الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | نجيبة بوغندة - المـــوْجُ الهـــادرُ قـــادمٌ

نجيبة بوغندة - المـــوْجُ الهـــادرُ قـــادمٌ

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
نجيبة بوغندة *

ظهرتِ الشّمْسُ كعادتها من كلّ صُبْحٍ من وراءِ عماراتٍ شاهقةٍ تحولُ بينها وبينَ الضّياءِ...
لم تَكُنْ يوماً شمْساً ينتظرها القلْبُ فتَبْعثُ فيه أملاً مرتقباً بقدْرِ ما كانتْ موتاً يخْنُقُ كلَّ نَفَسٍ مُتردّدٍ.
كان الكلُّ لا يطْمعُ في دِفْئها غيْر تلك الخفافيشِ صديقَة الظَّلامِ، تفوحُ منها رائحةُ الأقبية العفنة والجُثثِ النّتنةِ.
لمْ تكنْ شمسا يحلمُ أحدٌ بنورها بقدرِ ما كانت تحرقهم بنارها المُسْتَعرَة، وتَلْسَعُ أجْسامَهم العاريةَ فيكون وقْعُها وقْعَ السّياطِ القاسيةِ فتُدْمَى جُنوبُهم وتُمزَّقُ أشْلاءً.
كان الجميعُ يخافُ تلكَ الشّمس التي ظنّوا يوما أنّها مبعث الأملِ، فقد تحوّلَ الحُلُمُ إلى كابوسٍ وصارَ النّاسُ يخافون التّكلّمَ والشّمسُ فوقَ رؤوسهمْ حارقة.
تمرُّ الغيومُ بينَ الفينةِ والأخرى تحاول أن تكون المظلّةَ التي تحجبُ عنهم لهيبَها، لكن لا الشّمسُ هي الشّمْسُ ولا الغيمُ هو تلك السّحابة الحاملة للغيْثِ.
انقلبتِ الموازينُ وما عُرفَ يوماً بروعتهِ صارَ همّاً ثقيلاً يعتصرُ القلبَ ويُحوّلُ ضياءَ الصّبْحِ إلى ظلامٍ دامسٍ، فتخْتنقُ الأصواتُ الوليدةُ وترتعشُ القاماتُ اليافعةُ.
كان رمادُ تلك الأيّامِ يحتفظُ بوهجِ نارٍ ساكنةٍ تنتظرُ نفخةَ ريحٍ عاتيةٍ تُزلزلُ صرْحَ فرعون وهامان وكلَّ من شابَهَهُما من العُرْبِ.
وذاتَ يومٍ وبينما كان الجميعُ يُنيمُ جفنَهُ ولا ترقدُ عينهُ، أفاقوا في لحظةٍ على صوتِ موجٍ هادرٍ ورائحةِ شواءٍ امتدّتْ في كلِّ صوبٍ وحدْبٍ، شمالا وجنوبا... شرقا وغربا وخارجَ الأسوارِ والقلاعِ، لتَزْكُمَ أنوفاً متعاليةً وتصُمّ آذانَ من أصمّوا آذانهم عنها يوماً ورأوها تغرقُ في حِمَمِ البراكينِ لكنّهم أداروا دونها الظّهورَ، ومشوْا في خُيلاءٍ يُردّدون شعاراتٍ جوفاءَ يملؤون بها بطونَ الجياعِ، فلا تُغنيهم جوعا ولا ترويهم عطشاً.
لقد اشتعلت النّارُ وسرت في الهشيمِ تحرقُ عيدانَه وتُفتّتُ كَيانَه وتُصيّرُ خُضرتَه المزعومةَ حطاما، تُصيّرها ركاما بل قاعا صفصفا... نارٌ تصاعدتْ ألسِنَتُها هنا وهناك تُذكّيها أيادٍ تحملُ الجمر الغاضِبَ، فلا تهتمُّ الأصابعُ لحروقهِ ولا الرّاحاتُ لخدوشه... كانت عيونهم ضاحكةً وحناجرهم عاصفةً تنفخُ ريحا فتذكّي نارهم.
اقتربت تلك النّارُ الجَسورُ من الحصون والقصور والقلاع ولم تَهَبْ الموت الذي يقف لها من وراءِ الحواجزِ والعسكرِ خراطيشَ الماءِ، بل تقدّمت في ثباتٍ من أعتى شجرةٍ عجوزٍ تنزع عنها جمالا اغتصبتْه يوما من جمال بقيّةِ الأشجارِ.
وفي غمرةِ الشّتاءِ وبردهِ، غيّمتِ السّماء كعهدها من ذاك الفصْلِ فاشرأبّتِ الأعناقُ تطلبُ فرجاً وارتفعت الأيادي ترجو خيرا... كان يوما مختلفا عمّا سبقه من الأيّام، فالغيمُ فيه غير ذاك الغيمِ العاقرِ ولا الشّمس شمس الأمس الحارقة...
تهاطل الغيثُ فأخمد لهيب الجُثَث المُحترقةَ وصيّر رمادها في لون خضرةِ الوطن... فأزهرَ الرّبيعُ في كلّ الرّبوع وخرج الأحرار يهتفون للفتى الوسيمِ:
_أهلا ومرحبا قدْ جئتنا زائرا وفي مآقينا نُسكنكَ ومن القلب نُدنيك.
تزيَّنتِ الأرضُ الخضراءُ كأميرةٍ لم يغبْ حُسْنها رغم الرّعود والعواصف العاتية...
ها هي تجرّ ثوبها المرصّعِ بالدّرّ والياقوت من صُنعِ أبناءِ شعبها وتختال به أمام القاصي والدّاني بكلِّ فخٍر، فترميها الأيادي بأكاليلِ الزّهرِ العطرِ وحبّاتِ الحلوى طيّبةِ المذاقِ، فتزيدها حلاوةً فوق حلاوتها وسحرا فوق سحرها.
اكتظّت ساحاتُ النّصرِ بالجموع تهتف بحياةِ الوطن وتموج الشّوارعُ بهم تموُّجَ حقولِ السّنابلِ في أوانِ قِطافِها، وعلت الهمَمُ وهي تُمجّدُ ذكرى شهدائها ولوّحت الأكفُّ الحُبلى بكرمِ أصحابها تُهديها سلاما عطرا.
ها هي الشّمسُ تظهرُ من جديدٍ بوجهها الصّبوح الفاتنِ... فشمسُ اليوم ليستِ كتلك الشّمسِ الهاربةِ... تسلّلت أشعّتها تُعيدُ أملا كاد أن يُفقدَ، وتُدفِّئُ كلّ قلبٍ باردٍ يعيشُ خوفا قاتلا بين أقبيةٍ ماضٍ أغبر، فترفعُ عنه رَوْعهُ.
ابتهج الجميع مشتاقين لرؤية تلك الشمس، ليطردوا بوجودها ظلاماً ظالماً جثم على الصّدورِ وكتم الآهاتِ، وليئدوا تلك الخفافيشِ حبيبة الظّلام الغاصب ويهتفون بصوت المنتصر:
ألا أيها الظّالم المستبدُّ كفاك قهرا وظُلما
ارحلْ عن أراضينا الغنّاء كَرْهًا وغَصْباً
ارحلْ حيثُ موطن الغربانِ والبومِ والقفر
ودع بساتيننا ومروجنا تزداد جمالا وفخرَا...
وفي غمرة الفرحة، غيّمت السّماء من جديد...رفع الناس رؤوسهم بين متفائل بغيث نافع يروي الأرض العطشى المحرّرة من الأغلال، وبين متشائم يتنبّأ بعاصفة هوجاء قد تُفسد الزّرع وتذهب بالأمل...
 
 
*قاصة من تونس  

شوهد المقال 1588 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ خلف الستار

خديجة الجمعة  توجد أشياء خلف الستار . وقبل فتح المسرح الكبير ليراه العالم.  أنت ياأنت الذي تتحدث . لاتستعجل لتفتح الستار . الستار الذي أخفيته قبل
image

شكري الهزَّيل ـ كارثة "سلام الشجعان" : من هانت علية القدس وحيفا..هانت علية الاغوار وكامل فلسطين!!

د.شكري الهزَّيل من هانت عليه نفسه فهو على غيره أهوَّن وبائع الزيت لا يقول ان زيته عكر ومن اطاع هوا عدوه هانت علية الاوطان مقابل
image

عبد الباقي صلاي ـ أهمية الأفكار في حياتنا !

 عبد الباقي صلاي  الأمة الفقيرة هي الأمة التي على الرغم من حيازتها للثروات ما ظهر منها وما بطن،إلا أنها لا تملك الفكرة البناءة التي
image

العياشي عنصر ـ نخب السلطة وإدارة الأزمات!

د. العياشي عنصر  تعيش الجزائر منذ عقود ازمات متنوعة ومتتالية تزداد حدة وتعقيدا مع مرور الوقت. لاشك أن هناك عوامل عدة تقف وراء ذلك،
image

اسلام طبوش ـ الحراك الجزائري من التعتيم الإعلامي إلى الاستهداف ... صمود الحراك يغضب فرنسا و اولادها

اسلام طبوش    قام الحراك الشعبي علي ما عقده بيان ثورة أول نوفمبر 1954 وفق المبادئ الاسلامية عقدته أيضاً ثورة 22 فيفري السلمية...
image

فضيلة معيرش ـ حلم

 فضيلة معيرش ـ مسيلة /الجزائر  يضيق بها صبح الأمل وهي تسمع ما تم إقراره بمستقبلها ،تلقت وابلا من الطعنات المتتالية ودعت زميلاتها وقدمت طلب تنازلها عن
image

عبد الجليل بن سليم ـ لكي لا نقع في الفخ : مؤامرة و خرافة

 د. عبد الجليل بن سليم  في سنة 2004 العمال و الموظفين في شركة Apple تلقوا رسالة الكترونية من صاحب الشركة steve jobs يعلمهم فاها بانه
image

عبد الجليل بن سليم ـ تغيير، صراع ، احزاب السلطة ، Starsky & Hutch

 د. عبد الجليل بن سليم  منذ بداية حراك الشعب، و شي ناس كل يوم مباشر على الفسبوك و ينظروا علينا و راهم يقولو بان الصراع
image

وليد عبد الحي ـ توجسات الحرب الاهلية في الولايات المتحدة:

 أ.د. وليد عبد الحي  ما الذي يقف وراء تزايد المقالات والاستطلاعات والخطابات بل والدراسات العلمية التي تتحدث عن " سيناريو الحرب الاهلية في الولايات المتحدة"؟نزعم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats