الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | عبد الكريم الساعدي ..... غربة

عبد الكريم الساعدي ..... غربة

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
 عبد الكريم الساعدي 
 
 
شغربة

كعادته لملم أسماله ورحل ناحية الغرب لتستوطنه الفلاة ،غادروا بيوت الطين والتنك الراقدة عند أطراف العاصمة فقرّتْ عيون الناس بمدينة تعانق أحلامهم بعد غياب طويل في عوالم الهجرة والترحال ، كانوا غرباء بعدما تركوا خاصرة الأرض، تركوا جنوب ضمير الحياة ومأوى الشمس... كان الظلام والجهل والعوز والمرض والحرمان يطاردهم حيثما حلّوا ، ويظلّون دائماً على أهبة العبور لعالم آخر حيث الحياة الأبدية ، هكذا كانوا ومازالوا يلفّهم الغموض . ألقوا السلام على مدينتهم الجديدة ، سلام بلون الفرح والأماني ، عانقتهم كأمّ رؤوم متوهجة بالحنان ، تحسّسوا ظلّها وأناشيد طفولتهم المنسيّة على أعتاب سنين التيه . اختار مدير الناحية اسماً لمدينتهم الجديدة ، مدينة ( النصر والسلام )،اسم أرخ سنوات الموت والخراب والدمار والرعب ، سنوات الحرب التي اغتالت الفرح من الشفاه وسرقت لون الورد ونداه . كانت الأيام تسمح له بأن يتأمل في مرآة الهجرة الجديدة ، ويتساءل في حيرة :
- ما الذي جعلهم يفكرون بنا و بفقرنا المدقع الذي انجرف الى عالم النسيان؟ ولماذا هذا المكان الغافي على أكتاف المقبرة ؟
كان يضيء حباً لأبناء مدينته ويشعل لهم أملاً برفق، أملاً يشوبه الحذر والقلق . على عتبة تلك الأيام ليس ثمة أمراً واضحاً ، وعبر ساعات يحرقها الأنتظاركانت تمرّ أمامه ملامح قريته ، يتفرس في آفاق فردوسها ، كيف كان يصطاد السمك بشباكه ، ومنظر الطيور المهاجرة التي ما انفكت تفارق مخيّلته ، كان يتمنى أن يغيب في ذلك الجمال ، جمال ضوء القمر وحكايات أبناء القرية الممزوجة برائحة القهوة والتبغ والشاي المهيّل، أيام تعانق عبق الطين ورائحة القصب والبردي، كان يشتعل رغبة لمواويل الليل وصوت الريف الدافىء وانزلاق جسده الى شفة النهر وظلال أشجاره وسحر العشب الغافي على كتفه. كان مشتاقاً لنهارات تلك الأيام ، نهارات تهبه الضوء والأمان وشهقة غزل تنسج أغاني الندى، كانت الفصول ربيعاً ، وروحه تلامس السكينة وعشب امرأة طرية ، غادرته دون وعي الى منفى عوالم أخرى،متخلّية عن صمتها وابتسامتها الصاهلة بالجمال والسحر . بكى كثيراً حين شطّ به الزمان وأصبح بلا مأوى ، تتلاقف خطاه الدروب، وكأنه شحّاذ غريب يطرق أبواب الصمت دون صدى، تعبر خطاه ظلّ النعم فتهرب نحو الفيافي القاحلة ، تبكي الخطوات على الثرى فتضحك المدن هازئةً بدروبه... - عجيب أمر هذا الزمان ، لأنّنا من جنوب الكون يشاكسنا الزمان وتشيح المدن بوجهها عنّا !؟ كان في جميع أسفاره يحمل ماتبقى من خزائن وجع الموتى ، تؤرقه الذكرى ويرعبه القادم من شرفات الغيب ، يحبو فوق غربته العجفاء ، يلوذ بصمت المقابر ووحشة الليل ، ليل طويل يجهل فتنة ظلامه الدامس ، يشهد ارتعاشة كيانه ببرد أضغاث تزهر بهوة لاقاع لها . هكذا كانت سنواته تطارد شيبه ، حاسراً إلا من نبؤة صدى الخراب ،هارباً من مهزلة الأقدار وخوف العراء دون جهات ، تطارده المدن بلا هوادة، تفتح له كوّة في جدار أطرافها فيهرب من ليل الى ليل يجاهد الأفول والتلاشي . ثمّة حكايات طويلة ملتفّة بالجحيم تمتد بطول مسافات الوجع بين القرية ومدينة النصر والسلام، مدينة ضاجّة بالصراخ دون أن تفتح ثغرها ، توخزك بالخوف من أشياء مبهمة ، تلسع الخارجين من معطف الحرب والحصار بأنياب الكراهية والحقد الخارجة من خان سدف الليل ، خان مترعة أرضه بأشواك الغدر والقتل ، المدينة التي منحته بعض الدفء والسكينة ها هي تتعرى ، تئن بموت جديد ، يبصره بوضوح ، وحين أسدلت ليلها على عالمه المتهالك كانت محضّ كذبة ، محضّ إفتراء ، كانت جموع البائسين تمور في بحر من الظنون والقلق ، تهيم على أسى الموت والقتل الذي حصد أبنائها ، وكأنّ المدينة كانت تنتتظر موسم حصاد الأجساد التي أتعبتها غربة الدروب وأنهكها الجري في طرقات المدن ومتاهاتها . ويحوم الموت حوله ، يعربد بالصراخ ، يخنقه الخوف حتى يغصّ بخبر قتل ابنه الظامىء لنبعه ، فتوضأ بتراب جسده الملطخ بدمائه، أوقضته نوبة من الجنون حين استقبل جثة بلا رأس ، حلّق مرعباً في سماء التوسل لعودة الرأس ، لاشيء سوى طعنات في الظهر يجهل سرها ، انطفأت كلّ فتوحات الوهم والترهات وأصبح الرحيل حقيقة مرّة ، حقيقة مغلولة الأطراف تمنح الثكالى فصولاً أخرى لهجرة جديدة نحو المجهول. كعادته لملم أسمال جنونه ورحل عارياً من ظلال العقل، حائراً ، أيبحث في أفقٍ مشوش عن أثرٍ لرأس نبعه أم مأوىً جديداً لما تبقى من جسد سنينه؟ . 

شوهد المقال 2678 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

صلاح الحلوجى في 04:30 20.02.2014
avatar
حقيقة... أمتعتنى القصة القصيرة (الغربة) ابنى الأديب عبد الكريم
وتخيلت ما تعيش فيه بلادنا من ضياع .وتمزق . وفرقة وضياع
وتذكرت ما عشنا فيه طوال أعمارنا نحلم بسراب هو السكينة والأمان فى بلادنا والتى كانت جنات لله فى أرضه وعشت ليالى الغربة فى المسيلة الجزائر من1975\1981،وأنا أتنقل من ذراع الميزان حزينا واتجه ءالى مدينة أخرى يلفها الحزن والأسى واسكن بجوار عراقى واسرته من البصرة نلتف ليلا فى حجرتى مع سوريين وتوانسة وجزائريين ومصريين بالطبع..نقصر الليل بطوله وكل منا يتحدث يحكى أحاديث الغربة وضيق الحال وقسوة الأيام وكان صديقى البصرىّ غازى صاحب ناصر {أبو نورس} متحدثا لبقا وجميلا متذوقا للعلم والأدب والحياة مسليا وكريما معى وبعد سفرى تركته بالجزائر مع زوجته وابنتيه وكنت أشتاق لرؤيته علمت فقط العام الماضى وعندما عدت لها زائرا على حساب طلابى وطالباتى وبعد 32 سنة علمت أن أخى غازى قد توفى منذ سنوات أطال الله فى عمرك... ذكرتنى الغربة بغربتنا زمان والأقصوصة فوق الرائعة اتسق فيها عبير الكلمات وموسيقى الألفاظ والعبارات..وعمق التجربة وجودة الفكر ووضوحه مع جمل شاعرية شديدةالجاذبية ..نحن أمام أديب متميز ءالى الأمام أمتعتنى حقيقة!!!
المكس ءاسكندرية صلاح الحلوجى20\02\2014

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي
image

خديجة الجمعة ـ شاه القلب ...أبي

خديجة الجمعة   شاه القلب :هو الذي يعلم أنه إذا غاب أنا بانتظاره، وإن نام اتفقده  . وهو الذي يعلم اشتعال الكلمات بين أصابعي حين اكتب عنه.
image

مريم الشكيلية ـ أوراق مرتبة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان   يدهشني أن كل الأشياء التي تركتها مبعثرة خلفك تترتب في رفوف مخيلتي....رغم تلاشي رسائلك المكتوبة بربيع قلم لا تزال تنبت كالعشب
image

مخلوف عامر ـ المحامية جيزيل حليمي زمن المبادئ والالتزام

 د. مخلوف عامر  تفانَتْ (جيزيل حليمي)في الدفاع عن (جميلة بوباشا) وألَّفت عنها كتابها المعروف بتشجيع من (سيمون دي بوفوار)ورسم بيكاسو صورة مُعبِّرة لـ(جميلة).واستوحِي منه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats