الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | نسيمة اللجمي - من وراء الزّجاج

نسيمة اللجمي - من وراء الزّجاج

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
نسيمة اللجمي

من وراء الزّجاج ...تمرّ أيّام طويلة متشابهة ...يفصل بيني وبين العالم الخارجي زجاج ...كلّما طال سجني بين الجدران ووقوفي وراءه ازددت يقينا أنّ هذا الجدار الشّفّاف خلق من أجلي ومن أجل أمثالي الّذين أقعدهم العجز وسط آلامهم يشترّونها وينتظرون الفرج من الله .. فأردّد "جازاك الله خيرا يا مخترع هذا الّلوح الكاشف.
من وراء البلّور كنت ولا أزال ألتقي بأصدقائي الطّيور ..ولا أتوانى من أن أفتح النّافذة لأمدّها بالماء وفتات الخبز وأتابعها وهي تأكل وتشرب وترفرف حول الطّعام في رقصة اعتراف بالجميل وتسبيحا لله حمدا وشكرا على الحرّيّة والطّعام والماء... وغالبا ما تقترب قطّة لتشرب فتحلّق العصافير فزعة مغلوبة على أمرها ..تطير في الفضاء البعيدوروحها تتعلّق بالفضاء اقريب منّي .
من وراء البلّور رأيت عصفورا حطّ في شرفتي.. أكل حتّى شبع وشرب حتّى ارتوى ... ومرّت أمامه نملة .. نظر إليها العصفور .. اقترب منها ..وانتظرت أن يلتقطها بمنقاره لكنّه لم يفعل ..ومرّت النّملة بسلام .. ولم يحاول العصفور أن بأكلها والسّبب هو أنّه شبعان ..لأنّه ليس إنسانا كلّما أكل ازداد جوعا .
من وراء البلّور تتعلّق عيناي بالسّماء ..والسّماء تسحر روحي ..ولروحي قصّة عشق مع السّماء .... بألوانها الزّرقاء والدّكناء والرّماديّة والحمراء ....تحت هذه السّماء يوجد المعذّبون في الأرض ..فلقد رأيت يوما شيئا يتحرّك وسط كدس القمامة ظننته أحد الكلاب السّائبة فإذا هو إنسان ضاعت منه الملامح لم يعد يشبع الإنسان ..بردان .. جوعان .. يبحث بين الفضلات عن شيء يلبسه أو يستحقّ البيع فيبيعه ويشتري يثمنه ما يسدّ الرّمق ... وتحت نفس السّماء يمرّ حذوه السّكران يتمايل يمنة ويسرة ويرفع عقيرته بالغناء.. يتعثّرالسّكران ..يقع وسط كدس القمامة ...يحاول أن يقف فلا يستطيع ويسرع إليه الجوعان يساعده ثمّ يجمع ما تناثر من بقايا نقوده و يلتقط هاتفه يمعن فيه النّظر يقلّبه ثم يضعه صحبة النّقود في جيب السّكران .... ويلقي عليه نظرة أخيرة يملأها الأسف وأكاد أسمعه يقول " كم تراك أنفقت لكي تفقد عقلك وأنا أكاد أفقد حياتي جوعا .
ومن وراء البلّور أرى المقهى يعجّ بالرّجال ...وأرى نساء يغادرن بيوتهنّ في ساعة مبكّرة من الصّباح والظّلام لا يزال ينشر جناحه على الكون ...ولا يعدن إلاّ في آخر النّهار و قد أثقل الإرهاق منهنّ الخطى .. وملأ القهر أرواحهنّ... لتدخل الواحدة منهن إلى بيتها تقوم بكلّ الشؤون والزّوج أمام التّلفاز يقزقز الّلب وينثر القشور بفمه في كلّ مكان ...وكلّما طلب أحد أبناءه منه نقودا يقول " ليس لديّ مال ..اطلب من أمّك "......ولا يخجل هذا الرّجل وهو يقول "أنا الرّجل "

صفاقس
تونس

شوهد المقال 992 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

رضوان بوجمعة ـ الاتصال في قصر المرادية.. من اللقاءات الدورية إلى الحوارات الفرنسية

د. رضوان بوجمعة  الجزائر الجديدة 182   الحوار الذي أجراه المسؤول الأول عن قصر المرادية مع قناة فرانس 24 الفرنسية عشية الاحتفال بالذكرى 58 لعيد الاستقلال،
image

اعتقال الدكتور فارس شرف الدين شكري في بسكرة الجزائر بسبب محاولته اعطاء حلول لانقاذ مدينته من جائحة كورونا

عين الوطن  الدكتور #فارس_شرف_الدين_شكري تم اعتقاله امس بسبب منشوراته على الفايسبوك حول كورونا وتفشيها، في #الجزائر لا تتحدث لا تناقش لا تهمس ببنت شفة ،
image

نجيب بلحيمر ـ الحوار الخطيئة في التوقيت الخطأ

نجيب بلحيمر  إلى من توجه عبد المجيد تبون بحديثه في فرانس 24؟ السؤال تفرضه المناسبة. من الناحية الرمزية يعتبر ما أقدم عليه تبون أمرا غير مسبوق في
image

رشيد زياني شريف ـ حراك الشعب وحراك القصر

د. رشيد زياني شريف  لا شك لاحظتم شراسة الهجوم على الحراك في الآونة الأخيرة، وخاصة أثناء "الهدنة الصحية" ولم يفتكم تعدد التهم وتنوعها، من كل
image

العربي فرحاتي ـ حراك الجالية الجزائرية ..رسالة للعالم

 د.العربي فرحاتي  بشعارات الوحدة ونبذ التفرقة بين العرب الأمازيغ وبين أحرار الداخل والخارج ..وبالاناشيد الوطنية وزغاريد الحراير.. وفي مناخ أخوي نضالي..انتفضت الجالية الجزائرية في
image

خديجة الجمعة ـ الفارس الملثم

خديجة الجمعة    وفي ليلة ظلماء أسهبت بنظري للسماء محلقة بفكري . علني أجد شيئا ما بداخلي. وإذ بي أراه حقيقة لاخيال وتلعثمت حينها . وفركت عيني
image

عادل السرحان ـ شهداء الجزائر يعودون

عادل السرحان                   أهلاً بمَنْ فدّى الجزائربالدمِإذ عاد مزهواً بأجمل مقدمِأرواحهم قد حلّقت فوق  العُلاورفاتهم مسك يضوع بمعصمِ مُذْ في فرنسا والجماجم عندهاشطر الجزائر تستديرُ لتُحرمِسبعون عاماً بعد
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats