الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | نكش السطور و العود و الحمار

نكش السطور و العود و الحمار

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
جلس الطفل على حافة الساقية و رجلاه في و سطها، و كلما تدفقت المياه إلى تلك السطور التي ينكشها أحس بغبطة و انتصار كأنه يصنع بحاره ، و حين ملّ نظر إلى العود الملطخ بالطين ، و نفسه لا تطاوعه في رميه ، كأنه يرفض أن يتخلى عن مضغة من صلبه، لم يرمه و لكن وضعه بجانبه ، ثم نظر إلى السماء يستطلع أمرا ، فشرعت تلهيه بلعبتها الأزلية ، تستعرض له دمياتها فتتشكل له أشكالا حسب الطلب ، حتى استرخى ، فرجع بظهره إلى الخلف ،و استلقى على الأرض ليقابلها فيطلب ما يريد .. ها إنه لا يشعر بالمتعة الكافية ، يحاول أن ينظر إلى السماء و هو شبه مغمض العينين، تلتحم أشفاره لتختلط مع سعفات النخيل ، فينفذ إليه النور كأنه في كهف ، يحس بزحف كتائب المياه على رجليه و هي تتمسح بجلده و تتحرش به ،لا يأبه لها ،بل يركز في متابعة معرض الصور المفضلة لديه ..يتبخر الآن السأم من كل خلية في جسده فينسجم مع المشهد ، ويحس بروحانية تسمح له بالارتقاء إلى فوق ليرافق دمياته .
من فرط تناغمه مع لعبة الدُّمى لم ينتبه لدخول شيء غريب على المشهد قد اقتحم عليه عالمه ، شيء أسود كأنه حذاء ممزق .. ينخطف فجاة ، وينتفض من مكانه، فإذا أمامه كائن يسمى الحمار..
ـ بسم الله الرحمن الرحيم ..كيف تجرؤ أيها الحمار و تقطع عليّ خلوتي ؟!
ينظر إليه الحمار بجنب و بتحد كأنه يتجاهله ، لم يدر الطفل إن كان الحمار ينظر إلى جهته أو ينظر إلى جهة أخرى..لكن عقله لم يتباطأ في إمداده بفكرة ، كلمح البصر برز أمامه موقفه الأسبوع الفارط مع الكلب الذي هاجمه ،حينها لم يخف منه بل تقدم إليه متظاهرا بمبادلته الهجوم مما أرغم الكلب على التراجع تلقائيا،حدث نفسه الآن:
ـ ربما نفع مع الحمير ما نفع مع الكلب ،فشأنهما سيان ، فالكلاب نحمّلها عبء أمننا و الحمير نحمّلها عبء أجسادنا و أمتعتنا ، و نحن نستدل بألحان الكلاب على اللصوص ، و نستدل بألحان الحمير على الفنانين ، تبا لهذه الحديقة التي لا تفاجئني فيها إلا هذه الأصناف ، أتلهف ليوم يقاطعني عصفور أو فراشة!
تقدم الطفل خطوتين في حركة أرادها أن تكون سريعة و جريئة ليخيف الحمار، لكن الحمار لم يعبأ به ،حثا في وجهه حفنات من التراب ، لكن الحمار أدار وجهه غير متأثر بشيء من هذا ، صاح في وجهه طويلا ،لكنه رأى الانشراح على وجهه ، أدرك المستوى الذي انحدر إليه، نظر حوله ليتأكد من أنه لا أحد يوثق غباءه ، و حدث نفسه ثانية:
ـ لن أتركه ينال مني ، لن أسمح لكائن نكرة ليس له علامة مسجلة في الإيذاء أن يهزمني..
فليس للحمار عضة مشهورة كما الكلب ، و لا لسعة مرهوبة كما العقرب و الأفعى ، للأسف فإن أذاه غير مصنف في الكتب ، ماذا أقول لأبي ؟ عضني حمار ، ستذهب عني كلمة عضني ، و تلتصق بي حتما و إلى الأبد كلمة حمار.
نظر وراءه فوجد الساقية ، حدثته نفسه بالقفز عليها للهروب..
ـ لست حمارا لأهرب من حمار،سأمتطيه ، و سيرى مني ما يسوءه .
قفز قفزة فارس واثق من نفسه ، لكن الحمار انتفض مرة واحدة فأسقطه سقطة قوية في الساقية، لقد جهل الغرير المسكين أن سقطة الحمار مسجّلة ،تألم و لكنه ما زال يافعا فلم ينكسر فيه شيء، لم يتفطن كيف وجد بين يديه ذلك العود الملطخ بالطين و الذي كان ينكت به السطور، هاهو الحمار يهجم عليه فاتحا فمه ليعضه عضة الدهر كله، و يترك عليه وسما لن ينساه ، فظيع أن تنتهي القصة بانتصار الحمار على الطفل الحالم ،لم يكن ليتحمل هكذا نتيجة،استجمع قوته ، وضم أصابع يده يقوة على العود ،وما كاد الحمار يقترب منه حتى غرز العود في عينه بسرعة و بقوة مطلقا صرخة ارتبكت منها دمياته التي لم ترى منه لأول مرة هذا الوجه الجديد، و نهق الحمار نهيقا يحمل في طياته كل أصوله الحمارية، و رجع بدمائه من حيث أتى .
أدرك الطفل منذ هذه الحادثة مخاطر متابعة دميات السماء ، لكنه تعلم الوثوق في عوده، فبقي محافظا عليه و لم يتخل عن نكش السطور بجانب الساقية .
 
 
 

شوهد المقال 1313 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ الفارس الملثم

خديجة الجمعة    وفي ليلة ظلماء أسهبت بنظري للسماء محلقة بفكري . علني أجد شيئا ما بداخلي. وإذ بي أراه حقيقة لاخيال وتلعثمت حينها . وفركت عيني
image

عادل السرحان ـ شهداء الجزائر يعودون

عادل السرحان                   أهلاً بمَنْ فدّى الجزائربالدمِإذ عاد مزهواً بأجمل مقدمِأرواحهم قد حلّقت فوق  العُلاورفاتهم مسك يضوع بمعصمِ مُذْ في فرنسا والجماجم عندهاشطر الجزائر تستديرُ لتُحرمِسبعون عاماً بعد
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في
image

وليد عبد الحي ـ حماس وفتح: تمويه الاستراتيجي بالأخلاقي

 أ.د.وليد عبد الحي  الاعلان الاخير عن لقاء قيادات من حماس وفتح لبحث " تحقيق وحدة وطنية" للرد على القرار الاسرائيلي بضم اجزاء من الضفة
image

عبد الجليل بن سليم ـ مناورة النظام الجزائري اطلاق معتقلي الرأي وهو في la crise و كل قرد و بنانتو the red herring gambit

د. عبد الجليل بن سليم  أولا الحمد لله على أنه هناك مجموعة من معتقلي الحراك من أبناء الشعب أطلق سراحهم (الحمد لله على السلامة كريم
image

العربي فرحاتي ـ لنتعامل مع الحقيقة التاريخية لا مع تجار الحقيقة التاريخية

د. العربي فرحاتي  فسر لجوء بومدين بعد انقلابه على بن بلة ١٩٦٥ إلى تجميع رفاة قادة الثورة وإعادة دفنهم تكريما لهم..بأنه بحث عن شرعية ثورية
image

طيبي غماري ـ الذاكرة والتاريخ ..والسيدة التي ساعدتنا في مركز ارشيف ماوراء البحار بفرنسا

 د. طيبي غماري   بمناسبة النقاش حول الذاكرة والتاريخ والأرشيف ومراكزه، ساقص عليكم هذه القصة التي أتذكرها دائما وارغب في روايتها كلما أتيحت لي الفرصة. في
image

محمد زاوي ـ فريد علي بلقاضي وابراهيم سنوسي الباحثان الجزائريان ودورهما في استرجاع جماجم القادة شهداء الجزائر ..الجماجم عار فرنسا

زاوي محمد   يرجع الفضل في اكتشاف جماجم القادة الأولين للمقاومة الجزائرية لمواطنين جزائريين ليس لهما أي إنتماء حزبي في الجزائر ولا أي متدادا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats