الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | زكي شيرخان - ذاكرة

زكي شيرخان - ذاكرة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 زكي شيرخان 
 
 
 
ـ أتأمرني بشيء آخر؟
نبهه الصوت الحاد، فرفع رأسه محدقاً بمحدثه الواقف أمامه. خفض نظره، لمح قدح الشاي أمامه. ظل واجماً ينقل بصره بين الرجل وقدح الشاي.
ـ هذا ما طلبته، أتأمرني بشيء آخر؟
ـ ها… لا… لاشيء، شكراً.
متى طلب الشاي؟ رفع رأسه أجال النظر في المكان. متى دخله؟ أدرك أن المكان هو مقهى. وقعت عيناه على الرفوف المرصوص عليها مختلف أنواع عدد تحضير الشاي. هذا المكان مألوف لديه، وإن لم يدخله حسب ما يذكر إلا مرة واحدة مع شخص أجنبي، أراد أن يريه إحدى المعالم القديمة لمدينته. متى كان ذلك؟ اكثر من عشرين عاما. اخترقت انفه رائحة فروع أشجار التوت المحترقة. يحضّرون الشاي في هذه المقهى بنار خشب أشجار التوت. متى دخل المقهى؟ ومتى طلب الشاي؟ وأين كان قبل أن يلج المقهى التي طالما حلى له النظر إلى داخلها عبر زجاجها كلما مرق من أمامها؟ لم يتذكر رغم الجهد الذي بذله. ألقى نظرة فاحصة على ملابسه علها تذكّره. حتى هذه لم تعنه على التذكر.
"تذكر أي شيء يا هذا" خاطب نفسه التي بدء القلق يدب فيها. "تذكر أي شيء يخطر في بالك" حدّث نفسه ثانية. هاهو ذا يتذكر فلم "سبارتاكوس"، "الأستاذ أمير" مدرس الرياضيات في الإعدادية، والذي لم يكن يلبس ربطة عنق أبدا، عملية الزائدة الدودية التي أجريت له... هذه ذكريات قديمة. بالتأكيد قديمة كيف تسنى له أن يعرف إنها قديمة؟ نهض من مقعده واتجه صوب إحدى جدران المقهى حيث مرآة بالية عُلّقت عليها. وقف أمامها ونظر إلى وجهه الذي انعكس عليها. هذا وجهٌ قارب الخمسين من العمر. لم يُفِقهُ من دهشته إلا أنظار الحاضرين تتطلع إليه. أحس بالحرج فرفع يديه إلى ربطة عنقه كأنه يريد لها تعديلاً. وعاد مسرعاً إلى مجلسه. ثم هبّ واقفاً يتحسس جيوبه حتى عثر على محفظته، أخرجها وجلس. فتحها يتفحص ما بها. أخرج العملات الورقية ناظراً إليها بدهشة. هذه العملات لم يألفها من قبل. قرأ فئاتها، هالته أرقامها. وجد في المحفظة بطاقة شخصية، أمعن النظر إلى الصورة، إنها صورته. الوسامة بادية عليه. إسمه مدون عليها. أجال النظر في البطاقة، هاهو ذا تأريخ مولده الذي يعرفه، ولمح تأريخ تنظيم البطاقة. وسأل نفسه "في أي الأعوام نحن؟" أجال النظر في المقهى فرأى أحد الجلساء يقرأ صحيفة. توجه صوبه بسرعة وسأله "أهي صحيفة اليوم؟" نظر الآخر إليه من خلف نظارته أجابه بالإيجاب. مد يده واختطف الصحيفة قائلاً: "أتسمح" وقبل أن يأتيه الإذن كان قد جرّها من يده، نظر إلى تاريخها، ثم أعادها ودفعها إليه مع عبارة شكر قالها على عجل وعاد مسرعا إلي مكانه مهدود القوى، غير مكترث لأنظار الرواد. بين التأريخ المدون على بطاقته وهذه السنة ما يقرب من ثلاثين عاما.
أحس بأن عقله بدأ يغطس في ظلمة قاع بحر أفكاره. مرقتْ هبة هواء خريفي من باب المقهى لتلامس وجهه الذي أحس بحرارته وهو يمسحه من جبهته حتى ذقنه بباطن يده اليسرى هذه عادة يمارسها عندما تتلاطم أمواج أفكاره.
"حبيب رخيص" "لا لم يكن رخيص وإنما هو مشتق منه، على نفس الوزن". تذكّره. ذلك الشاب الداكن البشرة، ذا الصوت المنخفض، واللكنة الجنوبية، رفيق السلاح، وزميله في الخندق، وشريكه في القصعة، أيام الحرب. "أرخيّص وليس رخيص"... "حبيب أرخيص" تذكر اسمه الصحيح.
سنوات الحرب.
ها هو ذا يختصر عشر سنوات، فاصبح ما يفصل عامه هذا وذكريات عن حبيب أرخيّص ما يقرب من عشرين عاما. تبدد شي من قلقه بعد تذكره هذه الفترة. أحس بشيء من فرح يجتاحه. السنوات العشرة المختصرة لا يهمه أن يتذكر كل تفاصيلها الآن، المهم انه عاشها كلها. لم يكن ميتاً كـصاحب الحمار الذي أماته ربه مائة عام ثم أحياه ليقنعه بأنه قادر على إحياء العظام وهي رميم. دفع جذعه إلى الخلف ليسند ظهره، مد كلتا يديه في جيبي سترته يبحث عن علبتي السجائر والثقاب، فمن عادته أن يضع كل منهما في جيب حتى إذا سُرقت إحداها بقيت عنده الأخرى. ضحك في سره من هذا التعليل. أشعل واحدة ووضع العلبة أمامه ونفث الدخان بمتعة "ما ألذ أول سيجارة بعد جهد جهيد يبذله المرء" قال في سره.
وقع نظره على علبة السجائر، في الماضي الذي لا يستطيع تحديده، لم يكن يدخن هذا الصنف، بل وحتى لم يكن أصلا عند باعة السجائر.
نهض بشكل لا إرادي يريد المغادرة. وضع علبتي السجاير والثقاب في جيبي سترته. انتبه انه لم يشرب الشاي مد يده يلتمس قدح الشاي فوجده بارداً. "ترى كم مضى علي وأنا هنا؟" تسائل وهو يلحظ في الطرف الآخر من المقهى شيخا مسناً وقورا مهندما بدا وكأنه يراقبه. ما أن التقت نظراتهما حتى ارتسمت على شفتي الشيخ إبتسامة قرأ فيها وفي عينيه الواسعتين الشفقة والعطف. نظر إلى ساعته يريد معرفة الوقت. لم يميز عقربيهما، وبحركة لا إرادية مد يده إلى جيب سترته العلوي وأخرج نظارته. ما أن توضحت ملامح الساعة حتى تسمرت عيناه، وفتح فاه دهشة. تهاوى على المقعد وارتخت أطرافه إلى الحد الذي أعتقد أنه لو أراد أن يحركها ما استجابت.
هذا المقهى... له سحر على ذاكرته، ينشطها. هذه الساعة كانت هدية والد زوجته. غالية جداً. بدلا من كل رقم من أرقامها وُضع حجرا ً من الماس ومن النوع الثمين. إنها ليست كباقي الساعات المطلية بالذهب، بل أستخدم الذهب في صناعتها. قبل ما يقرب من عشر سنوات، عندما أراد أن يسافر دُفعَ فيها مبلغ يكفيه الوصول إلى أقصى الدنيا. أعتبر الآخرون إن قرار سفره جاء لحظة طيش. أعتبر هو قرار تخليه عن السفر جاء لحظة طيش.
هاهو ذا يختزل سنوات عشر أخر، بحيث لم يبق بين آخر ما تذكره وبين عامهم الذي هو فيه سوى اقل من عشرة من السنين التي خيل إليه أنها عجاف.
أراد بسفره أن ينوء آخرون بحمله. أراد أن يرمي بكاهله على مجتمع حتى بدون أن يستأذنه إن كان سيقبل به أم لا؟ هاهو ذا يتذكر تفاصل دقيقة عن حوار داخلي لقرار سفره في لحظة رمى كبريائه جانباً ورضي أن يعيش عالة على منظومة أخرى غير التي اعتدادها. وفي لحظة أخرى رمى بشجاعته جانباً ورضي أن يعيش مهاناً في المنظومة التي اعتدادها.
عجب من نفسه أنه لا يتذكر إلّا كل عشر من السنوات. بين العشرة الثالثة والثانية، وبين الثانية والأولى ماذا جرى؟ كيف قضى ما بينهما؟ هل… لا يعقل أن لا يستيقظ إلا كل عشر.
وإن كان ذلك فهل يُعقل أن يرضى بان يستيقظ بعد عشر أخرى؟ وأراد أن يمسك بلحظة يقظته هذه قائلاً لنفسه "قبل أن تبدأ إغفاءتي الجديدة والتي لا أعرف متى تبدأ، علّي مغادرة هذا المكان". نهض غير مكترث لنظرات الشيخ المسن الجالس في الركن الآخر من المقهى، وغير مبالٍ لدهشة الحاضرين من رواد المقهى، وغير عابئ بنداء صاحب المقهى الجالس قرب بابها يطالبه بثمن الشاي، ليجد نفسه على الرصيف يحث الخُطى.

شوهد المقال 799 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ خلف الستار

خديجة الجمعة  توجد أشياء خلف الستار . وقبل فتح المسرح الكبير ليراه العالم.  أنت ياأنت الذي تتحدث . لاتستعجل لتفتح الستار . الستار الذي أخفيته قبل
image

شكري الهزَّيل ـ كارثة "سلام الشجعان" : من هانت علية القدس وحيفا..هانت علية الاغوار وكامل فلسطين!!

د.شكري الهزَّيل من هانت عليه نفسه فهو على غيره أهوَّن وبائع الزيت لا يقول ان زيته عكر ومن اطاع هوا عدوه هانت علية الاوطان مقابل
image

عبد الباقي صلاي ـ أهمية الأفكار في حياتنا !

 عبد الباقي صلاي  الأمة الفقيرة هي الأمة التي على الرغم من حيازتها للثروات ما ظهر منها وما بطن،إلا أنها لا تملك الفكرة البناءة التي
image

العياشي عنصر ـ نخب السلطة وإدارة الأزمات!

د. العياشي عنصر  تعيش الجزائر منذ عقود ازمات متنوعة ومتتالية تزداد حدة وتعقيدا مع مرور الوقت. لاشك أن هناك عوامل عدة تقف وراء ذلك،
image

اسلام طبوش ـ الحراك الجزائري من التعتيم الإعلامي إلى الاستهداف ... صمود الحراك يغضب فرنسا و اولادها

اسلام طبوش    قام الحراك الشعبي علي ما عقده بيان ثورة أول نوفمبر 1954 وفق المبادئ الاسلامية عقدته أيضاً ثورة 22 فيفري السلمية...
image

فضيلة معيرش ـ حلم

 فضيلة معيرش ـ مسيلة /الجزائر  يضيق بها صبح الأمل وهي تسمع ما تم إقراره بمستقبلها ،تلقت وابلا من الطعنات المتتالية ودعت زميلاتها وقدمت طلب تنازلها عن
image

عبد الجليل بن سليم ـ لكي لا نقع في الفخ : مؤامرة و خرافة

 د. عبد الجليل بن سليم  في سنة 2004 العمال و الموظفين في شركة Apple تلقوا رسالة الكترونية من صاحب الشركة steve jobs يعلمهم فاها بانه
image

عبد الجليل بن سليم ـ تغيير، صراع ، احزاب السلطة ، Starsky & Hutch

 د. عبد الجليل بن سليم  منذ بداية حراك الشعب، و شي ناس كل يوم مباشر على الفسبوك و ينظروا علينا و راهم يقولو بان الصراع
image

وليد عبد الحي ـ توجسات الحرب الاهلية في الولايات المتحدة:

 أ.د. وليد عبد الحي  ما الذي يقف وراء تزايد المقالات والاستطلاعات والخطابات بل والدراسات العلمية التي تتحدث عن " سيناريو الحرب الاهلية في الولايات المتحدة"؟نزعم

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats