الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | زكي شيرخان - أربعة هو خامسهم

زكي شيرخان - أربعة هو خامسهم

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
زكي شيرخان

في بعض طريقه إلى هنا، مرت بخاطره فكرة أن يقيم حفلة يدعو إليها من سيتعرف عليهم ممن سيجدهم قد وصلوا قبله إلى آخر مطاف رحلته المضنية هذه إحتفالاً بنجاته، هذا إن نجا. نجا، أو هكذا ظن، وعاش، أو هكذا ظن، في مستقره أشهراً يأكل، يشرب، ينام، يتعلم ما كان يفترض أن يكون ملماً بها قبل سنوات من هذه السنة التي هو فيها. بدت عملية تأقلمه سلسة وبدون عوائق تذكر. في خضم حياته اليومية الجديدة نسي أمر حفلته. أشهراً طويلة مضت وكادت تبلغ بمجموعها حولاً كاملاً قبل أن يتذكرها. لام نفسه ولم يقتنع بأن المشاغل هي التي أنسته. كان عليه أن يتذكر مهما كان عمق خضم ما هو فيه. أخذ يفكر بمدعويه. في هذا المكان هو لم يتعرف إلاّ على أربعة، ليس له غيرهم. هل يكفي دعوة أربعة هو خامسهم سيكون؟ من يدعو إن لم يكن يعرف هنا غير هؤلاء؟ هو لا ينكر أنه عرف غيرهم، ولكنهم الأكثر إلتصاقاً به. الأكثر قرباً. الأعمق ألفة معهم. هم يعرفونه تمام المعرفة. ألفوه كما ألفهم، وإن لم يكن متأكداً من مشاعرهم تجاهه. الأشهر الطويلة بأسابيعها وأيامها وساعاتها التي قضاها معهم، جعلته يثق بهم. هم الكتومون كتم القبر. هم الصامتون صمت البئر. هم الأوفياء وفاء الكلب.

لما أعياه البحث عن غيرهم، قرر أن لا يؤخر حفلته. إكتفى بهم مدعوين لها. أعد للأمر عدته. وأزفت الساعة. اتخذوا مجلسهم، واحد على يمينه، الآخر على يساره، الثالث أمامه. استدار نحو آخر الضيوف معتذراً له على أن المكان هو الذي فرض جلوسه في الخلف. ابتسم لهم معتذراً عن تواضع ما أ ُعد للحفلة وعن العدد المتواضع للضيوف. ثم أضاف:
- ولكن لا بأس فإن الغاية هي تحقيق ما عزمت عليه يوماً ما وتوثيق عُرى العلاقات بيننا.
كان مُحرجاً ولا يدري لم. أحس بحاجته لتبليل جفاف حلقه بشئ من ماء صبه في قدح مرتشفاً منه. استدار إلى الذي خلفه موجهاً كلامه له:
- أنت كنت دائماً قريباً مني. الأقرب من بين الجميع. كنت قريباً إلى الحد الذي تسمع فيه همسي. تسمع نحيبي المكتوم. وربما، وأقول ربما ولا أقصد الإهانة، كنت ترى ما أكتب. لم أكن أراك كثيراً وإن لم يكن يفصل بيننا غير خطوات.
رفع رأسه وابتسامة خجلى ارتسمت على محياه ناظراً إلى الذي أمامه. قال له:
- أنت لم تكن تسمع ما أهمس به. ولم يكن يصلك من النحيب المكتوم شئ. ولكنك كنت ترى الدمع ينصب قطرات على أوراق امتلئت بألوان مختلفة من أحبار. رأيت خطوطاً مستيقمة كنت أرسمها على الورق. متعرجة أحياناً. متشابكة. متعامدة. ملتوية. حلزونية. هذه عادة قديمة لازمتني منذ سنبن طويلة لم تعد الذاكرة تسعفني في معرفة عددها. بداية هذه العادة كانت أيام بدأت الوحدة تخيم علي من غربة عن كل ما كان يحيطني. كنت ألحظ كلما رفعت رأسي عن الورق الذي أسطر عليه ما حلى لأقلامي أن تخطه، الدهشة بادية عليك. كنت أعلم أنك راغب في أن ترى ما أكتب. تحاول أن تفسر ما تعنيه هذه الخطوط التي أرسمها. تحاول أن تسبر غوري. ولكنك لم تتجرأ أن تسألني يوماً عما يعتريني. أو ربما احترمت خصوصياتي ولم تكن راغباً في أن تقحم نفسك في ذاتي. لو كنتَ سألتَ لأجبتك. كم تمنيت لو نطقت مرة واحدة وسألتني.
نهض من مكانه. إن استرسل في كلامه فإن دمعه سينهمر. لم يكن يرغب في أن يرى الآخرون منه هذا في هذه المناسبة التي يفترض أن تكون سعيدة. أعد لنفسه قدح شاي دون أن يسأل ضيوفه فيما لو كانوا راغبين هم أيضاً. لم تكن به رغبة ولكنها عادة اكتسبها. كلما أحس بضيق سارع إلى الشاي. التفت إلى من هو إلى يمينه.
- أهلاً بك ضيفاً عزيزاً.
ثم التفت إلى الذي عن يساره:
- وبك أيضاً. أم ترى يجب أن أقول بأني أنا ضيفكم؟ فأنتم جميعاً قد سبقتموني إلى هذا المكان.
لم تكن به رغبة بالكلام. لكن كيف يمكنه أن لا يُحدّث ضيوفه، أو من هو ضيف عليهم. ود لو أخذ أحدهم زمام المبادرة وتحدث، ولكن أنّا لأي منهم أن ينطق. بعد كلمات الترحيب، ماذا يمكنه أن يقول؟ ارتشف ثانية من قدح شايه. حاول أن يتذكر جلسات السمر التي كانت تعقد مع الأصدقاء هناك حيث أغترب لأول مرة. تذكر الإغتراب. تفرس في المحيطين به. اتسعت حدقتا عينيه. نهض عن مقعده كمن أفاق من غيبوبة. حدّث نفسه بشئ من خوف إعتراه:
- ماذا يحدث؟ أجننت يا... هذا؟
إتخذ طريقه بسرعة نحو الخارج غير عابئ بالوقت الذي قارب الليل فيه منتصفه، وغير عابئ بما سيلاقيه من برد ستؤلم أطراف أصابعه شدته. أغلق الباب خلفه تاركاً الأربعة كما عهدهم، واجمين، صامتين، غير عابئين بما هو فيه.

شوهد المقال 1165 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ خلف الستار

خديجة الجمعة  توجد أشياء خلف الستار . وقبل فتح المسرح الكبير ليراه العالم.  أنت ياأنت الذي تتحدث . لاتستعجل لتفتح الستار . الستار الذي أخفيته قبل
image

شكري الهزَّيل ـ كارثة "سلام الشجعان" : من هانت علية القدس وحيفا..هانت علية الاغوار وكامل فلسطين!!

د.شكري الهزَّيل من هانت عليه نفسه فهو على غيره أهوَّن وبائع الزيت لا يقول ان زيته عكر ومن اطاع هوا عدوه هانت علية الاوطان مقابل
image

عبد الباقي صلاي ـ أهمية الأفكار في حياتنا !

 عبد الباقي صلاي  الأمة الفقيرة هي الأمة التي على الرغم من حيازتها للثروات ما ظهر منها وما بطن،إلا أنها لا تملك الفكرة البناءة التي
image

العياشي عنصر ـ نخب السلطة وإدارة الأزمات!

د. العياشي عنصر  تعيش الجزائر منذ عقود ازمات متنوعة ومتتالية تزداد حدة وتعقيدا مع مرور الوقت. لاشك أن هناك عوامل عدة تقف وراء ذلك،
image

اسلام طبوش ـ الحراك الجزائري من التعتيم الإعلامي إلى الاستهداف ... صمود الحراك يغضب فرنسا و اولادها

اسلام طبوش    قام الحراك الشعبي علي ما عقده بيان ثورة أول نوفمبر 1954 وفق المبادئ الاسلامية عقدته أيضاً ثورة 22 فيفري السلمية...
image

فضيلة معيرش ـ حلم

 فضيلة معيرش ـ مسيلة /الجزائر  يضيق بها صبح الأمل وهي تسمع ما تم إقراره بمستقبلها ،تلقت وابلا من الطعنات المتتالية ودعت زميلاتها وقدمت طلب تنازلها عن
image

عبد الجليل بن سليم ـ لكي لا نقع في الفخ : مؤامرة و خرافة

 د. عبد الجليل بن سليم  في سنة 2004 العمال و الموظفين في شركة Apple تلقوا رسالة الكترونية من صاحب الشركة steve jobs يعلمهم فاها بانه
image

عبد الجليل بن سليم ـ تغيير، صراع ، احزاب السلطة ، Starsky & Hutch

 د. عبد الجليل بن سليم  منذ بداية حراك الشعب، و شي ناس كل يوم مباشر على الفسبوك و ينظروا علينا و راهم يقولو بان الصراع
image

وليد عبد الحي ـ توجسات الحرب الاهلية في الولايات المتحدة:

 أ.د. وليد عبد الحي  ما الذي يقف وراء تزايد المقالات والاستطلاعات والخطابات بل والدراسات العلمية التي تتحدث عن " سيناريو الحرب الاهلية في الولايات المتحدة"؟نزعم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats