الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | علي بختاوي .... العشق وراء الأطلنطي

علي بختاوي .... العشق وراء الأطلنطي

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

علي بختاوي 

 

 

يصعبُ التَّحْدِيد . الوصفْ . التدقيقْ في مثل هذه الأشياء .للتقرّب مِنْ ملامحها و تفسيرها تلزمك فراسةٌ أو فصاحة عاطفية جدّ قوية . ولرُبَّمَا لزم الأمْرُ لتقريبهما مِنْ صِفَةِ ملاكٍ ما وهو يهبطُ و يصعدُ سلالم السماء . حيرةً كنتُ أحْسَبُها شحيحةً . خفيفةً . شفَّافةً . لكنها أرجعتني سنينا إلى الوراء . فكأني ماتعلّمتُ و لا علَّلْتُ أصْعَبَ مراحل السكون و الضَّجيج . نظراتها أشبه بالغرفة لكنها ليست ككل الغرف . فبناء الغُرَف و إن كانتْ مُتضارعة تختلف الواحدة عن الأخرى . يمكن تشبيههما بغيمتين تلعبان مع الريح لعبة سماويّةً لها غاية في الحضور و في الغياب . ماأدهشني حاجبيها . حرفان من النون أو كانا أقرب إلى الباء . مسكينة الباء حين يتخلّى عنها الحاء في مثل هذه الظروف . تطلعتُ إلى شفتيها . حدَّقتُ فيهما أكثر و أكثر . قرأتُ فيهما جوع الورد للندى . ويَبَاسٌ يكاد يدنو منهما لكنه ينأى لسرٍّ وافر البديهة فيهما . متى أصبحتْ تنظرُ إلى الدنيا كأنها إذا أقْدَمَتْ دَمَتْ و إذا أدْبَرَتْ بَرَتْ . ؟ .. و متى مسّها سهم الحياة حتى آمنت بأُلْفَةِ المكان و الزمان و ملازمتهما إلى وقت تجهل تحديده ... حياةْ . إمرأة الصّهد الذي يطيح بالسّهر البارد . و يعطي للمسافات تحذيرا مفاده أنّها مهما مشتْ لن تعثر سوى على يقينها و قرينها المسكون في دمها منذ الصرخة الأولى . منذ الدمعة التي ملأت عرصة الدار فرحةً أبديةً . هي من سلالة الشجر الذي يهوى الرقص مع الريح لتنزيل الهواء خفيفا شفيفا فوق رؤوس الضالين . الماشين إلى أحلامهم المذبوحة كحمامة الفجر الأزرق المهيضة الجناح . حين أطيل النظر إلى خديها تحضرني سورة شقائق النعمان في آية الربيع . يتجلّى الشفق واضحًا فاضحًا نادءهما على شفتين مربكتين في الخجل والإنطواء لا لشيء سوى لأنّ الحب دراجات و مراحل و مفاصل . لن آخذ كثيرا في زندها الغزير . هذا الكثير النور . النائم على شُعيراته منذ أن دغدغها إحساس فوّار موّار . كإحساس النخلة حين يأتيها لَفَحٌ مِنْ ذَكَرِ النخلةِ عند مرور رياح الصحاري . ويلي .؟ .. كيف سقطتُ دفعةً واحدة . كان يمكن أن أطيل الصَّمتْ . النَّظَر و الحَفْر بأناة . قفزتُ كالقروي الساذجِ مِنْ قلبي إلى لساني . ومِنْ نَظَري إلى شَرَرَي الذي يلفح كامل أعضائي و أسمائي . جلتُ بنظري من النافذة على الغابة التي لا يتوارى البحر خلفها سواء كان أزرقا رحيبا أو رصاصيًّا . تنهدّْتُ : كيفَ أصيدها و أجعلها تتخبطُ في يدي كسمكةٍ دون أن تموت . طبعًا سوف تعيشُ في مائي . الذي هو مستعدٌّ لأي واحدة تغري قناعتي أنّ كائنا إستثنائيا يقاسمكَ وَجَعَ الواقع ولو مِنْ بعيد . أمسكتُ بالمحمول . عزمتُ أن أهاتفها . أشكي لها وحدتي . غُربتي . وحشتي . شهوتي . نشوتي حين رأيت صورتها لأوّل مرّة . في الصورة يقع الرجل . يسقط . يتلوّى . يتشبّث بالهواء كي ينهض و يفرض وجوده من جديد . على يدها كان سقوطي . إنخراطي في عالم مليء بالصور و الأشباح الغريبة العجيبة . جراحي تزداد كل يوم . كل ساعة . كل لحظة . متى يدرك إبن جنبي أنّ المرأة حين لا تكون شفافة معك مثلها مثل الحياة . تأخذ من قلبك و دمك . تعتصرك مثل حبّة زيتون لترمي بك إلى جهةٍ ما . ماأكثر الجهات التي لفتّها قدمايَ حدّ التعب الأخير . وماأوفر النداءات التي تملأ أذني و أعماقي من خلال صوتها المبحوح الخارق لإمتداد الأطلنطي الذي يفصلنا بآلاف الكيلومترات . 
- الحال هنا ليس بخير . تنشيء الشمس السحب فلا تلبث السحب حتى تغشّيها
- ماذا يحصل بالضبط .؟
- إقرأ جرائد الدنيا تعرف مايجري هنا . 
ملتويةً . متداخلةً . مندغمةً . متصاعدةً . هابطة كلماتها التي كنتُ أتلقّاها . قالت : أعذرني . والعَنْ معي إهتزاز الحافلة . مصيبتنا حتى في النقل من مدينة إلى أخرى . أُفْ . هذه المدينة إنكسرت على آخرها . لو كنتَ هنا بالجزائر ورأيْتَ جُدرانَ المؤسسات و البيوت و المحطات لتقيأت في الحال . كلهم يريدون أن يكونوا رؤساء . حتى البَنَّاءْ . الخَضَّار . الطكسيار . بائع التبغ .. صياّدُو السّمك . إلى أين . قل لي بربك إلى أين نحن نسير .
كانت كلماتها تصلني مذبذبة لبعد المسافة . مرّات لا أسمع سوى محرّك الحافلة و هو يهدر بضعفٍ مع أصوات بَشَرٍ و أبواق سيارات أخرى .. فجأة إنقطع الإتصال .. لماذا تتهرّب . تتغابى . ترمي بماأريد قولهُ وراء ظهرها . سأعرّي ظهرها يوما . أقبّلهُ . أنهشهُ . أعضّه . أعذّبهُ . أترك أظافري تُوشمه بتعرّجات منحنيةٍ و مستقيمة مثل الخريطة التي تحمل الحافلة التي فيها هي الآن . أغلقت المحمول و النافذة التي كنت أطل من خلال ضلفة واحدة على الغابة و البحر . لحمتُ روايةً لأعظم كاتب برازيلي ثم أشحتُ بوجهي عنها . رأسي يغلي كطنجرة ماء . ريقي يبس . عَرَقٌ تحبَّبَ على جَبِينِ العَاشِقِ الأسْمَرْ . دار في خلدي أن آخذ حَمَّامًا . لكني نزعت الفكرة من دماغي . أن ادخل الحَمَّامَ . ربما أفعلها . إن صورتها و تقاسيم جسدها الأبيض . الطري . الشهي . البهي . البض . يدفعني كي أمارس عادتي بِمُتْعَةٍ مُنْتَشَاةْ . لا . قلتُ لا .. سأخرج . أو أمارس رياضتي التي اعتدت عليها كل مساء . أعرفُ أن رأسها سافَرَ بعيدا . كأن تَقُولْ . لستُ سوى واحدةٍ مِمَّنَ يعبث بهن على الشبكة العنكبوتية . خلف الشاشة الزرقاء . لكل غطاءٍ باطنهُ . كثيرٌ مِنَ النَّاس يشبهُ الساعاتْ التي تشيرُ إلى وقتٍ مُعَيِّنٍ وتَدُقُّ لآخر . في الحقيقة كرهت كل الرجال . كلهم من طينة واحدة . لا يردْنَ سوى لحظات عابرة . بعدها يكون النسيان سيّد الظرف و المرحلة . لا أريد سيّدة اللحظات العابرة . جمالي يقول لا . أنوثتي . كرامتي . زحام أعضائي حين يهبط الليل و أتوسّد أحلامي . كياني كله يقول لا ... علي . لقد شطَّطْتَ بعيدا . من يدري . كأنْ تقولَ مثلاً . حينَ أصل أكلّمه . أعاود الإتصال به . تعرف أنَّكَ بعيدٌ ووحِيدٌ وغَرِيبْ . الأم يطاوعها قلبها إذا كان واحدٌ من أبنائها بجانبها أما إذا كان مسافرا أو فقيرا أو مريضا فإنها تتضوّرُ ألمًا وحُرْقَة ... خلال أحاديثنا عبر الشاشة الزرقاء . غرسنا حُلْمَنا . فَرَحَنَا . عيشنا . حياتنا كلها رسمناها بيدين تتبادلان الألوان عن بُعْدٍ و إن كان البعد يعمّق المحبة الولهى و يزيد في عمرها ..
- ألو .. ألو ..ألـــو . نعم . أنا أسمعكِ جيّدا .. ألو . أنتَ في البيت .
- أنا هنا نعم 
- لا تجننني أكثر .. ماهذه النعم . ؟ .. قُلْ أنا في البيتْ
- انا بالبيت ياحياة .. الحمد لله أن الخط عاد يشتغل ..
- قُلْ عَادَ يشتغل بِسَبَبِ عَطَبٍ أصَابَ الحافلة .
- عطب . ؟ . ماذا تقولين .. ؟ . 
- ماسمعت .. المهم قيل أنهم سوف يجيدون حلاّ لها .. وإذا تعذّر ذلك . كل واحد يرى الوسيلة التي تناسبهُ . 
- لكن أظن الوقت عندكم متأخرٌ جدا . أعني . كيف تصلين إلى بيتك 
- ألو .. ألو .. ألــــــــــــو . حياة هل تسمعينني .. ؟
كلمات غامضة متقطّعة . متقاطعة . لايُمْكِنْ . مُستحيل . هيهاتْ أنْ أسْمَعَها . كانَ قبالتي ناي الدُّوكا . وضعتُّ فيه بَعْض القطرات الزَّيْتِيَة . مرّةً كل أسبوعٍ أخْرِجُ نَايَاتِي . أنظّفُها . أزيِّتُها . أطلق نغمتين أو ثلاث حتى يتَّضح لي الصوت شجيا حنونا عذبا . اخترتُ طَبَقَة الدُّوْكا و هممتُ بالعَزْفْ .

 

 

علي بختاوي
البرازيل

 

شوهد المقال 2451 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي
image

خديجة الجمعة ـ شاه القلب ...أبي

خديجة الجمعة   شاه القلب :هو الذي يعلم أنه إذا غاب أنا بانتظاره، وإن نام اتفقده  . وهو الذي يعلم اشتعال الكلمات بين أصابعي حين اكتب عنه.
image

مريم الشكيلية ـ أوراق مرتبة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان   يدهشني أن كل الأشياء التي تركتها مبعثرة خلفك تترتب في رفوف مخيلتي....رغم تلاشي رسائلك المكتوبة بربيع قلم لا تزال تنبت كالعشب
image

مخلوف عامر ـ المحامية جيزيل حليمي زمن المبادئ والالتزام

 د. مخلوف عامر  تفانَتْ (جيزيل حليمي)في الدفاع عن (جميلة بوباشا) وألَّفت عنها كتابها المعروف بتشجيع من (سيمون دي بوفوار)ورسم بيكاسو صورة مُعبِّرة لـ(جميلة).واستوحِي منه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats