الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | علي بختاوي - ماخلفته العاصفة

علي بختاوي - ماخلفته العاصفة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 علي بختاوي 
 
من مجموعة مرايا الغريب 

 

 

 

اشار إليه أن يتبعه . مشى أمامه بضع خطوات . لا يستطيع أن يشرح له كل شيء أمام العيون التي بدأت تترصد حركات أيديهم . في سنين الشباب علّم البشير صديقه معظم تناقضات الحياة . كان يعطيه دروسا . لا يبخل عليه . يستطيع أن يبخل عليه بكل شيء إلا الكلام . مرا على قهوة لخضر المطروش . سأله هل في نيته فنجان من الشاي المعطر بالنعناع . رفض ابراهيم . قال له لو شربت الشاي من المستحيل أن أتعشى . في حنو ربّت على كتفه وغمره بإبتسامة تشبه إبتسامة الصباح لولد إستيقظ ليلعب . وهما يغادران زاوية القهوة ليطلا على الدرب الطويل المؤدي الى بيت البشير سأله . " هل قلت لي أنت في الليلة العاشرة " . " نعم " . رد عليه بتنهيدة يشوبها الخجل والتأسف . مر الصمت فألقى وشاحه عليهما . تضايق الذي لا يبخل بالكلام . " لماذا أتاني في هذا الوقت بالذات . كيف عرف اني كنت عند موسى بائع الشيفون . اللعنة . لا أظن موسى يكمل الحكاية . أعرفه . خبرتي به لها زمن بعيد . ضاربة في القدم . إذا دخل غريب وصرم حبل الحكاية لا يمكن أن يتذكر تفاصيلها . أهم المحطات والوقائع التي يسردها بطريقته السحرية لها رنين . موسيقى . عالم أخّاذ . كيف كسب هذا اللون من القص .؟ . أبي كان دائما ينهرني أن لا أذهب الى محله . هل يعرف أبي أقاصيصه . مغامراته . بعض أسراره . ؟. لكن لماذا لا يذكر أسماء الأشخاص الذين يروي حكاياتهم . ؟. يخاف .؟ . ربما . القرية صغيرة . "دينار جاوي يبخر القرية بكاملها " . ماذا كان يحكي . هه . كيف نسيت رأس الخيط . ؟".. كان يمشي غير مكترث لما يدور في ذهن ابراهيم وربما هذا الأخير كذلك لم يهتم لما يعمتل في خلد الأول . غير أنه مضطر . في مسيس الحاجة . يستطيع أن يمنحه راتبه الشهري من الأستذة التي يمتهنها فقط يفرج عليه هذه المصيبة التي وجد نفسه يتخبط فيها . ولو إقتضى الحال . بكرمه يقدر أن يقتسم معه الراتب لمدة اربعة أشهر كاملة . بشرط أن يرتاح . يتنفس الصعداء . يشعر أنه رجل . ياللتعاسة . ياللأسى الذي برّح به حتى أصبح يجهل أبسط الأشياء . الأستاذ أستاذ . "يأخذ من كل شيء بطرف " . ولا يدع القيافة تنهش كبرياءه . هو الآن يعرف أنه أحقر من نملة في عين صبيّ طائش . لماذا مشى به الحال الى هذه الدرجة من الغفلة و السذاجة . كان الأجدر به أن يفتش . يسأل . يحفر في الناس والطبائع والتقاليد . الأستاذ أستاذ مهما قدّم أعذاره . أسبابه . حياءه الذي ورّطه في يوم كهذا . هل كان يتصور يوما كهذا. ؟.إذا رجع الى الورا ء قليلا يجد أنه ظلم نفسه . ورفس على سنوات العلم والتدريس التي خاضها دون أن يخرج بشيء ينفعه في هذا اليوم .. هذا اليوم .؟. اللعنة على هذا اليوم . فرك فيما مضى عينيه وهمس " لماذا لا أرى الدنيا كغيري من الناس . ؟. هل كان أبي هو السبب . ؟. أنا .؟. إيماني الذي أدعي أنه قوي . ؟. عزلتي .؟ . خوفي على دراستي حتى عزفت عن شيء هو محور وجودي . مربط الفرس . إذا ما نبزت بلقب على نفسي فأفضل لقب يناسبني هو البغل . إيه نعم مجرد بغل يحرث كل يوم . ويمارس طقوسه بالعادة . كيف لم أفكر مرة بشخصي .؟. بي كإنسان . ؟. الحدود ؟ . أي حدود هذه التي تربكني وتجعلني لا أرى أبعد من أنفي . ؟ . في الحقيقة فكرت مرة أن أتغير ولو قليلا . لكن . لكن ماذا . قلها لا تخف . هذا الخوف هو الذي ورّطك . أدهشك . حيّرك . جعلك نصف رجل . أصغر الناس يفهم . يميز . يطير . في هذا الزمن اذا لم تطر رحمة الله عليك . إسمع . منذ هذه اليوم عليك أن تغيّر نظرتك . أن تطير . ليس الى المحيط الذي تعيش فيه إنما الى كل شيء . هل سمعت .؟ . كل شيء . " .غير أن الغصن اذا نما بشكل غير متجانس سيبقى على ما هو عليه . . فغر الدرب فمه كثعبان يهم أكل ضفدعة ما . بان له بيت البشير مثل الخلاص . جنة . كيف طوى كل هذي السنين دون أن يدرك هذه الجنة .؟ . سيمتحنه البشير بعد قليل . وسوف يتضايق . يتصبب عرقا . ذلك الوجه الأحمر المدور سوف يميل الى الإصفرار والشحوب . حتى ولو فتح له كوة ورأى عن يمينه تلك الجنة التي إفتقدها لسنوات . . الصالة مرتبة . نظيفة . أصص الزهر في الزوايا . إذا آثر التمدد فالموكيت أمامه . واذا إبتغى الأريكة لقصر الوقت و إختصار المرحلة الحرجة الطارئة فليجلس حيث هو الآن . إختار الموكيت . رمى بالحذاء الاسود اللامع . سوّى من بدلته الجديدة الأنيقة . تأمل جذعه . قاسه شبرا شبرا . كل هذه العضلات وأسقط . أنهزم . ألح طالبا النجدة . يالي من بغل . بغل قريتنا هو أنا . " . أعطى البشير وجهه له . حدق في عينيه . قرأ ولم ينطق . مثل هذه الحلات يعرف كيف يتعامل معها . سأله . " كيف لم تستطع . هل هي التي تتهرب .؟ هل إنتعض صاحبك جيدا .؟ . بعد ضحكة مدوية أجاب . " لم تتهرب . وصاحبي إنتعض . لكن . أوف . كيف اقول . الأمر محير والله . شوف . في اللحظة التي أريد أن أدفعه تقول لي ليس هنا . ليس هنا ." . معنى هذا أنك جئتها من ... لا سمح الله ..." .. لا . لا . والله . أنا إتخذت طريق الحلال ." . إذن . " .." في الحقيقة عندما أهم بالركوب تتصاغر بي . تستفزني . تلوي أعصابي فيلتوي صاحبي . حينها أرتخي . أبرد . أكره اليوم الذي خلقت فيه . " . حمل البشير القلم . خط شكلا بيضويا على الورقة وشقه الى نصفين . أعطى لكل جهة في البيضة تعريفا . كرر المسألة ثلاث مرات . ثم طلب منه ان يعيد الإختبار . بعدما رمى في حجره مخدة ودفعه كي يضاجعها . تردد . علت وجهه حمرة . عرق وقلق . يوم الإمتحان يكرم المرء أو يهان . قبل أن يرتشف فنجان القهوة الذي عبه له البشير كان مرر إليه بعض الأشياء التي حدثت من لدنها . ثم فتح الباب ودعا له وخرج . وقف البشير وراء الباب المغلق . أحتار أين يذهب . ثم استقر رأيه على أمر واحد . العودة الى موسى بائع الشيفون . لكن قبل ذلك لابد أنه فكر ثانية وهو أن لا يكرر العودة من نفس الطريق الذي إتخذه مع ابراهيم . "من يدري ربما تشابه عليه البقر أثناء تفسيري للبيضة فيعود من جديد ليقلب رأسي . " .وخرج بعد أن رمى سيجارة بين شفتيه . " هاقد عدت . أنت مجبر أن تعيد الحكاية من أولها . أعرف أنك تمل من التكرار حتى لا تقع في النسيان لكن . " . لا لكن ولا عمار بزوَر . سوف أحكي لك كل شيء . كل شيء . هيا اسمع . " قلت لك كانت لطيفة معي . وصادقة وبريئة و جامحة في الفراش . نعم جامحة وشرود . مهرة شرو س . تستطيع أن تنعتني بالخيّال . الذي روّض أكثر من فرس . في الحقيقة أنا أحب ذلك .الفوضى واعتناق الضجيج . بل قل اني منذ عهدت نفسي وأنا مغرم بالعواصف لذلك ماإن أختلي بها حتى اشعر اني الريح والمطر والزوابع والشتاء . ماذا أفعل . حياتي هكذا . ربما ولدت كما ينبغي لي. قلت حين دعوتها في زوال ذلك اليوم وتستطيع أن تصدق أن حتى ذلك اليوم كان عاصفا . فلم ار ظلا لمخلوق خارج هذا المحل . كان المطر يجلد الدروب . الأشجار . الوجوه الكالحة . البيوت النائمة على فضيلتها ودعارتها . حتى هنا . في هذا المحل . كان مطر غزير . قالت " ضمّني بقوة . طرطق عظامي . أنا اشك في الحب الذي لا يطرطق صاحبه العظم و لا يزرق الجلد لعمل الأصابع واليدين . نعم . أشتهي الحوار بالأصابع والأحضان . " . أندهشت . ورطتني في اللعبة . جعلتني كلبا يشتهي إجتراح طقوسه تحت البرد وعلى ضربات حبّات المطر الثقيلة . جذبتها . كانت تعوي كذئب إدلهمت الصحراء أمام عينيه . " نعم . هكذا حبيبي . كلي لك . أحرثني . أرضك عطشى . ومطرك غزير . ثقيل . منافقة تلك التي تدعي العشق ولا تهدي حبيبها أعز ماتملك . " .. كان يحدثني وينسى من حين لآخر يده وهي تمسح على سيفه الذي أخد يلتمع بالماء داخل سرواله . لذلك إغتنمت هذه الفرصة لأسأله من هذه المهرة فرد علي بإبتسامة تنم عن شبقيته التي مازال يخوضها معها وهو بجانبي . " ألم تسمع بالتي تزوجت هذه الأيام . " . "من هي .؟ " . تلك التي رأيت زوجها يبحث عنك منذ أيام . " . " خضخضني . دوخني . صرت غريبا وسط حكاية غريبة . هضمت حينها لماذا كانت تتملص منه . ولماذا تقول له . ليس من هنا . ليس من هنا . مسكين إبراهيم . كيف ينتشي بغلّته وقد مرّت عليها العاصفة قبل أيام قليلة .

 

شوهد المقال 1457 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عفاف الصادق ترشة ـ منصات التواصل الإجتماعي مكان للصراعات الثقافية الإفتراضية

عفاف الصادق ترشة   مع بروز ما سمي بمنصات التواصل الاجتماعي إكتسح مفهوم الثورة السلوكية لرواده والذي عكس الغطاء الخارجي لثقافة ومجموعة التوجهات الفردية المنحازة بواقع الثقافة
image

وليد عبد الحي ـ المقاومة الفلسطينية والجهة الخامسة خلال السنوات الاربع القادمة

أ.د.وليد عبد الحي تتعامل الدراسات المستقبلية مع متغير تسميه المتغير " قليل الاحتمال عظيم التأثير"(Low Probability-High Impact ) ،أي المتغير الذي يكون احتمال حدوثه محدودا لكن
image

حكيمة صبايحي ـ انتظرتها نصف قرن، وسأنتظرها ما تبقى لي من عمر: ثورة الشرف

حكيمة صبايحي  اندلعت وطنيا، ثورة الشرف السلمية الجزائرية الراهنة يوم الجمعة 22 فيفري 2019، وتلتها مسيرات الجامعة منذ الثلاثاء 26 فيفري 2019 ـ على الأقل بالنسبة
image

جلال خَشِّيبْ ـ الجزائر، نظام التفاهة.. ورَجلَ فُكاهةٍ أيضا..

جلال خَشِّيبْفي الملخّص الأخير الذّي نشرته هنا لمقال والتر راسل ميد، هناك نقطة مثيرة حقّا للقلق والخوف في آن، خاصّةً إذا ما تتبّعناها في واقع
image

جباب محمد نورالدين ـ أمريكا : قوس قزح لم يكتمل بعد، وسوف يطول الزمن

د. جباب محمد نور الدين  وأنا أشاهد الجيش الأمريكي وهو مدجج بالأسلحة و بآلياته ،يحمي في الكونغرس رمز الديمقراطية في أمريكا ، تذكرت الحكيم الراحل عبد
image

عثمان لحياني ـ دروس من التجربة التونسية

عثمان لحياني  انقضي عقد من عمر الثورة في تونس ، عشر سنوات كان فيها الانتقال الديمقراطي صعبا ، ومخاض الديمقراطية أصعب بكثير مما كان يتصوره التونسيون
image

سعيد لوصيف ـ حتى لا تسقط فكرة الثورة والحراك ويتم تناسيها بالتقادم والتيه في الفراغ..

د. سعيد لوصيف مرة أخرى وبعد سنة من منشور مشابه أعيد التأكيد بداية بأنني لست من أولئك الذين يهوون اعطاء دروس مجانية للاخرين ، او من
image

فتيحة بوروينة ـ لروحها الطاهرة .. بمناسبة السنة الفلاحية الجديدة فَطّة.. الأمازيغية الحرّة!

فتيحة بوروينة  ظلت أمي رحمها الله، وهي ابنة حي "سارفانتيس" بالعاصمة الجزائر، قبل ثمانين سنة خلت، تتحدث الأمازيغية دون علاقة انتماء مباشرة بهذه اللغة، أي
image

عاشور فني ـ هل اصبح الجزائريون يخافون من تاريخهم الثقافي؟

د. عاشور فني  حضرت منذ سنوات الاحتفال باعتماد موسيقى أهليل ضمن التراث الإنساني اللامادي من طرف اليونيسكو. جرى الاحتفال في الفضاء الخارجي لقصر
image

المكتبة التاريخية الجزائرية تدعم بكتاب " فقهاء المغرب الأوسط " للدكتور عبد القادر بوعقادة

الوطن الثقافي   الكتاب الثالث  عن دار الخلدونية " فقهاء المغرب الأوسط " للدكتور عبد القادر بوعقادة : تطرق فيه إلى ذكر فقهاء الجزائر في العصر

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats