الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | نسيمة اللجمي ...... سخرت منّي ثمّ ..قصّة جوار جميل

نسيمة اللجمي ...... سخرت منّي ثمّ ..قصّة جوار جميل

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
نسيمة اللجمي


قبالة بيتي وبيت جارتي من الجهة الشّرقيّة شارع رئيسيّ وضجيج وفوضى... وتحت البيتين دكاكين ومقهى , وعلى الجهة الغربية تفتح نوافذ البيتين على حقل كبير وشقق فاخرة وطريق فرعيّ يعمّه الهدوء . في هذا الحقل يوجد الكثير من العشب الّذي ينبت في كلّ الفصول وقد طال وتشبّث بلونه الأخضر على مدار السّنة ....وكنت ألجأ إلى النّافذة المطلّة على الحقل ..أسرّح النّظر في الفضاء الغير محدود , وأنقل البصر ما بين الأرض الخضراء وزرقة السّماء أبحث فيهما عن شيئ من السّكينة للرّوح المتعبة ... في هذا الحقل زيتونة وحيدة ورمّانة وشجرة العنب .... الثلاثة أعطين أكلهنّ هذه السّنة ...وفي ركن من الحقل قصيّ , قفص صغير فيه دجاجة وأفراخها , تحبسها جارتي ليلا وتسرّحها نهارا و كانت تتسلّى برعايتها ...أمّا أنا فقد كنت أخصّص بعض الدّقائق لوضع أواني مملوءة ماء وشيئا الخبز في بعض نواحي الحقل الكبير من أجل الحيوانات العابرة : قطط وكلاب وطيور بمختلف أنواعها . كانت جارتي تعترض عمّا أفعله بحجّة أنّ هذه الحيوانات لا تقدّم لنا خدمة ولا تنفعنا بشيء ...وما أنفكّ أقنع جارتي بأنّ الله لم يخلق مخلوقا هباء ,,, وأحاول أن أجعلها تدرك أنّ ما أفعله هو رحمة من الله بهذه الكائنات ولست أبغي من وراءه شيئا . لكنّ جارتي لا تتوقّف عن السّخرية منّي لمّا تراني أفعل ولم أكن أغضب منها أبدا .
وذات يوم شكت لي احتياج دجاجاتها لبقايا الطّعام المنزلي ..وأخبرتها أنّني لا أرمي طعاما مطها أبدا وأنّ الشيء الوحيد الّذي في بعض الأحيان يزيد عن حاجتي هو الخبز ...فأخبرتني أنّ الدّجاج يحتاج لبقايا الطّعام ... ولمّا تكرّرت شكوى جارتي من نفس الأمر اقترحت عليها أن أعدّ للّدجاجة وأفراخها طعاما بسيطا غير مكلّف ..لكنّ جارتي صرخت بي : " إيّاك أن تفعلي " ..واتّهمتني بالتّبذير . ولكنّي تركت كلامها جانبا وطهوت مقرونة ببعض التّوابل وقليل من الزّيت لتكون قريبة من بقايا الطّعام في الرّائحة والطّعم .. وحملت الطّعام إلى جارتي وما إن رأته قالت لي " إيّاك أن تكوني قد أعددت هذا من أجل الدّجاج "" , أسرعت أقول لا.. لا أبدا ... لكنّي ارتبكت وضحكت , فضحكت طويلا وقالت لي : أنت فعلا مجنونة " ..والتقيتها بعد ذلك مرّتين وكانت في طريقها إلى دجاجاتها فتبتسم لي وتقول : " سأحمل "مقرونتك " إلى الّدجاج , وأقول لها مازحة : " بلّغيها سلامي و اعتذري لها بدلا عنّي لأنّ المقرونة بدون لحم .. قولي لها إنّي سأعدّ لها في المرّة القادمة مقرونة بأحد الأفراخ وستكون لذيذة " فتنظر لي جارتي نظرة خوف وارتياب ... فأستدرك قائلة :" لا تخافي منّي واحرسيها من الجرذان والكلاب " .. فتنفجر قائلة ك " ألست من تضعين الماء والطّعام لهذه الحيوانات وتقوّيها عليّ ؟ " ...فأقول بالعكس يا جارتي ..فهي لمّا تشرب مائي وتأكل طعامي لن تحتاج للحم دجاجاتك الّلذيذ ودمها الحلو...تقول لي جارتي مغتاظة " ومن أدراك بأنّ لحمها لذيذ ؟ "أقول : "سأتأكّد لمّا أذبح إحداها وأطهوها بالمقرونة ...ولن أنس نصيبك ونصيب الدّجاجات " . وأرى الغضب قد بدا فعلا على وجهها فأقترب منها وأهمس لها : " لماذا لا تصدّقينني لمّا أقول لك :" إنّ الحيوان لا يأكل وهو شبعان ....وإنّ المخلوق الوحيد الّذي لا يشبع أبدا هو الإنسان " . وتطرق جارتي رأسها وتسرح ببصرها ويعلو الحزن محيّاها .. وتردّد نفس القولة " آه يا ابنتي ..بنادم إذا شبع نطح " , وهو مثل تونسي يعني أن الإنسان إذا شبع تمرّد.
ولا شكّ أنّ وراء هذا المثل الّذي تردّده جارتي قصّة ألم قد تكون تتعلّق بهروب زوجها ... فهي قد قالت لي يوما " لقد جفّت دموعي صرت استعمل دواء جفاف العين " , فتجرّأت وسألتها .." هل أنت تبكين زوجك ؟ " , قالت : "أجل " , قلت لها :" لكنّه غادِر ولا يستحقّ منك دمعة واحدة " , وأدهشني قولها : " كلاّ هو ليس بغادر ولا بخائن ولم يسئ إليّ يوما .. كنّا سعيدين وترك لي خيرا كثيرا , وقبل رحيله كتب نصف أملاكه باسمي , وخرج يوما ولم يعد , لم يحمل شيئا معه , ملابسه لا تزال في الدّولاب , والآن قد مضى على رحيله اثنتا عشر سنة ولم يأت مرّة واحدة ولا سأل عنّي أو عن أبنائه ولا هو تزوّج ولا تفقّد يوما أملاكه ". كانت هذه قصّة جارتي المسنّة وقد صارت اليوم وحيدة بعد زواج أبنائها ...
لم نلتق أنا وجاتي يوما في بيتها أو بيتي , كلّ لقاءاتنا كانت في الحقل , وكلّ أحاديثنا كانت عبر نوافذ البيتين المطلّة عليه ...لكنّ البارحة كان الّلقاء في بيتي لأوّل مرّة حيث أنّي تعرّضت إلى صعقة كهربائية حين كنت أعالج بعض الأسلاك الكهربائية فلي معرفة بسيطة بهذا الشّأن كادت تؤدي بحياتي .. وقد سبّبت الصّعقة وقوعي حيث ارتطم رأسي بالأرض ثم تلته أزمة في قلبي العليل,,وعلمت جارتي بالخبر من ابني ... ورأيتها تدخل علي ّ وكنت قد استرجعت وعيي ولم أفطن بنفسي إلاّ وأنا في حضنها أبكي , وقالت جارتي محاولة تسليتي " المقرونة أنقذتك بفضل الله ورحمته , إنّها فعلا كانت صدقة وكانت عملا خالصا منك إلى الله , لقد قبل الله منك وجازاك به خيرا فأنقذت الصّدقة حياتك " , التفتّ إليها قائلة :" ولكنّك كنت تسخرين منّي وتقولين عنّي مجنونة " , قالت :" سخرت فعلا و أنا الآن أؤمن بأنّ الأعمال بالنّيّات "".

تونس

شوهد المقال 1686 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ معصمي

خديجة الجمعة  آه يامعصمي ،كم قلت لك :توقف ؟!ولم تتوقف لماذا؟حيرت فؤادي هل شكواي لك كثرت؟،أم المشاعر هي التي سرقتني لأكتب لك رسائل كثيرة؟. لماذا لاترد؟؟
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

1.00
Free counter and web stats