الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | لؤي عجيب - نسيج من حنين

لؤي عجيب - نسيج من حنين

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
لؤي عجيب 


"لم أكن أتخيل يوما... أن الوديان قد تخلو فجأة.. من ضحكات الأطفال و صدى صراخهم العبثي" 
قال عبارته و هو يرفع كأس العرق.. 
"بصحة طفولتنا التي هربنا منها سريعاً...."
لم تكن كلمات سعيد تعني أحدا من الحضور إلا صديق طفولته الدكتور سراج. لطالما عرف كيف يعبث معه و يستفزه ثم يتركه لحيرته التي تأبى أن تفارقه حتى و هو في الفراش. 
كان يعرف سر الكلمة. 
نعم للكلمة أسرارها الخاصة. فهناك سر في انتقائها، و سر في توظيفها و سر في طريقة نطقها و سر آخر في لحظة سردها و السر الذي يثير نشوته أكثر... كان في وقعها على سراج. 
شرب كأسه دفعة واحدة و دقها فارغة على الطاولة... نظر مليا في عيني سراج و رسم ابتسامة خفيفة على شفتيه... 
"هذا صديق الطفولة... دكتور سراج" 
و بصوت حنون، لكنه لا يخلو من المكر أكمل: 
"يا أصدقاء.. أخطأت النخب هذه المرة ... كان يجب أن أشربه بصحة صديقي الدكتور سراج...."
كلماته أثارت عاصفة من الضحك الهستيري حتى الذين كانوا على الطاولات المجاورة ضحكوا و هم يجولون بنظرهم بحثاً عن الشخص المقصود. 
رد أحد الأصدقاء و هو يقهقه:
"لنشربه الآن إذا"
رافعاً كأسه المملوء حتى منتصفه...
رفع سعيد يده معترضا... 
"صديقي... دكتور سراج لا يمكن أن يكون يوماً تصحيحا لخطأي... " 
علت القهقهات أكثر.. لكنه ظل صامتا و هو يحدق بعيني سراج... انتظر حتى هدأت موجة الضحك هذه... 
"صديقي لا يأتي ثانياً... بل هو دائماً في الصدارة.... لطالما كان هو الأول ... "
قال كلماته هذه و هو يهم بالرحيل... 
عاجله صديقه:
"سأشرب نخب الدكتور سراج وحدي"
و دلق نصف الكأس المملوء دفعة واحدة في فمه... و أكمل وهو يعيد كأسه الفارغ بهدوء إلى الطاولة 
"سراج... أنت فخرنا يا صديقي"
بابتسامة مرتبكة رفع سراج كأسه و أدارها باتجاه الجميع وكأنه يدق كؤوسهم و يضع حدا لإحراجات صديقه. ثم قال:
"بصحة الأصدقاء.." 

لا تكون الأمور عادة جلية وواضحة بالنسبة لشخص ما، بقدر ما هي واضحة للآخرين. و غالبا ما يكون علاج التفاهات بأمور أكثر تفاهة منها. 
ليت الحدود النفسية بين صديقين سهلة بقدر جدار يرتفع بين منزلين متجاورين. 
ليس من اليسر النوم وأفكار كهذه تجتاح المخيلة. و ربما بعض من ومضات طفولة عابرة. 
لطالما توصف الطفولة بالبراءة، بالرغم انها الحالة البدائية للإنسانية جمعاء. فهل كان الإنسان البدائي يتصف بالبراءة فعلاً؟ 
تدفع ثمن أخطاء طفولة لم يرتكبها شخصك، بل أخطاء جميع أولائك الذين كتبوا على جدارك المظلم أصوات صراخهم و أحلامهم و فرص حياتهم الضائعة. 
أليست الطفولة هي الجزء الأكثر ضجرا في ماضيك حيث أنها رحلت مع تقدم العمر ولم يبق منها إلا نسيج من حنين يشبه نسيج العنكبوت هذا الذي يحيكه من أحشائه و ينتظر بصبر بالغ ما يشتهيه وفي نفس الوقت ينظفه من كل ما هو دخيل و غير مرغوب فيه.

"ألست شخصاً غير مسؤول عن ماضيي، حتى أنني بالكاد اعرف ذاك الشخص الذي لبس طفولتي و تجول ممسكا يدي والديه حاملاً فقط اسمي.. 
عليّ الهرب سريعا من صمت الطفولة الذي لا ينتمي إليّ الآن"
هذه اللحظات من التخلي الجريء جعلته يغط في نوم عميق. 

في عيد ميلاد أحد الأصدقاء و في نفس المطعم، تجتمع شلة الأصدقاء مع زوجاتهم و صديقاتهم. و كالعادة ينصت الجميع لسعيد حين يتكلم. 
" سعيد.. لماذا لا تضع كل معرفتك و خبراتك في كتاب يا صديقي" 
قالها أحد الأصدقاء باهتمام بالغ... 
"سعيد يعتبر كل لحظة من هذه الحياة فرصة تستحق أن تعاش و ليس هناك حياة في الكتابة. أليس كذلك؟" 
قالها صديق آخر موجها سؤاله لسعيد... 
و كعادته لجذب الإنتباه إليه أكثر، يصمت قليلاً ... يخرج علبة السجائر من جيب قميصه و ببطء معتمد يضع سيجارة في فمه و يقرب الولاعة منه لكنه ينظر فجأة في وجه السائل، دون أن يشعل سيجارته و يقول: 
"الكتابة حياة من نوع آخر و لابد لي أن أعيشها يوما" 
يشعل سيجارته...يدير رأسه باتجاه سراج.. يأخذ نفسا عميقا... و ينفث دخانه أمام وجهه... 
" ما زلت في طور القراءة يا أصدقائي" 
على غير العادة يسود صمت جدي أكثر من الوقت المتاح له.... 
و هو يضع عقب سيجارته في المنفضة كان بعض الأصدقاء يناقشون فكرته بصوت خافت... 
" دكتور سراج... " 
قالها بصوت حاد و جدي... 
" كونك دكتور باطنية و هضمية. .. ما زلت أعاني من الإمساك... هل هناك حل لهذه المشكلة" 
محاولا تدارك هذا الإحراج و عدم النظر إلى عيون الأصدقاء التي تفيض بضحك محبوس يقول سراج و بطريقة أكثر جدية: 
"انه مشكلة العصر يا صديقي... الكثيرون يشكون هذا الأمر... والطب... " 
يقاطعه سعيد بطريقة لا تخلو من التهكم: 
" لكن ما الحل... دكتور سراج.. أظن أن الكثير من المراجعين يطرحون عليك نفس السؤال... بماذا تجيبهم" 
" يطرحون أسئلتهم في العيادة... لكن على أية حال عليك الإكثار من الخضار و الفواكه يا صديقي سعيد" 
يرد سراج 
" و هل يجب أن أزورك في العيادة حتى احصل على جوابك هذا.."
يتابع سعيد: 
" آكل الخضار و الفواكه لكن كيف لي أن أعرف أنها تكفي لحل مشكلتي.. مشكلة العصر يا صديقي..." 
بعد صمت مخنوق بالضحك المكبوت يتابع سعيد مسرحيته: 
" صدقا يا دكتور سراج... لا أذكر في اليوم الذي أعاني فيه ما أكلته سابقاً... كيف لي أن أذكر ما آكله" 

نظرات الأصدقاء الموجهة إلى سراج تحرقه بضحكاتهم التي ستنفجر الآن أو بعد أن يغادرهم... حتى و إن كان آخر المغادرين... لن يحميه ذلك من الإحراج الذي لحق به. 
الوضع صعب للغاية والارتباك شديد... والموضوع المطروح سوف يترك وصمته، بتفاهته، على المهزوم الآن و إلى الأبد. هذا ما كان يدور في خلده خلال الثواني الثقيلة التي تمضي مثل كابوس منتصف الليل و التي ساد فيها الصمت. حتى و إن تدخل أحد الأصدقاء و حرف الموضوع عن مساره.. لن ينتشله ذلك من لعنة الإحراج الأبدية.. لابد من مغامرة غير محسومة العواقب... لكن يبق في الكلام محاولة...
يستجمع قواه و ينظر إلى الجميع نظرة المستكين... و يستقر نظره على سعيد و يقول: 
"يا صديقي ليس عليك إلا النظر إلى فضلاتك كل مرة لتعرف ما أكلته سابقاً"
ساد صمت قليل عنوانه البارز الدهشة، قبل انفجار المكان بضحك مجنون. 
كانت الصفعة القوية التي أخرجته سريعاً من طفولته، على حد تعبير سعيد، ومن إحراجه الآن و ربما إلى الأبد. فضحكات الأصدقاء و قهقهاتهم و نظراتهم المثيرة للشفقة إلى سعيد الذي أصبح وكأنه حشر في الزاوية... كل ذلك ليس إلا دليلا قاطعاً على تقهقر الخصم و سقوطه بشكل مدوي... 
فأية ذكرى ستثقل كاهل سعيد الآن و كل يوم. 
لم تبلغ بسراج الجرأة حدا لإحراج أحدا ما أمام جمع من الأصدقاء. 
غالبا ما يكون هناك خيط رفيع يفصل بين الجرأة و الوقاحة، الطيبة و السذاجة، الشجاعة و التهور، الكرم و الإسراف، الطلاقة و الإسفاف، و حتى الإثارة و الإباحة. 
لكن سرعان ما ينقطع هذا الخيط و يتلاشى في ظرف ما غامض لا يديره العقل ولا يدركه لأنه يخرج فجأة من قاع الظلام من بحيرة اللاوعي الراكدة. 
فمن يرمي حجره في تلك البحيرة الراكدة، عليه أن يكون مستعدا لما يخرج منها.

شوهد المقال 1126 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ خلف الستار

خديجة الجمعة  توجد أشياء خلف الستار . وقبل فتح المسرح الكبير ليراه العالم.  أنت ياأنت الذي تتحدث . لاتستعجل لتفتح الستار . الستار الذي أخفيته قبل
image

شكري الهزَّيل ـ كارثة "سلام الشجعان" : من هانت علية القدس وحيفا..هانت علية الاغوار وكامل فلسطين!!

د.شكري الهزَّيل من هانت عليه نفسه فهو على غيره أهوَّن وبائع الزيت لا يقول ان زيته عكر ومن اطاع هوا عدوه هانت علية الاوطان مقابل
image

عبد الباقي صلاي ـ أهمية الأفكار في حياتنا !

 عبد الباقي صلاي  الأمة الفقيرة هي الأمة التي على الرغم من حيازتها للثروات ما ظهر منها وما بطن،إلا أنها لا تملك الفكرة البناءة التي
image

العياشي عنصر ـ نخب السلطة وإدارة الأزمات!

د. العياشي عنصر  تعيش الجزائر منذ عقود ازمات متنوعة ومتتالية تزداد حدة وتعقيدا مع مرور الوقت. لاشك أن هناك عوامل عدة تقف وراء ذلك،
image

اسلام طبوش ـ الحراك الجزائري من التعتيم الإعلامي إلى الاستهداف ... صمود الحراك يغضب فرنسا و اولادها

اسلام طبوش    قام الحراك الشعبي علي ما عقده بيان ثورة أول نوفمبر 1954 وفق المبادئ الاسلامية عقدته أيضاً ثورة 22 فيفري السلمية...
image

فضيلة معيرش ـ حلم

 فضيلة معيرش ـ مسيلة /الجزائر  يضيق بها صبح الأمل وهي تسمع ما تم إقراره بمستقبلها ،تلقت وابلا من الطعنات المتتالية ودعت زميلاتها وقدمت طلب تنازلها عن
image

عبد الجليل بن سليم ـ لكي لا نقع في الفخ : مؤامرة و خرافة

 د. عبد الجليل بن سليم  في سنة 2004 العمال و الموظفين في شركة Apple تلقوا رسالة الكترونية من صاحب الشركة steve jobs يعلمهم فاها بانه
image

عبد الجليل بن سليم ـ تغيير، صراع ، احزاب السلطة ، Starsky & Hutch

 د. عبد الجليل بن سليم  منذ بداية حراك الشعب، و شي ناس كل يوم مباشر على الفسبوك و ينظروا علينا و راهم يقولو بان الصراع
image

وليد عبد الحي ـ توجسات الحرب الاهلية في الولايات المتحدة:

 أ.د. وليد عبد الحي  ما الذي يقف وراء تزايد المقالات والاستطلاعات والخطابات بل والدراسات العلمية التي تتحدث عن " سيناريو الحرب الاهلية في الولايات المتحدة"؟نزعم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats