الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | ناصر خليل ..... مجرد صورة

ناصر خليل ..... مجرد صورة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 ناصر خليل – مصر 
 
 
ضوء واهن ينبعث من مكان ما داخل تلك الغرفة الضبابية التي قادتني إليها قدماي، لا أتذكر أنني رأيت باباً للدخول .أرى صوراً تغطى الجدران تماماً كأنها ورق حائط , أدقق النظر في الصور ,أتعرف علي البعض والكثير فشلت في معرفة أصحابها .
أتلفت حولي فلا أري شيئاً أخر .لساني يتمتم بكلمات ،لا أسمع سوي ضربات قلبي المتسارعة و صوت أقدامي وهي تتحرك متباطئة . ينساب العرق علي جسدي وتزداد برودة أطرافي وتتلجلج شفاهي .
لا نافذة ولا حتى كوة واحدة في أي جدار .رائحة الرطوبة تملأ أنفي وتنفذ إلي صدري فيزداد الضيق . الشمس لا تعلم بوجود هذه الغرفة أو أنها لا تقع علي خارطتها الكونية .
- أين أنا ؟
كان هذا السؤال كمطرقة تطرق رأسي بلا هوادة . أتجول في الغرفة ,ابحث عن مخرج , أصطدم بكرسي , أتحسسه بيدي ,تتسع حدقة عيني لقد كان شكله غريبا ً ,كأنه سقط من كوكب ما أو أنه هنا منذ زمن بعيد .
في الجانب الأخر والأكثر ظلمة في الغرفة كانت هناك حركة سريعة لشبح أو ظل جواد 
جامح ,لم أتبين ملامحه جيداً.
جمدت في مكاني ولم أقو حتى علي الصراخ كأنني وسط كابوس في ليل شتوي طويل . 
أستقر الشبح خلف شيء ما يشبه آلة والتي كانت تشبه إلي حد ما كاميرا كبيرة الحجم محمولة علي قوائم ثلاثية .
لم ينتظر كثيراً وجاء صوته كفحيح أفعى ينشر الموت في أرجاء المكان ويسلب من سامعه الحياةِ:-
- اجلس ساكناً ولا تتحرك .
لجمني الخوف, حاولت النهوض لكن جسدي التصق بالكرسي ولم تقو قدماي علي الوقوف. ازداد الظلام من حولي وانتشرت رائحة الخوف في أرجاء المكان . التوقعات بأية أعمال من هذا الشبح أيقظت في الذاكرة كل ذكريات الرعب .
ركزت بصري عليه تحسباً لأية أفعال يقوم بها .حركة أصابعه وهي تضبط آلته زادت من انتباهي ثم صرخ صرخة اخترقت أذني ونفذت إلي روحي فأحسست بها تتحشرج أو كأنها تغادر جسدي :-
- لليمين قليلاً .
أحرك رأسي دون تباطؤ وأحدث نفسي أنها مجرد صورة , حاولت تحريك لساني أو لعلي أطمئن أن شللاً لم يصبه أحاول أن أحادثه ليطمئن ويهدأ قلبي قليلا ً أو يسمح لي بالانصراف ومغادرة المكان .
- يبدو أنك تلتقط صورة لكل من يدخل الحجرة !!!!
جاء صوته حازماً :-
- الآن عرفت سبب وجودك هنا .
زادت حالة شرودي من رده الحاسم وقلت لنفسي ليلتقط الصورة وبعدها سيتركني أمضي إلي سبيلي . 
- لماذا كل تلك الصور علي الجدار ؟؟؟
- أسئلتك كثيرة , ببساطة لأن أصحابها لن يأتوا لأخذها ! أخفض رأسك قليلا ً.
لم أتردد في خفض رأسي رغم ثقلها . أختلس النظر إليه وأراقب حركاته كفأر حشره قط كبير في ركن لا مهرب منه . حاولت أن أتبين ملامح وجهه لكن الظلام حال دون ذلك 
دفعني فضول غريب أن أطلب منه رؤية وجهه رغم خشيتي أن يكون منظره مرعبا ً وليكن .
- أريد أن أري وجهك !!!
توقف عن الحركة وطالت فترة الصمت ,يبدو أنني تجرأت وسألت ما لا يجوز, ظننت أنه انصرف وتركني أو يستعد للهجوم عليّ .
جاء صوته كأنه قادم من غياهب جب وله صدي يصم الأذان :-
- أعيش في الظلام فمن يأتي إليّ لن يراني ,وإن خرجت إلي النور أتلاشي ولن يراني أحد أيضاَ .
رده أطفأ كل بارقة أمل في الخروج . 
لم يتبق في جسدي سوي أنفاسي المجهدة تنبيء عن بقايا حياة .أطياف من عرفت تهرول أمام عيني وتتابع حركتها كشريط سينمائي يعرض مشاهداَ من حياتي حلوها ومرها .
عيناي المجهدتان ينسحب الضوء منهما شيئاً فشيئاَ تبحثان عن نقطة ضوء نهار متسللة من فتحة ما لكن دون جدوى .
- أنظر أمامك ولا تتنفس ..... قريباَ ستأخذ صورتك مكانها علي الجدار .
يضغط بإصبعه علي زر في آلته فينفجر شلال من الضوء فيغمرني قبل أن يختفي كل شيء . 


شوهد المقال 2438 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي
image

خديجة الجمعة ـ شاه القلب ...أبي

خديجة الجمعة   شاه القلب :هو الذي يعلم أنه إذا غاب أنا بانتظاره، وإن نام اتفقده  . وهو الذي يعلم اشتعال الكلمات بين أصابعي حين اكتب عنه.
image

مريم الشكيلية ـ أوراق مرتبة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان   يدهشني أن كل الأشياء التي تركتها مبعثرة خلفك تترتب في رفوف مخيلتي....رغم تلاشي رسائلك المكتوبة بربيع قلم لا تزال تنبت كالعشب
image

مخلوف عامر ـ المحامية جيزيل حليمي زمن المبادئ والالتزام

 د. مخلوف عامر  تفانَتْ (جيزيل حليمي)في الدفاع عن (جميلة بوباشا) وألَّفت عنها كتابها المعروف بتشجيع من (سيمون دي بوفوار)ورسم بيكاسو صورة مُعبِّرة لـ(جميلة).واستوحِي منه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats