الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | حكاية لم تنته

حكاية لم تنته

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

بقلم : سونيا بوعمرين // تطاوين

------------------------
لا زالت تذكر تلك الأرض التي لمست ترابها ذات حلم، تذكر سمرة ذرّات التراب وقطرات الندى بينها وعشبا انتعش بها فاحتفل بأزهاره الملونة. تذكر حين وضعت يدها على إحدى الصخور الندية هناك قبالة غابة يكتنفها الغموض، في جوّ خرافي يغريها بدخوله والتوغل فيه. كانت تريد أن تحبس اللحظات فلا تذروها رياح الزمن لأنها اللحظات الأكثر عمقا والأشدّ تأثيرا في نفسها.
انتظرت حلول المساء هناك. في غياهب الغياب، نظرت نظرة مبهور إلى مساء فيروزي بدأت الشمس فيه تميل إلى عمق الأفق فتلبسه رداء يتخذ من تدرجات الأحمر ألوانا تختلط فيها الرقة بالقوة والحب بقسوة الفراق .
أخذت حفنة من تراب ونشرتها في الهواء فطار بعيدا و طال مدى النجمة الأولى الضاحكة في أفق السماء للشمس الراحلة بعيدا إلى الضفة الأخرى تحمل معها دفئها ونورها على أمل الرجوع بهما من جديد . . .
حبست أنفاسها لتسمع تغريد طيور الليل التي خرقت قوانين الحضر والخوف لتنطلق في فضاء غامض فسيح تغازل النجوم والقمر.
بقيت تراقب هذه المخلوقات التي تحوم فوق الغابة في ليل بهيم وكأنها تعبّ من شساعة المكان لحظات حريّة خفّ عنها الزّحام.
بقيت تتأمل هذا المجتمع الغابيّ الذي يعجّ بالحركة من بعيد فلا يغفل عن اختطاف لبها بليله ونهاره ويغريها بالغوص في خضمّه . هي رغبتها في اكتشاف المجهول واستكناه خباياه لكنها في قرارة نفسها كانت تشعر بانغلاق هذا الفضاء على سكّانه وهو ما يبعث فيها بعض اختناق كان كفيلا بدفعها خارجه. لكن حب الإطلاع هو ما يحركها لتعرف الأسرار فحملت في يدها شعلة يتصاعد لهيبها وانطلقت تبث النور في أطراف الفضاء.
سكت صوت الراوي وانطلقت من المذياع معزوفة النهاية في انتظار تتمّة القصة في حلقة أخرى، وأجال هو بصره في غرفة الجلوس كمن أفاق من سبات عميق ثم ركزه على لوحة معلّقة على إحدى الجدران. لم يكن من عادته الاستماع إلى المذياع لكن الصدفته حملته إلى عوالم الخيال الواسعة فقد كان مغرما بكل ما يبعث في نفسه تطلعا إلى المجهول، وهو الفنان الذي يرنو إلى الكونية الفنية المطلقة، يحاول بث ذاته في أعماله بألوان وأشكال تحددها رغباته وتطلعاته .
حملته الذكريات إلى جسر معلّق خارج المدينة يوم استوقف المارة لمشاهدة ما يرسم، يوم اتخذ من رصيف الجسر مرسما لينقل على المساحة البيضاء مشهدا تراءى له من أعلى هذا المكان الذي قبع فيه الجسر بمرتاديه. لم يكن اختياره للمكان اعتباطيا بل كان على يقين من أن كل من يرتاد هذا المكان الساحر قد جاء حتما يتعلم العشق وفنونه فالجمال يلين القلب والمشاعر أينما كان. مضى يراقب ويرسم فوق الجسر المعلق بين أعلى جبلين. كان ذلك المشهد الذي يراه يلامس بجماله أعمق نقطة من أعماقه فيخرجها على اللوحة ألوانا متدرجة، جوّ يغزوه الضّباب فوق قمم الجبال تبدو الأشجار أسفله غامقة الخضرة مائلة إلى السواد تفرق بين بعضها خطوط شديدة البياض هي العيون المنفجرة من الأعلى بمياهها العذبة ...
هي ذات اللوحة التي يشاهد تفاصيلها على جدار الغرفة، يراها كما لم يرها من قبل.
تذّكر لحظة قطع عنه احد المرتادين لذة المشاهدة والإبداع يطلب إليه أن يبيعه تلك اللوحة لحظة اكتمالها. فرد عليه بكلمتين "هي. . . أنا. . ." فظل الرجل مبهورا ولم يفهم للإجابة من معنى فصاحبنا تركه وغاص في لوحته من جديد. قد يعشق الإنسان مكانا حد الجنون فلا يرى نفسه إلا فيه فما بالك بعشق فنان لهذا المكان.
عادت به الذاكرة إلى ذلك الرجل الذي لم يتبين ملامحه لكنّ صوته ظل يرنّ في أذنه آت من الماضي يوم كان للفن قيمة تفوق كل مادّة و تتجاوز حدود الواقع الذي يحبس ظلاله على الصفحات البيضاء، مفارق للطبيعة التي مدّته بالألوان ومكّنته من نفسها دونما امتناع. خرج مجددا من ركح الذاكرة على رنين الساعة مؤذنة طلوع فجر جديد.
عاد إلى الواقع لكن ذهنه مازال معلقا بصورة المرأة في حكاية المذياع يتبين ملامحها وقد قرر في نفسه رسم ملامحها. وانتابته رغبة جامحة في معرفة ختام الحكاية.
خرج ذلك الصباح من البيت لاقتناء بعض الأغراض فرأى وجوه الناس واجمة، الكل مهتم بشؤونه، يركض وراء الحياة ركضا سريعا، يسرق من عمره لحظات يحقق فيها ذاتيته ويفرض وجوده وينحت له مكانا في المجتمع يريده مرموقا. كان الجميع واجما تبدو له الحياة على نسق عادي روتيني لا شي يتغير فيها ولا جديد. كم كان بودّه أن يُعلي صرخاته ويغير هذا الوجوم ويكسر الروتين. كان يمشي في الشارع ولا تقطع لحظات تفكيره إلا تحايا المارة من حين إلى أخر، فرغم انزوائه ظلّ معروفا في الأوساط الثقافية بروعة فنّه وغموضه. فقد كان يجنح بلوحاته إلى عالم الحياة المفارق لكل مادية خوفا من المتاعب. لكنّ المتمعن فيها يشاهد الواقع بكل تفاصيله و همومه.
عاد إلى بيته وهو يحاول فك رموز الحكاية من جديد يتخيّل ما يمكن أن تصنعه البطلة والى أين هي ماضية بشعلتها المضيئة.
دخل مرسمه ووضع الصفحة البيضاء وأخذ يفكّر، هل يبدأ رسم الحكاية كما تراءت في ذهنه أم ينتظر حتى يستمع إلى ختامها ؟
رن جرس هاتفه فمضى يرفع السماعة، ليسمع صوتا جهوريا: " مرحبا سيّدي "
-" تحياتي، مرحبا بك، تفضل. . . "
- سيدي الكريم، أتشرف بدعوتكم للانضمام إلى معرض يُقام بدار الثقافة فهل لك أن تكون حاضرا معنا، هذا شرف عظيم لنا. . . "
-" شكرا على كرم التفاتتكم سأفكر بالأمر وأعيد الاتصال بكم "
عاد إلى مرسمه مفكرا في أمر هذه الدعوة الجديدة التي لم تكن جديدة عليه في الواقع وان كانت المعارض قليلة.فخطرت في ذهنه فكرة، لم لا يرسم اللوحة الجديدة وتكون هي اللوحة البارزة في المعرض؟ راقت له الفكرة فانتظر حلول المساء وفتح المذياع من جديد ليسمع تتمة الحكاية.
" انطلقت أنوار شعلتها تملأ الفضاء، تمسكها وترفعها عاليا لترصد أرجاء المكان، ترى في ظلمة الليل كلما اقتربت إلى آخر المكان نورا منبعثا آت من بعيد فتنكشف لها كل التفاصيل، أشجار ملفوفة في أغصانها تعلوها طيور نائمة تشعر بحركتها فتصدر اصواتا حذرة تعلن وعيها بمن يدخل المكان رغم ظلمة الليل.
أخذت تشقّ الغاب بثقة ولم تبلغ طرفه إلا وقد انبثق الفجر من أفق جديد مؤذنا بعودة الشمس بما أخذته من نور ودفئ وحياة.
وجدت نفسها واقفة على شاطئ بحر ممتدّ، أمواجه هادئة، تتلألأ مياهه التي انعكست عليها أشعّة الشّمس الجديدة. بقيت تتأمّل مشهد الحياة وهي تولد من جديد فامتلأت نفسها بسرور غريب وشعرت أنها استطاعت اجتياز الظلمة وانطلقت إلى الحياة كما لم تفعل من قبل. . .
كان صوت الراوي خافتا شجيّا حنونا يلائم ساعة ما بعد منتصف الليل غمره بإحساس حالم وبدفء روحيّ أعاده إلى الجسر فقرر الرحيل إليه من جديد.
كان من عادته أن يقصد مكانا يقف فيه ويتأمل تلوّن الطبيعة بألوان الفصول. مضى والجو شتوي تهب فيه نسمات ندية تحمل معها رائحة أسطورية تنبئك برطوبة المكان. لم يتوقع وجود أحد على الجسر في ذلك الوقت المتأخر من الليل بل توقّع أن يظلّ بمفرده يتأمل ويختزن في ذاكرته أفكارا تنعشها من جديد، لكنه ،وعلى غير المتوقع، وجد شخصين، لم يتبين ملامحهما في البداية لكثافة الظلام حتى اقترب من المكان فإذا بهما رجل وامرأة، لم يُعرهما اهتماما وان بدا الاستغراب واضحا عليه، ربما أتى بهما إلى ذلك المكان ما أتى به.
لم يشعرا بوجوده ومضى كل منهما يسبح في صمته وقتا ليس بالقصير لا يكسر هذا الصمت إلا حفيف أوراق الأشجار وصوت المياه وطيور الليل تشعر ببرد المكان.
وأخيرا، كسر الرجل حاجز الصمت وكلّم رفيقته: " لازلت مصرّة على ارتياد ذلك المكان البعيد؟ في كل يوم تشهدين ميلاد شمس جديدة وتسرّحين البصر في ذلك البحر الشاسع تحملين الشعلة وتخوضين المغامرة دونما خوف؟ بتّ أخشى عليك وحوش الغاب وأشباح الليل، ها أنت الآن على الجسر أعلى الغاب ألا يكفيك هذا؟ لم تصرين على الغوص في أعماقه ؟
سمع صاحبنا الحديث فالتفت إلى الرفيقين وهو يمسح عينيه، و تذكّر قصّة المذياع، أصاخ السمع من جديد فإذا بها ترد على رفيقها بصوت رقيق: " لا تخش علي الغاب ووحوشه ولتعلم أنّ الوحوش لا ترى الحقيقة حين تنزل ولا تستطيع اختراق دروعها التي تقي ذوي البصائر النافذة، بل ادفعني إلى عمق الغاب من لحظة الغسق إلى طلوع فجر جديد ، ولتحملني بين يديك ولتلق بي في أعماق الظلام لينبعث من روحي وكياني نور اليقين يؤنسني إلى حين طلوع شمس جديدة .
أو تحسب أن الذين يُحجمون عن دخول الغاب أحياء؟الخوف والانزواء لن يزيدهم إلا عجزا عن خوض مغامرة الوجود والبقاء، يكتمون في دواخلهم الصوت الإلهي فيشقون به، لا تلمني على خوض المغامرة ولا تخش علي بل ابحث بين جنبيك عن نور اليقين وهيا معي لخوض مغامرة جديدة لاني أمضيت عمرا وأنا ابحث لي عن رفيق يعيش معي لذة المغامرة.
فما كان من الرجل بعد أن سمع كلامها إلا أن انسحب بصمت ومضى إلى أن توارى عن المكان وحولت هي بصرها إلى أسفل الجسر وكأنها كانت تتوقع ما حدث فلم تفاجأ. وما كان من صاحبنا الرسّام حينها إلا أن ذهب إليها. وقف بجوارها يتأمّلها آملا في قبوله هو لخوض مغامرة الرحيل معها، نظرت إليه نظرة لم يستطع فهمها جمعت بين مرارة الفراق وبين الرغبة في مواصلة التحدّي. فنظر إليها نظرة مستفسر يطلب الكشف عن سرّ عميق فانطلقت تتكلم وقد حولت بصرها من جديد إلى ما تحت الجسر فبدت وكأنّها تخاطب نفسها: " جلست ذات مغامرة على ضفاف ذلك البحر البعيد أعبث بذرات رماله الذهبية والذهن تائه والروح ليس لها مستقر أرى شساعة البحر وتغيير لونه في جو شتويّ رماديّ سحبه العابرة المثقلة بكآبة السّماء تلقي أحزانها على الوجود فتشعرني بقسوة الرحيل الدائم وحتمية القدر، وبدا البحر و كأنه ارتبط بالسحب بحالة عشق فنوى الرحيل معها ولم تمنعه إلا أعراف الطبيعة وما نشأت عليه من قوانين وشرائع . بقيت أراقب وأنا بين مد وجزر بين الرضا وبين الرغبة في كسر شرائع الحياة وقوانين الوجود تمردا.
وجدتني في مواجهة مع الطبيعة وجبروتها وبين النفس التي تجسدها بكل تفاصيلها، تائهة بين هذا وذاك.
وجّهت خطابها إليه وكأنها في تلك اللحظة فقط أحست بوجوده جانبها. " يا سيدي ما أروع أن يصفو الإنسان إلى نفسه في محاولة منه تحقيق مصالحة مع كل ذرة فيه. لكن قل لي، هل يستطيع ذلك حقا وقد جمعت النفس بين المتناقضات والأضداد؟ هل يستطيع أن يحقق الاستقرار والدنيا من حوله لا يقر لها قرار أم أنّه عبثا يحاول ؟.
نهضتُ من فوق الرّمال وقد طال بي التفكير، ورحت أتمشّى على الشاطئ ونسائم الشتاء تعبث بجسمي وروحي. بقيت ابحث عن رفيق يأتيني من البحر أو من اليابسة، المهم عندي أن يكون رفيقا، أجده معي لحظة صراعي الوجودي مع الذات والبحر، لكنني اكتشفت أن الرفاق الوجوديين عبثية مطلقة فكلٌّ يسعى إلى الهروب من ذاته ليحقق ذاتا أخرى مغايرة تحاول مسايرة الواقع بكل جزئياته، لكنهم عبثا يحاولون، فصراع الذوات مع البحر قائم أبدا وهو قدر محتوم. وبقيت في عراك مع نفسي أتساءل هل تجد روحي رفيقا أم تظل دائمة الترحال للبحث عنه؟
وكاد يرد عليها لكنه أفاق ليجد نفسه في فراشه يسمع دقات المنبه معلنة رحيل الليل وانبلاج صبح جديد. . . . . . . . . .
ـ 2 ـ
أمضى بعضا من الليل تائه الأفكار شارد الذهن. دفئ البيت لم يخلصه من كآبة اعترته في تلك الليلة الشتوية العاصفة .
فغادر إلى شوارع المدينة المضاءة بفوانيس عدة، مضى يتمشى على أرصفة الطرقات والسكون يلف أطرافها إلا من حفيف أوراق الأشجار يعبث بها نسيم قوي مثلما يعبث بأطراف معطفه، وسيارات تمر بين الفينة والأخرى تلفحه بحرارة دخانها وتكسر جدار الصمت.
بقي يتلذذ ببرد الشتاء وبقطرات المطر ويتمشى إلى أن وصل إلى مسرح المدينة، لاحظ توافد الرواد أمامه رغم برودة الطقس وعلم انه سيقع عرض مسرحية راقصة في تلك الليلة ، فقرر الدخول لمشاهدتها ولم يعر اهتماما للملصقات المعلقة على واجهة قاعة العرض لكنه كان يريد كسر حاجز الكآبة والملل.
تقدم إلى شباك التذاكر:
- " مرحبا سيدي، أريد تذكرة من فضلك . . ."
- مرحبا بك ، نعم تفضل ،هل تريدها في الصفوف الأمامية ؟"
- نعم، أكون شاكرا. . ."
- تفضل يا سيّدي. نرجو أن تستمتع بالعرض."
أخذ التذكرة ومضى. اتخذ مقعده في الصفوف الأولى وهو يسمع لغط الوافدين يتقاطرون إلى داخل القاعة وضحكات منبعثة من هنا وهناك.
جلس صامتا ينتظر انطلاق العرض. وبعد وقت وجيز أُطفأت أنوار القاعة ورفع الستار عن الركح وتركزت دائرة من النور على سطحه وسط تصفيق الحاضرين ، وأخيرا انبعثت موسيقى حالمة من إحدى أركانه ، وإذا في دائرة النور فتاة ترتدي فستانا ابيض فتبدو كملاك نازل من عرض السماء. انطلقت تلقي كلماتها بصوت دافئ حساس، فسكت الجميع وكأن على رؤوسهم الطير.
" في لحظة الوقوف بين السماء والأرض . . . . تتخلل ذكراك نسيج الذاكرة وتتغلغل إلى أعماق روحي التائهة التائقة إليك، وتجد نفسي في رؤية غيوم السماء عزاء، ويعبر وجهك مساءات الشتاء الكئيبة فينير دروب الأمل ويوقظ ذكرى الألف عام.
وترتسم الطفولة في عيون الشباب: طفلة سمراء حالمة ذات جدائل تركض خلف الأغنام إلى المراعي النائية، تسابق الربيع نحو جبال شاهقة هناك، ثم تعود إلى السهل من جديد وتنظر إلى علو الجبال نظرة مؤثرة عجيبة، وتلتمع العينان، فترى حبيبا قادما من هناك، من وراء الجبال، بطلا مغوار، وإذا هي أميرة القصر المفقود.
وتنأى الذكرى بعيدا، وأعود إلى رؤية الفضاء بين الغيوم والأرض واسمع صدى صوتك يهمس في أذن الحياة أن أحبيني واحلمي بشتاء سرمدي يحي ذكرى الجبل في روحك حتى الأزل . . . .
وايمم وجهي شطرا المشرق فيرتمي في أحضان نسيم ندي بقطرات مطر عابثة بكياني تجبرني على العودة من جديد إلى تلك المساءات الحالمة . . . . . "
ويسدل الستار من جديد وسط تصفيق الجمهور ليعود ويفتح انفتاحا سريعا ترافقه موسيقى إيقاعية تؤذن بدخول عدد من الراقصين ركضا إلى الركح وإذا بأحدهم يرفع الفتاة بين يديه وهي تتلوى بحركة افعوانية معبرة تجذب أنظار الحاضرين إليها. وتنبعث الأنوار في كل الأرجاء وتتضح معالم المسرح وإذا الجبل في الخلف شاهق وإذا الإنارة تجعل الجو غائما فعلا. وفي حركة انعكاسية موازية لمتوجات الموسيقى أعاد الراقص الفتاة إلى ارض الركح ومضى من جديد حاملا معه بقية الراقصين. وأطفئت الأنوار من جيد إلا من دائرة النور حولها ومضت ترسل صوتها برقة وعذوبة .
" على أعتاب الكوخ الأول
لآدم على الأرض
وعلى أعتاب الحب الأول
بينه وبين حواء . .
وجدتُك. . . .
ذكرت لمساتك الأولى
وكلماتك الأول
وقبلاتك الأولى
ودقات قلبك
لحظة النزول الأولى
إلى الأرض
في لحظة البكاء الأولى
في ادمعي . . .
عهدتك
في ولد الإنسان الأول
من رحم الأم الأولى
والأرض تقول للإنسان
" ولدتك"
تدعوه إلى الأديم
إلى منبته الأول
وتقول له
" ما طردتك"
أنادي كل شيء أول
واصدح في أفق الحياة
فقدتك
لكن. .
على يقين الحب الأول
وصفاء الحقيقة
وبعهد مقدس
عاهدتك . . . .
حركت المشاهد سواكن أفكاره من جديد وعاد بالذاكرة إلى امرأة عاهدها ذات يوم على حب ابدي، فنسي المسرح والراقصين.
سمع صوتها آت من ذلك الزمن الجميل يهمس في أعماق قلبه: " أنا لم اعرف أحدا من الرجال سواك، ولن اعرف، يا من ملكت صفات الرجال، أين مضى الزمن الذي قضيته نائية عنك، لقد كان فضاء مغلقا يكتم أنفاسي ويئد أفكاري في داخلي، لقد حركت سواكني وأيقظت وجداني بهمساتك، لقد عاهدت نفسي أن أظل لك ماحييت. فأين عهدك لي ؟
أجاب وقد سكنت بواطنه مشاعر الحب والحنان وهو يراقبها بكل ما يملك من اهتمام " بقداسة الحب الذي جمعنا أعاهدك، لن أحب امرأة سواك. . . "
ذكر حين بقيا صامتين بعضا من الوقت وعيونهما تتكلم ودموع الشتاء تغسل كل شيء فتزيد من طهارة حبهما.
توالت عليه المشاهد فانسحب من مدارج المسرح بصمت واكتفى بما سمع وشاهد.
غادر من جديد يمشط طرقات المدينة فساقته قدماه إلى شجرة في طرف احد الشوارع، القي تحتها كرسي يجلس عليه المارة فذكر أيام كان يجلس عليه و إياها يتحدثان طويلا ويحلمان بأيام قادمة.
هبّ نسيم قوي حرك معطفه وحمل شذى عطر لطيف دغدغ انفه ، فالتفت فإذا بامرأة واقفة بصمت ترتدي معطفا اسود طويلا وحذاء تلمعه مياه المطر يتطاير شهرها على أكتافها وجبينها.
لفت انتباهه وجودها لكنه لم يحرك ساكنا ولم يجرئ على مخاطبتها حذرا من أن ينعت بالتطفل، لكنه ظل في داخله متشوقا لمعرفة حقيقة أمرها. وبينما هو شارد الذهن يفكر اذ بسيارة سوداء تقف بجانب تلك المرأة ففتحت الباب وركبت ومضت دون أن يعلم عنها شيئا فجزم بأنها كانت تنتظر حبيبها.
وعاد يتمشى على أرصفة الطرقات يحاول الهروب من الذكريات التي تتدافع في ذهنه.
أمضى وقتا طويلا وهو على تلك الحال إلى أن قرر العودة إلى البيت دون أن يخطر بباله الذهاب إلى
ذلك الجسر من جديد. . . . .
ـ 3 ـ
أفاق ذلك الصباح على صوت الباب يطرق فنهض متثاقلا و فتحه فإذا بساعي البريد يلقي التحية و يسلمه رسالة مختومة بعطر أنثوي .
أغلق الباب و مضى و هو يحاول تمزيق الضرف و عيونه ناعسة ، فتح ورقة كانت مطوية و قرأ .
"لازالت أذكرك بمعطفك الأسود القاتم و قطرات المطر تسقط على وجهك و جبينك و حذائك ، أذكر ذلك الكرسي الملقى أسفل تلك الشجرة القابعة هناك وحيدة مثلي ، أحنّ إليها حنين شيخ إلى ماضيه البعيد . و تسقط في نفسي خيالات السنين ، و تئن همسات العشق تحت وطأة الفراق . لا زالت أذكر أصابعك و هي تعبر خصلات شعري الكستنائي الطويل . و ترتمي على كتفي و يقترب جبيني من شفتيك و تنطبع قبلة الشوق المشتعل نارا في كبد الفراق، لازلت أشعر بأنفاسك تجتاح كياني بآهات عشق سرمدي. و تنسحب الذكرى على كل ما حولي كإنسحاب الريح تحمل قطرات المطر . . فتغسل أغصانا جرداء و تعدها بربيع جديد . و تغسل دموعي أفنان روحي في إنتظار ربيع باق على مر الفصول يمحو أسى نفس تعبت من البحث عن كيان تائه في دجي اللاشيء ".
طوى الورقة و أعادها إلى الضرف من جديد. و صدى ما قرأه يرجع في قلبه و فكره. و يملأ فراغ الروح السابحة تبحث عن روحها . و يجيل بصره في غرفة الجلوس . و ينظر إلى تلك اللوحة المعلقة على الجدار و يصيخ السمع ، قطرات المطر تقبل كفوف الأرض فيبعث صوتها فيه طمأنينة الحياة و ينبعث دفئ جميل في نفسه حين يرى نار المدفأة يغازل برودة الشتاء . نهض من فوق الأريكة ووقف أمام النافذة ، رفع ستارها فبدت مياه الأمطار على الطرقات سيولا يراها بضبابية حجبت بلور النافذة . و تبين بعض المارة في معاطفهم يحملون مطرياتهم و يسارعون في الاحتماء من المطر ، و السيارات أشعلت فوانيسها تنير الدروب امام سواقها .ظل يراقب روعة ذلك المشهد إلى أن توقف المطر عن النزول و أنقشع بعض السحاب ليطل شعاع من الشمس المختفية و تنعكس أشعته على مياه المطر.فجلس يحتسي قهوة الصباح . و فتح رسالتها من جديد . قرأها مرات و مرات . و قد إنتعش برائحة القهوة الذكية فارتسمت هي أمامه جالسة إلى المائدة تشرب عصير برتقال طازج . و تقرأ أخبار الصباح. سألته ذلك الصباح عن مشاريعه الفنية الجديدة و عن معرضه الجديد و عن الجسر ، كان الجو باردا و كانت هي و لا تزال من المعجبين بفنه و من المخلصين له . و فجأة و بحركة سريعة ألقت الصحيفة من يدها و إقتربت منه طبعت قبلة على خده و طلبت إليه أن يمضيا المساء معا على الجسر . طلبت إليه أن يسيرا معا تحت المطر حيث تعبث الريح بروحهما و جسديهما معا.....
لم يكن قادرا إلا على تنفيذ طلبها الذي يتوافق مع روحه فيذكي اشتهاءه لها و للطبيعة الممطرة .
يصحو من ذاكرته من جديد . ليجد الصحيفة ملقاة أمامه و بخار القهوة يتصاعد من فنجانه يغريه بمرافقة أنثاه الساكنة في الذاكرة و خوض التجربة من جديد.
عبر الطريق المؤدية إلى ذلك الجسر و الريح تعبث بمعطفه الأسود الطويل . فتحمل أريج الطبيعة إلى أنفه و روحه . و تبلل قطرات الرذاذ نظاراته فتحجب الرؤية أمام عينيه و تغدو الصور كلوحة إنطباعية. وصل مكانه المقصود فوجدها واقفة تتلذذ بلذعات البرد و رذاذ المطر . كما يتلذذ الريح بالعبث بخصلات شعرها الطويل . رأها تتأمل الوادي أسفل الجسر و قد علا خرير المياه منه . فبدا لها فرحا بالمطر، تحرك الريح أغصان أشجاره الكثيفة بعنف مقصود، وقف بجانبها و سألها قائلا :" ما الذي جاء بك إلى هنا ،هل سمع قلبك صوت قلبي يناديك ؟ " لم تحرك ساكنا و ظلت تنظر إلى ما تحت الجسر و قالت "لا زلنا نقاوم السقوط كأوراق الأشجار. لا زلنا نسير في درب الحياة كهذا النهر، أتذكر حين التقينا ذلك اليوم هنا من شتاء ذلك العام. لا زالت أخوض تجربة الرحيل و لن تهدأ روحي حتى أجدك من جديد ."
ظل يسمع كلماتها بصمت و اهتمام محاولا فك شفرة تلك الرموز التي تعودت أن تلقيها إليه معولة على حسّة الفني و روحه الشفافة في فهمها .
أمضيا معا وقتا ليس بالقصير ثم و بحركة واحدة التفت كل منهما إلى أخر و أرسل إليه نظرة تغنيه عن كل لغات الكون و أخذ كل منهما طريقة و غاب عن الأخر.
أفاق من نومه و كان الوقت أصيلا ، مضى إلى الحمام يجمّل مظهرة . أخذ قنينة العطر ووضع منها على كفيه و أنفه و هو سيتنشق بإنتعاش ثم ذهب إلى المطبخ فتح الثلاجة و أخذ منها بعض العلب و الفاكهة و مضى بتناول فطوره هادئا . سيترجع المواقف الماضية غير متأكد ما إذا كانت حلما أم يقضة. هذه المرأة التي صارت تسكنه في كل تفاصيله و تملأ عليه فراغه بتناقض غريب بين الحقيقة و الخيال فتزيده إغراء يوما بعد يوم و تدفعه أكثر إلى مواصلة البحث .
خرج في مساء ذلك اليوم ، يتمشى في شوارع المدينة و قد ارتفعت سرعة الريح و تلبدت السماء بغيوم رمادية ماطرة ثمّ عاد أدراجه إلى المنزل و الريح تعبث بمعطفه و قلبه . فتح الباب و دخل ، أحس بدفئ المنزل و هدوئه .
خلع معطفه و علقه على الحامل بجانب الباب ثم خلع حذاءه الملل و مضى يعد حماما ساخنا . و ذهنه معلق بصورة أنثاه الغريبة التي تلاحقه في الحلم و في اليقظة .
إستحم و دخل غرفة الجلوس ، لم تكن لديه رغبة في النوم فهو معتاد على السهر المتواصل . صب فنجانا من الشاي من الإبريق بجانبه و فتح مذياعه القديم.
ما أروع تلك البرامج التي تبث بعد منتصف الليل . إذ تنبعث الموسيقى هادئة حالمة فتذكى قريحته و تحمله إلى رفع القلم و كتابة ما تجود به، فالقلم و الورقة ليسا بعيدين عنه تماما كاللوحة والفرشاة . فأخذ يكتب حوارا بين عاشقين
قالت : "
عدوت خلف صبحك
ليال كثيرات
حين كنت أرسمك
أت من وراء
نخلتنا البعيدة
و استحضر نسمة صوت
فيروزي
يذكرني بلقياك
فأجدد أماني السائرات
عبثا...
وراء ظل زيتونتنا
و يغمر شفق المكان
قلبي
فأقف ... أتأمل
حمرة الشفق
تؤذن ببداية الأحلام...
و أعبر وطن الأحلام
إلى الامكان...
وأذكرك...
بعد سنوات مديدات
تائها – عابثا
بليالي السابحات
قال:"
وصلت إلى
موطن الذكرى بعد لأي
فحدودي شفق السماء
وجدتك واقفة
على أعتاب بابي
فتحت ذراعي إليك
إندفعتي نحوي
طفلة الروح
تهذي قبل أن تنام
أن أحبك كصغور مدنيتنا
أحبك
كعشبة نبتت على تراب أرضنا
أحبك
كوطن الذكرى...
فتحت ذراعي
و مسحت دمعا
مسحت جراح الروح
عن وسادتك القديمة
و سمعت صدى صوتك
آت من الأفق
خلف ذلك الحبل البعيد
و يردد الحبل صداه
ركضت نحو صوتك
فلم أجد إلا أنين
و قد إنكفأت على جرح الوحدة
ترممين من إنكسر و تحلمين
بموسم الحب الذي
غاب بين طيات السنين
قالت :"
تأخر الحب الذي
رسمته
على كف الوجود من سنين
كنت أبحث
في دنياي عن ذاك الحنين
الذي يأخذني إليك
و أعلل نفسي بلقياك
كل حين
قال : "
يا ذلك الصوت
الذي يردد ذكراها
مازلت أركض نحوها
علّي ذات يوم
أطول مداها
أُسكن جبيني
على صدرها
و أحلم بوقع خطاها
على سكينة قلبي
فتجتاحني مواكب الحنين
و تحملني إليها ....كل حين ...

شوهد المقال 1024 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عاشور فني ـ التاريخ الثقافي المقلوب ..الجزائر رسمت ابجديتها تاماهق

د. عاشور فني  على حجر عمقه آلاف السنوات أحاول أن أتهجى حروف اسمها. وامام خيمة تضيئها أشعة الشمس الأولى بعد الليلة الأولى بصحراء تادرارت
image

نجيب بلحيمر ـ العلاج بالحرية

نجيب بلحيمر   الأفكار لا تجابه بالسجن، والذين تزدري أفكارهم، أو تحسبهم جهلة، هم في النهاية يعتنقون فكرة مهما كانت مشوشة أو مشوهة. نعيش في مجتمع مغلق، ويحكمنا
image

السعدي ناصر الدين ـ زروال

السعدي ناصر الدين في اليوم الثاني من زيارتي بجاية حيث اقضي كل عام جزء من عطلتي السنوية توجهت مع الاولاد الى تيشي وقضينا يوما رائعا..عدنا
image

عثمان لحياني ـ بكل وضوح : عند رأي خبيه عندك

 عثمان لحياني  "عندك رأي خبيه عندك ، لا تكتبه في الفايسبوك، لا تخرج هن ولي الامر"..لن تستطيع المؤسسة الرسمية أن تكون أوضح من هذا الوضوح
image

رشيد زياني شريف ـ حتى لا يختلط علينا الأمر ونخطئ المعركة

رشيد زياني شريف   ما تطرقت إليه في منشورات سابقة وجديدة بشأن اللغة العربية وما يدور حولها من حديث وحروب، واعتبرتها فخا ومصيدة، لا يعني
image

محمد هناد ـ من وحي الحراك !

 د. محمد هناد  اعتبرني أحد المعلقين وكأنني اقترفت إثما عظيما بمقارنتي الحراك بحرب التحرير. ولعله، مثل الكثيرين، مازال يعتبر هذه الحركة، الضاربة في عمق
image

زهور شنوف ـ #الجمعة66 لا تختبروا صبر "الصبارة" أكثر!

 زهور شنوف    يوم الجمعة 10 جانفي 2020 التقطت هذه الصورة.. كانت تمطر يومها.. تمطر بغزارة، وهذا الشاب يقف تحت شجرة في شارع الشهيدة حسيبة بن
image

عبد الجليل بن سليم ـ نشطاء الحراك تشوه إدراكي إنحياز تأكيدي.. باش نفيقو

عبد الجليل بن سليم  منذ بدأ حراك الشعب و كل ما كتبته أو على الاقل حاولت كتابته كان نقد للنظام و سياساته و منذ عوام
image

وليد عبد الحي ـ عرض كتاب:ابن رشد وبناء النهضة الفكرية العربية(7)

أ.د . وليد عبد الحي يقع متن الكتاب الصادر عام 2017 في 305 صفحات (منها 20 صفحة مقدمة ومدخل) وتم تقسيمه الى 3 ابواب و
image

العياشي عنصر ـ الجيش؛ الجيل، التعليم والسياسة

 د. العياشي عنصر  عندما يطرح موضوع الجيش في الجزائر خلال المناقشات ، ويقع التطرق الى مكانته ودوره في الحياة السياسية عامة، وموقفه من الحراك الشعبي

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats