الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | محمد محمد السنباطي ..... الفنان

محمد محمد السنباطي ..... الفنان

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

محمد محمد السنباطي

 

 

منذ عام أو أكثر استأجرَت أختُه شقتها الجديدة في المدينة الساحلية، وكلما دار بينهما اتصال تليفوني دعته ليزورها، وتغريه بأن المكان جميل، شعبي، خفيف الظل. سيقف في الشرفة المطلة على شارعين يرقبُ الناس أشكالا وألوانًا، رائحين غادين، فينسى هموم الدنيا، ويقول له زوج أخته إنه إن جاءهما في الصيف أخذاه إلى البلاج وسينزل معهما ليبلبط في الماء، وإن زارهما في الشتاء سيفتنه المطر الذي يسّاقط على المدينة فيغسلها لتغدو بعد النوّة طازجة يانعة كسيدة شابةٍ مستحمة. لماذا هو منغلق على ذاته هكذا؟ ألا يشغله في الحياة سوى الكتب والمراجع؟
وبعد إلحاح جاء فتأكد وهو يطلَّ من الشرفة أن عمرًا طويلا تسرب من بين أصابعه هناك في القرية النائية....
لمح أبراجًا عالية تحجب شبكة المحمول عن منازل هزيلة متهرئة تقعي عند سفحها كأنما تحصي الأيام لتسقط على ساكنيها. البناء هنا من غير رخصة، هكذا أخبرته أخته، "اذهب إلي "الحي" وتفاهم معهم!"
ثمة فرن بلدي قريب، لذا تتهادى فتيات وسيدات عائدات والخبز القابب في الشبك يحملنه إلى بيوتهن، بعضهن في عباءات سوداء وأكثرهن في أزياء حديثة، والمفاتن من جميعهن بارزة. 
قال زوج أخته: "متع بصرك يا صديقي القديم!"
أما أخته فقالت: "فرن عم اسماعيل خبزه جيد لذا يتزاحم الناس عليه".

 

 

أمام السنترال شبّان وشابات يتضاحكون، وفي الشارع الصاعد صوب طريق البحر، وتحت شمس الربيع، ثمة منضدة بلياردو ببساطها الأخضر وكراتها اللامعة الرنانة، وقوائمها الضخمة، واثنان من الصبية كل منهما يغمض عينًا ويدفع بعصاه الكرة التي تصطك بغيرها وتتدافع لتسقط في مهاويها، أما في الناحية المقابلة من الشارع فثمة تقفيصة دواجن وامرأة عارية الكتفين تقذف فضلات الطعام إلى المناقير المتأهبة.
يمكنه أيضًا أن يلمح قبة مسجد كبير في وسط الشارع، ومسجدًا أكبر منه في آخره، وثالثا في الجهة الأخرى إذا تحرك في الشرفة جهة اليسار، وتأتيه دقات نواقيس مشبعة بالحنين تؤكد أن الكنيسة قريبة، لكن الذي شد انتباهه أكثر هو ذلك الرجل الذي يرتدي فوق جلبابه الأبيض جاكيت جلد بني محروق، وينام فوق كتفيه شعره الرصاصي الناعم، أما قدماه ففي حذاء بلون الجاكيت. تابعه حيث مال إلى شارع جانبي فتبين له لحية صغيرة تمتد تحت مقدمة ذقنه بينما صدغاه خاليان تمامًا من الشعر، محلوقان بعناية، وفي السهرة وصفه لأخته وزوجها فشهقا معًا: "إنه فنان كبير!"
وضحكت أخته بينما استمر زوجها مندهشاً: الفنان؟ كم يبدو غريبًا عن سكان هذه المنطقة وإن كان مشهورًا تمامًا ويحفر في الخشب ويصنع نماذج لمساجد عتيقة وقلاع وكاتدرائيات، وتم تكريمه في مهرجانات، إنه يسكن في برج الأندلس وهو مع شهرته متواضع جدًّا جدًّا...
- أتمنى لو أتعرف عليه!
- هل تعرف، تقول لزوجها، إن المرأة التي جاءت هنا يوم الخميس قبل الماضي لتحكي لك عن زوج ابنتها الذي يهينها، أم سويلم؟ لقد ابتاعت منه طبلية منقوشة بأضعاف ثمن مثيلاتها، دفعت المبلغ عن طيب خاطر رغم حرصها القريب من البخل.

 

 

ويزداد صاحبنا شوقًا للتعرف عليه.
في اليوم التالي وأذان الجمعة يتردد من مكبرات الصوت الكثيرة المنتشرة في الحي، خرج للصلاة في الجامع الكبير، في آخر الشارع، بينما توجه زوج أخته إلى زاوية قريبة قال إن الخطيب فيها يلقي أسرع وأقصر خطبة في التاريخ.

 

 

وفي طريقه لمح الفنان متجهًا إلى نفس الجامع الكبير فقال: "ميولنا واحدة!"
وكاد يقترب منه ويتعرف عليه لولا أن وجد رجلا آخر يستوقفه فسبق هو مؤجلا اللقاء إلى ما بعد انتهاء الصلاة.
وصل إلى المسجد وكان الإمام يصعد المنبر بتؤدة. أسند ظهره لحائط جانبي ليريح ظهره ويكون المنظر مفتوحًا أمام ناظريه من كل اتجاه. رأى الفنان يدخل ممسكا حذاءه البني بيسراه ثم ينحني ليضعه في الركن الخلفي بعيدًا عن أي حذاء آخر. "حتى حذاء الفنان ينفرد عن باقي الأحذية!"

 

 

تركه وراءه وراح يتخطى الصفوف إلى أن وصل إلى مكان خال في الصف الأمامي. والخطيب يعلن أنه سيتناول السيرة النبوية المطهرة، لكنه وهو في وهج تألقه اضطر للتوقف لأن جلبة غير عادية دوت في المسجد، واستطاع من على المنبر أن يتبين رجلين اثنين يتجادلان في غيظ وحنق، وكل منهما يدعي أن الحذاء حذاءه.
يصيح العجوز الواهي الذي بيده عصا غليظة، وعلى كتفيه حرام أزرق باهت قديم:
- جزمتي جزمتي!
والآخر، القوي المتين البنيان، ضخم الكرش، يقول: "كيف يكون هذا حذاءك ورجلك هكذا؟ كرجل طفل؟ هذه لا يمكن أن تكون مقاسك!"
وتكأكأ حولهما بعض أهالي المنطقة واستخلصوا الحذاء من يدي العجوز الذي تداعى نحو مكان الأحذية ووقف ممسكا بشبشب بلاستيك مهزول، صار يحدق فيه ويهز رأسه بينما انصرف الناس إلى أماكنهم، والرجل مازال يمسك الشبشب، واستأنف الخطيب حكاية شق الصدر. بقي العجوز واقفًا لحظاتٍ يتأمل شبشبه ويحرك عصاه ثم تداعى إلى آخر المسجد وجلس متهالكا... أين؟.. تمامًا إلى جوار الحذاء البني المحروق، حذاء الفنان. وضع شبشبه إلى جوار الحذاء المتفرد ثم عاد وتناوله بيده ونظر فيه ثم وضعه على مسافة منه وأمسك فردة من الحذاء البني المحروق وراح يتأملها.
وكان الخطيب قد وصل إلى "ما أنا بقارئ"، وصاحبنا القادم من الريف يستمع إلى ما سمعه آلاف المرات من قبل عندما أحس بالخطر. هرع إلى الصف الأمامي وهمس في أذن الفنان: "أحدهم سيسرق حذاءك!"
هكذا في لمح البرق، ثم عاد إلى موضعه بينما تخطى الفنان الصفوف لينقذ حذاءه من الضياع، أمسكه وجاء به ليضعه قريبًا من حيث كان يجلس.
أما الخطيب فكان قد وصل إلى "خيمتي أم معبد" عندما حمل العجوز عصاه وشبشبه البلاستيك وغادر المسجد في هدوء.
- ربما يتوجه إلى مسجد آخر.
قُضِيَت الصلاة ربما بعد المساجد الأخرى جميعًا.
وشق صاحبنا طريقه إلى حيث تسكن أخته فوجد زوجها واقفًا أمام باب العمارة يضحك: "تأخرتَ كثيرًا، ألم أقل لك تعال معي؟" 
ومع ذلك وقفا يثرثران ريثما يكون الطعام جاهزًا، فلمح الفنان قادمًا من ناحية المسجد. ظل يتابعه حتى اقترب، ووجده يحدق فيه ويلقي السلام فتقدم هو منه قائلا وابتسامة على شفتيه: "أنقذتُ حذاءك!"
ضحك من قلبه الطيب: "أأنت الذي حذرتني؟ جزاك الله خيرًا".
وتعانفا بحرارة كأنهما صديقان قديمان. قال له بعدها: "سمعت عن براعتك، أنت موهبة فذة وأتمنى لو تتاح لي فرصة رؤية الأشياء الرائعة التي بحوزتك!، سمعتُ أنك تمتلك كنوزًا لا تقدر بثمن وأرجو أن يكون لي شرف رؤيتها قبل أن أسافر".
يبدو عليه اضطراب المتواضعين تحت الإطراء المتواصل. يتمتم: "من العين دي قبل العين دي"
- هل تقبل أن تشرفنا بالغداء عندنا أيها الفنان العظيم؟ لا تهرب مني لأني سأفرض نفسي عليك اليوم أو غدًا وأرى روائعك!
مرة أخرى يضع الرجل أصبعه قريبًا من عينه: "من العين دي قبل العين دي!"
وزوج الأخت يتابع الحوار والدهشة تفط من عينيه، أما شقيق الزوجة فقد أقسم على الفنان أن يقبل الدعوة فقبلها!. من حقه أن يدعو من يشاء؛ فهو الذي أحضر اللحم من القرية. ستكون وجبة لا تنسى.

 

 

فوجئت الأخت بالضيف لكنها رحبت به وفتحت له حجرة الجلوس، قال أخوها وهما في الصالة: "دعوتُ الفنانَ ليتغدى معنا، وبعد الغداء أزوره وأرى روائعه".
- أي فنان؟
- هذا الذي في الحجرة
- إنه ليس هو، إنه يشبهه فقط ، الذي حدثتك عنه يسكن في برج الأندلس المواجه للشارع الثالث أما هذا فيعيش منذ توفيت زوجته وحيدًا في حجرة على سطح العمارة التي بها الفرن البلدي!.

 

بعد الغداء انصرف الضيف وصاحبنا لم يعد يؤكد له أنه سيزوره قبل أن يسافر. راح يتابعه بعينيه ويتعجب مما حدث، وكان شعره الرصاصي الطويل ما يزال ينام على كتفيه وهو يهبط السلم الحلزوني الضيق.

شوهد المقال 2319 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ الفارس الملثم

خديجة الجمعة    وفي ليلة ظلماء أسهبت بنظري للسماء محلقة بفكري . علني أجد شيئا ما بداخلي. وإذ بي أراه حقيقة لاخيال وتلعثمت حينها . وفركت عيني
image

عادل السرحان ـ شهداء الجزائر يعودون

عادل السرحان                   أهلاً بمَنْ فدّى الجزائربالدمِإذ عاد مزهواً بأجمل مقدمِأرواحهم قد حلّقت فوق  العُلاورفاتهم مسك يضوع بمعصمِ مُذْ في فرنسا والجماجم عندهاشطر الجزائر تستديرُ لتُحرمِسبعون عاماً بعد
image

علاء الأديبالنصر للذباب والبعوض... من قصص الحرب

علاء الأديب المكان موضع تحت الأرض بثلاثة أمتار مغطى بالصفيح وكومة من التراب في إحدى جبهات القتال والساعة تقترب من الثامنة مساء.ودرجة الحرارة اكثر من 54.درجة
image

محمد محمد علي جنيدي ـ على حرفي

محمد محمد علي جنيدي                    على حَرْفٍ من الفُصْحَىأُهَادِي الحَيْرَى والجَرْحَىيُسَامِرُ ودُّكُم قلبيولا يَغْفُو إذا أَضْحَىعلى حَرْفٍ بإفْصَاحِونُورٍ مِلءَ مِصْباحيتُسَافرُ دَمْعَتي دَوْمالِبُلْدانٍ وأرْوَاحِأيَا حَرْفِي بلا مَأْوَىتَسِيحُ وأَحْمِلُ
image

نجيب بن خيرة ـ من بعيد .... جماجم.... وجماجم

د. نجيب بن خيرة   رجوع رفات الشهداء إلى أرض الوطن ليس مَزيةً من فرنسا ( البغي ) تتفضل به علينا ... إنه حق شعب في
image

وليد عبد الحي ـ حماس وفتح: تمويه الاستراتيجي بالأخلاقي

 أ.د.وليد عبد الحي  الاعلان الاخير عن لقاء قيادات من حماس وفتح لبحث " تحقيق وحدة وطنية" للرد على القرار الاسرائيلي بضم اجزاء من الضفة
image

عبد الجليل بن سليم ـ مناورة النظام الجزائري اطلاق معتقلي الرأي وهو في la crise و كل قرد و بنانتو the red herring gambit

د. عبد الجليل بن سليم  أولا الحمد لله على أنه هناك مجموعة من معتقلي الحراك من أبناء الشعب أطلق سراحهم (الحمد لله على السلامة كريم
image

العربي فرحاتي ـ لنتعامل مع الحقيقة التاريخية لا مع تجار الحقيقة التاريخية

د. العربي فرحاتي  فسر لجوء بومدين بعد انقلابه على بن بلة ١٩٦٥ إلى تجميع رفاة قادة الثورة وإعادة دفنهم تكريما لهم..بأنه بحث عن شرعية ثورية
image

طيبي غماري ـ الذاكرة والتاريخ ..والسيدة التي ساعدتنا في مركز ارشيف ماوراء البحار بفرنسا

 د. طيبي غماري   بمناسبة النقاش حول الذاكرة والتاريخ والأرشيف ومراكزه، ساقص عليكم هذه القصة التي أتذكرها دائما وارغب في روايتها كلما أتيحت لي الفرصة. في
image

محمد زاوي ـ فريد علي بلقاضي وابراهيم سنوسي الباحثان الجزائريان ودورهما في استرجاع جماجم القادة شهداء الجزائر ..الجماجم عار فرنسا

زاوي محمد   يرجع الفضل في اكتشاف جماجم القادة الأولين للمقاومة الجزائرية لمواطنين جزائريين ليس لهما أي إنتماء حزبي في الجزائر ولا أي متدادا

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats