الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | علي بختاوي .... الخط الأزرق

علي بختاوي .... الخط الأزرق

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
علي بختاوي 

حِينَ أتْعَبُ مِنْ عملي المُرهق . و التسكّع في شوارع المدينة الضَّاجة بمكبرات الصوت التي تُعلن عن المنتوجات الجديدة ووجودها في المحلاّت الكبرى . يكون قلبي ورأسي و كياني كلهُ يسرع في تقشير الروتين اليومي . أقول في نفسي حينها : عليكَ بِالخَطِ الأزرق . عليك بالطريق المعشوشب . أين تستطيع أن تطلق لقدميكَ العنان كي يمشيان أو يركضان . أو تضع واحدًا منهما على جدار طولهُ نصف متر و تبدأ في تمديده و تقليصه . عادة رياضية كي تسترخي عضلاتكَ و تشعرَ بالراحة التَّامة التي تتذكّرها من لحظة لأخرى يوم كنتَ في مدينتك بالجزائر . لا خَلاَصَ من الفوضى و الضّجيج و العجيج إلا إذا جئت هذا المكان و بادلتهُ الألفةَ و المحبَّةَ و التأمّلْ . من كل ناحيةٍ يأتون : بَاها . لاقُومَار . حي المطار . القاطنون على حافة الخط الأزرق . يدفعهم تعبُ الحياة وخنجر الوقت و مأساة العمر . وقت طلّتها ليس الآن . ربّما بعد ربع ساعة أو نصف . وربّما بعد ساعةٍ كاملةٍ . تُخَاطِبُنِي بالشَّوْقِ والتِّحْنَانِ و الغُرْبَةِ عَيْنُها . عَبَثًا حاولتُ تكميدَ جُرْحِها العميقْ . كنتُ في مسيسِ الحاجةِ إلى من ينسيني ألم الوحدة ووحشة الأيام . و الدخول في مجتمع كهذا بِحُلْمٍ يتمايل إلى الأعلى . لا أنكر أنها أمَدَتّْنِي بكثير مِنَ المعلومات والجزئيات التي كنت أجهلها . و أنّها كانت السبب في خروجي من عزلتي وقوقعتي . قالتْ ذاتَ حزن : أعرفُ أنْ لا شيء يبشّرُ بالسَّعَادةِ و المَرَحِ و الطمأنينة . وحياتكَ هُنا أشبه بوجود مُهْرٍ بين أربعة جدران . أعرف جيّدا أنك مُنْهَكٌ ومنتهكٌ قلبًا و قالبًا . أعرف أن الباكين أيضا ميّتون . لا تكن باكيًا . ميتًّا . منسيًّا . هُنَا سْوِيلِي . تغمركَ بالحُبِ والحنان و دفء الحياة . تحيطكَ عنايتها بالرغبة التي أقرأها في عينيك .. يالعينيك السوداوين العميقتين الجميلتين . من عادتي أن أحبّذَ تقبيل عنق الرجل لكن عينكَ تَرَكَتْنِي ألثمها صباح مساء . هل جمال العرب في عيونهم . ؟ .. كانت السماءُ تَسْوَّدُ و تَرْمَدُّ . هذه الليلة مطرٌ غزيرٌ . ربما يدوم ليوم أو يومين أو أسبوع .. دوّخني المناخ الإستوائي . صِرْتُ لا أؤمن حتى في الأيام فمابالك بالنَّاس و الحياة هنا . أدركُ جيّدًا أنّ نفسي سوف تؤنبني على هذا التفكير حين أتمدَّدُعلى السرير . أوّل ماتبدأ به هُوَ كالآتي : لماذا أينما ذهبتَ كنتَ رافضًا للأرض التي حَمَلَتْكَ هُنَاكَ و هُنَا . لماذا يلفّكَ اليأسُ ويقذف بكَ إلى عُمْقِ الذَّاتِ أين يصعد الندم و تغرورق عيناكَ بالدموع . إيه ياسْوِيلِي . تأخرّتِ كثيرًا . كثيرًا جِدًّا . المغرب يوشك أن يشمل المدينةَ و الوادي الطويل الذي يجانب طريق الخط الأزرق . أين العشبُ و الهواءُ النقيّ وخُضْرَةُ أشْجَارِ الكَابِيتُول . تَحْدِجُني النساءُ اللواتي يستمتعنَ بالجو و مَنْ يمارسنَ الرياضةَ بعشرات النظرات الزرقاء و الخضراء والسوداء و العسلية . أتغابى بضبط حذائي و مسح العرق مع رمي العينين على البساط الأخضر . مِنَ المُسْتَحيلِ في موقفٍ كهذا أن أكبح شهوتي . رغبتي . جمرتي . نشوتي . هذا الهواء الخفيف البرودة جلب الهلاك لوضعي هنا . ساعة كاملةٌ ولّت ولم تأتِ . هل منعها شيءٌ ما . كأن شدّها مسلسلٌ . أو زيارة صديقةِ مَا لها . هل تريدُ أنْ تَسْتَثِيرَ أعماقي و تخلطَ أوراقي . ربما تكون هُنا . تراقبني عن قرب و لا أراها . فالأشجار ضخمة و كثيفة وملتفّة . يصعب حتى أن ترى أشعة الشمس آتية من خلال أغصانها . قلبي يحلفُ بأغلظِ الإيمانِ أنها في منتصف الطريق أو على بعد أمتار مني . و أنها تَرَى هَلْ أغازلُ واحدةً أو أتتبَّع ظلّ شقراء أو سمراء . أما السوداء فتعرف أني لا أميل إليها أبدًا أبدًا . دفعني أكثر من صديق كي أجرِّبَ ليلةً مع إمرأة سوداء فرفضتُ . جْوَاوْ هو أوّل الدافعين بقلبي . غير أنّ قلبي رَفَضَ بِشِدَّة .. أثناء ضبط حذائي مرة ثانية و تسوية قميصي الرياضي و أنا في كامل تهيئتي لأركض . شعرتُ بيدٍ تمسك قميصي من الخلف . تتلوها ضحكة حلوة رطبة كالبلح الذي اشْتَقْتُ إليه منذ أكثر مِنْ أربع سنوات أثناء وجودي هنا ... إلى أين : سألتني . كنتُ أحدق في تقاسيم ملامحها المتناسقة . و في وفرة نهديها و غزارة أنوثتها و فيض رائحتها التي أنعشتني مِنْ خيالاتي ... سوف أركض قليلا . هل نجرّب مَنْ يسبق الآخر . ؟ .. اقترحتُ عليها ذلك دون أن أسألها عن تأخرها . كل شيء عندي يدق كالمنبِّهْ في الوقت المناسب . مِنْ مُخَالطتي . مِنْ مُمَالَحَتِي . مِنْ مُؤَانَسَتِي لنِسَاءٍ كثيرات . مِنْ تجاربي كلها تعلَّمْتُ ذلك . الآن لا أريد أن أعرف شيئا . فالذي يصر على عضّ الحصى ينتهي بكسر أسنانه . لا تَتَسَرَّعْ بِفَتْحِ فَكَيْ الفَخْ حتى تكونَ الطريدةُ في كفّكَ ياعلي . ياإبن القرية و كوخ التبن ... قالتْ نتسابَقْ لكن بشرط : مَنْ يهزم الآخَرْ يطبخ هذه الليلة . قبلتُ الشرط ... أعدّتْ هيَ : واحدْ . إثنان . ثلاثة .. و هُوبْ .. إنطلقنا . كنتُ تركتها ورائي بعشرة أمتار . صرختْ ورائي : سوفَ تطبخُ الليلة . سأكونُ الأولى . لِنَرى . المسافةُ بعيدةٌ ياعلي . كانت تقول ذلك لتضعفني نفسيا . و تتركني أسمع كلامها لأنسى خطواتي المتسارعة . الحيلة في كل شيء . يالهذا العالم . في خُلدي كنتُ فرِحًا . كنت متأكدا أني سأبقى متقدّما عليها حتى النهاية . عَرَقٌ يَسِيلْ مِنْ ذقني كما يتبوّلُ طفلٌ صَغِير . كان الزّحام كثيرا على البساط الأخضر . شبان . شابات . أطفال لا تفوق سنّهم الرابعة عشر . حتى النساء الكبيرات . اللواتي تساعدهن بناتهن على المشي لكثرة الجلوس في البيت وحيدات طوال النهار أو من بهن مرضٌ ما... و أنا أحدّق في الوادي الذي يبلغ عرضه أكثر من خمسة عشر مترا . أما طوله فهو يؤدي حتى إلى ماوراء مدينة كَامْبُسْ التي تبعد عن مدينتنا التي نسكنها بـ ثلاثة و ثمانين كلم .. رؤوس تماسيح كبيرة الحَجْمِ تطلُ على صفحة الماء المُنْسَابْ . قلتُ في نفسي : ماذا لو ركضتَ وحدكَ يومًا و جانَبْتَ الوادي قليلا و افترسكَ تمساحٌ ما . ؟ .. كثيرًا ماجرى لبعض الناس هنا . يحكون عن ذلك بكثرة و اندهاش كبير .. لم أنتبه . حتى وجدتها بجانبي .. سألتني : هل تخاف من التماسيح . ؟ .. اجبتها : كل الناس يخافون هذا النوع الخطير .. قالت نحن كنا نخافه لكن حين عرفنا كيف نصطاده و اكتشفنا حِيَلَهُ أصبح عندنا عادة . أوقفتها بسؤال : لكن الكثير يحكي أن أناسا كثيرين ماتوا ضحيّة هذا الحيوان . يوم كُنَّا تحتَ الحكم العسكري . إذْ كانَ هذا النظام لا يتركنا نمشي حتى في الشوارع قبل العاشرة ليلاً بقليل ... ازددتُ حيرة . سقط فكي التَحْتِي دَهْشَةً . نظرتُ إليها : ماذا تقولينْ ... ماسَمِعْتْ ... لكن مادخلُ الحُكْم العَسْكَري بهذه التماسيح سألتْ ... عند نهاية السباق سوف أكمل لك القصة . و علتْ ضحكتها في الهواء .. إيه .. جَابْلَكْ ربي تُهُرْبِي مِني . تسبقينني . يستحيل ذلك . متى سمعتَ ياعلي أنَّ إمرأة فازتْ على رجل في العَدْو . متى كان ذلك ياعلي ؟ .. كنتُ أسألُ . أتساءلُ . تداخلتْ أسئلةٌ أخرى في رأسي .. تذكرتُ رواية لكاتب برازيلي نسيت إسمه . يحكي عن التماسيح و فرائسها . و ضحكَ الروائي بجملةٍ حين علّق على الوزير كَشْوِيرَا . هذا الأخير الذي مَدَّ يدهُ الى المال العام و كوّن ثروة كبيرة .. حتى فضحهُ أقرب المقرّبين إليه و أُدْخِلَ السجن ... لم أنتبهْ من تفكيري و تساؤلاتي حتى رأيت سويلي تبعدني بمئتين مترا .. ياه . لقد نمتَ كثيرا ياعلي .. عليك بها . جذبتُ نفَسًا عميقًا و أطلقت لرجلي الرياح . ركضتُ بقوّة . لكني كنتُ كلما دنوتُ منها إلا و سمعتُ هديرا وسط الوادي لإشتباك يقع بين تماسيح متميزة في اللون و الحجم منها ماهو يميل إلى الأخضر الغامق ومنها مايميل إلى الأسود .. أف .. يقيني يصرّح لي أنّ القحبة سْوِيلِي ستصلُ قَبْلي . ماشأني و الوادي . لماذا تركتُ عيني تذهب برأسي بعيدا أثناء رؤيتي للتماسيح .. ثم لماذا سألتها . هنا كانت الهزيمة . في أسئلتي إليها . في نظرتي إلى الوادي . في إصغاء السمع إليها . في شوقي وما سوف تحكيه لي ..غبي . ساذج . مجرّد قروي روماه القدر هنا . و المصيبة أني سوف أطبخ لها الليلة . لو إنفتحت الأرض لدخلت بسبب ضحكاتها المتتالية ... تُرى ماذا ستطبخ الليلة ياعلي .. دخل إلى رأسي شرطٌ . وهو أن تحكي لي ثم أقوم بالطبخ . بصقتُ على الوادي . أو قل على التماسيح كلها . تنحنحتُ : لن أطبخ شيئا حتى تحكي لي بالتفصيل الممل عن قصة التماسيح هذه . عانقتني . قبّلتني وهي تهمس في أذني : سأحكي لك كل شيء . كل شيء . لكن أطبخ جيّدا . كي أوريك طبخي الليلة على السرير وتابعت جملتها بضحكة فيها الكثير من الأنوثة و الشَرَهْ .. و لَوَتْ ذراعها على ظهري ونحنُ في طريقنا نحو البيت .. لكني تذكرّتُ تأخّرها في المجيء فقالتْ أنّ أخاها نْوِيزُو وصلَ مِنْ أمريكا بعدما أخذ عطلتهُ الدراسية ..

علي بختاوي
البرازيل

شوهد المقال 2468 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

خديجة الجمعة ـ معصمي

خديجة الجمعة  آه يامعصمي ،كم قلت لك :توقف ؟!ولم تتوقف لماذا؟حيرت فؤادي هل شكواي لك كثرت؟،أم المشاعر هي التي سرقتني لأكتب لك رسائل كثيرة؟. لماذا لاترد؟؟
image

العربي فرحاتي ـ عالم ما بعد كورونا ..هو للكراهية أيضا !!!

د. العربي فرحاتي  "اذا كانت الحرب تولد في عقول الناس.. فإن السلم هو الآخر يولد في عقول الناس ". مقولة تنسب ل "فرويد" تؤكد
image

نجيب بلحيمر ـ فكوا قيد الجزائر ..رحيل السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز

نجيب بلحيمر  رحلت السيدة فاطمة كريم زوجة المجاهد عمارة العسكري المدعو بوڨلاز، عقيد جيش التحرير الوطني، وعضو المجلس الوطني للثورة وأحد مؤسسي القاعدة الشرقية،
image

نوري دريس ـ الشعب تصرف وفق تصريحات الحكومة الجزائرية التي صدقت كذبتها

 د. نوري دريس    طوال الاربعة اشهر الماضية, صدقت الحكومة كذبتها بتراجع عدد الاصابات كدليل علي نجاح الاجراءات التي اتخذتها..., وصدق الشعب ارقام الحكومة المتأتية
image

الدكتور فارس شرف الدين شكري يوجه رسالة الشكر للأحرار والنطق بالحكم بتاريخ 12|07|2020 بسكرة

 د. فارس شكري  شكرا لكل الطيبين..شكرا لكل الأحرار..شكرا لكلّ الأموات في قبورهم، الذين ذهبوا ضحية الإهمال..شكرا للشرطي الطيب الذي كان يشتري لي السجائر وفطور
image

عبد الجليل بن سليم ـ أخبار سيئة... لكن لازم تعرفوها ، الوضع أخطر مما تتصورن

د. عبد الجليل بن سليم ـ السويد يوم 30 أفريل 2020 نشرت على صفحتي نص إسمه : إلتهاب.......اكتئاب..........موجة ثانية و شرحت فيه بعض الاشياء المهم
image

عثمان لحياني ـ الجزائر... الوجه الآخر لـ"الجماجم"

عثمان لحياني  دولةٌ مثل فرنسا لا تعطي بالمجان، ولم تكن لتفعل ذلك، لولا الكثير من الحسابات السياسية، واستعادة الجزائر لجماجم الشهداء والمقاومين بعد 170
image

اضربوا يعرف مضربو .. والي سطيف وعقلية الإسطبل

 د. جباب محمد نور الدين    ربي يجيب الخير هذا النظام : عارضناه، لم يتغير، نظمنا المسيرات لم يتغير، وقعنا العرائض لم يتغير،سبيناه بكل الألفاظ الغليظة حتى الخادشة
image

عبد الخالق كيطان ـ هاشم الهاشمي ...ماذا فعلت لكي تشرب كأس دمك على عتبة دارك

عبد الخالق كيطان            لنكفر بالعراق الآن ذلك انه لم يعد أبانا الذي نبكي تحت عباءته السميكة ..بل المرأة السمينة التي يتبختر الأنذال بعد اغتصابها .لنكفر بالعراق ذلك أنه
image

عوابد سارة ـ جزائري...

 عوابد سارة هي رقعةٌ محدودة تتخللها كيانات ضخمة من جبال وتضاريس بكل شكل من الأشكال...آلاف الحبيبات الذهبية المتناثرة على أراضي واسعة تأوي الجميع دون مقابل...كريات بلورية

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

5.00
Free counter and web stats