واعتبرتها فخا ومصيدة، لا يعني
image

محمد هناد ـ من وحي الحراك !

 د. محمد هناد  اعتبرني أحد المعلقين وكأنني اقترفت إثما عظيما بمقارنتي الحراك بحرب التحرير. ولعله، مثل الكثيرين، مازال يعتبر هذه الحركة، الضاربة في عمق
image

زهور شنوف ـ #الجمعة66 لا تختبروا صبر "الصبارة" أكثر!

 زهور شنوف    يوم الجمعة 10 جانفي 2020 التقطت هذه الصورة.. كانت تمطر يومها.. تمطر بغزارة، وهذا الشاب يقف تحت شجرة في شارع الشهيدة حسيبة بن
image

عبد الجليل بن سليم ـ نشطاء الحراك تشوه إدراكي إنحياز تأكيدي.. باش نفيقو

عبد الجليل بن سليم  منذ بدأ حراك الشعب و كل ما كتبته أو على الاقل حاولت كتابته كان نقد للنظام و سياساته و منذ عوام
image

وليد عبد الحي ـ عرض كتاب:ابن رشد وبناء النهضة الفكرية العربية(7)

أ.د . وليد عبد الحي يقع متن الكتاب الصادر عام 2017 في 305 صفحات (منها 20 صفحة مقدمة ومدخل) وتم تقسيمه الى 3 ابواب و
image

العياشي عنصر ـ الجيش؛ الجيل، التعليم والسياسة

 د. العياشي عنصر  عندما يطرح موضوع الجيش في الجزائر خلال المناقشات ، ويقع التطرق الى مكانته ودوره في الحياة السياسية عامة، وموقفه من الحراك الشعبي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

5.00
Free counter and web stats