الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | محمد محمد السنباطي ............... ميدان الشهداء

محمد محمد السنباطي ............... ميدان الشهداء

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 


قصة: محمد محمد السنباطي
 
(كتبتها بعد ثورة 25 يناير بعدة أشهر)

تقع عيادة الدكتور سيد في مواجهة المكتبة التي يديرها أبي. وعندما يمتد الليل ولم يعد يوجد زبون واحد، يلتقيان – أبي والدكتور- ويتم ذلك غالبًا عندنا في المكتبة، وأحيانًا عنده في العيادة. ومنذ أشهر قليلة تم تحديد ثلاثة أيام في الأسبوع للجري الليلي حول ملعب الساحة الشعبية.
- لا بد من إزالة هذين الكرشين الكبيرين يا حاج محمود!
فيتساءل أبي: "ولكني لا أرى أي كرش في المكان!"
- اعتبرها يا أخي كناية عن السمنة أو الترهل! ألا تعرف أننا نعيش في زمن الكنايات؟!
- الناس لا يجأرون بالشكوى لكنهم يكظمون غيظهم ويستأنسون خيبة مصائرهم. 
- كان ذلك قبل الثورة التي قامت ولم يكن أحد يصدق أنها ستقوم.
- هل ابتدأ عصر الحرية حقا؟
ويؤكد الدكتور سيد لأبي:
"لا مفر من زيارة ميدان التحرير!"
أعرف أن أبي سيرفض أو يتردد. أفكر: "ظروفنا في الوقت الحالي لا تسمح بأن يبيت أبي خارج البيت. أمي في عُمرة ونحن في حاجة لمن يرعانا بصورة مستمرة".
قال الدكتور سيد: أنا ذاهبٌ غدًا.
كانا عندنا في المكتبة وأبي يمارس هوايته في الخط العربي في أوقات فراغه. يفرد فرخ الدوبليكس على المكتب وهات يا إبداع!
- ماذا قلت: ألن تأتي معي؟
يرد أبي: "سيذهب معك أيمن!"
لم أصدق أنني سأحج إلى الميدان. ترددت لحظاتٍ لأنني لست كفؤًا لمصاحبة الدكتور ولكني لم أرفض.
نمتُ تلك الليلة وحلمتُ عشرات المرات أني أردد هتافات التحرير وألقي بحذائي في وجه المخلوع الذي لم يكن حتى هذه اللحظة في الحلم يريد أن ينخلع!
***

صلينا الجمعة في الميدان بعد أن فتشونا وبعد أن ألقى الدكتور سيد نظرة على العيادة الطبية الميدانية وقال إنه في الخدمة لو سمحوا له بمثل هذا الشرف. لكننا ونحن مازلنا لم نتوغل بعد لمحنا لافتة مكتوبًا عليها: "شهداء الميدان!"
لافتة ضخمة جميلة مكتوبة بخط رائع. رمقني الدكتور سيد وداعبني:
- أبوك لا يعرف أن يبدع مثل هذا الخط.
وجدتني أعجب بردي عليه: "ربما لو وجد فيس مثل هذا الجو لأبدع خيرًا من ذلك. المكان وقدسيته يا دكتور!!"

فوجئنا عندما حضرتُ معه للتحرير صباح الجمعة التالية باللوحة ملطخة بالشحم الأسود!
توقف الدكتور سيد طويلا أمام الحروف الموءودة تحت سواد القار، وتدحرجت من فمه كمية لا بأس بها من الشتائم والتقززات!
حتى وهو يصلي لم ينس اللافتة المهانة بالقار! أخبرني بذلك بعد الصلاة وقال لي: "الأسبوع القادم إن كان لنا عمر سأحضر معي الجاز لأزيل هذا السواد وأعيد كتابة اللوحة".

تحمس أبي للفكرة وقال للدكتور سيد: "ربما لا تجدها صالحة بعد محاولة إزالة القار عنها. سأكتب لك على أربعة أفرخ ورق دوبلكس "ميدان الشهداء" بخط جميل، وترص هذه الأفرخ واحدًا إلى جوار الآخر، وتطبع الكتابة على الجدار وتقوم بتلوينها. ما رأيك؟".
- رأيي أن تأتي أنت وتكتبها بنفسك!
- هذا ما أفكر فيه بالفعل ولكني مع ذلك سأتأهب لأسوأ الاحتمالات.

وعندما حل صباح يوم الجمعة التالية أخذ الدكتور سيد القطار ومعه قارورة الجاز وأربعة أفرخ دوبلكس عليها الكلمتان المأمولتان، ولم ينسَ اصطحاب ألوان الزيت والفرشاة.
وبالفعل كان أبي مصرًّا على الذهاب معه لكن أختي تألمت كثيرًا في الليلة السابقة.
رغم ألمها سمعتها تتوسل إليه أن يذهب إلى ميدان التحرير وتؤكد له أنها لو تمكنت من زيارة الميدان ستشفى من جميع آلامها.
- الأيام جاية وسنذهب معا بإذن الله.

وبذلتُ مع الدكتور سيد مجهودًا خارقًا تحت الشمس لإزالة الشحم عن اللوحة دون أن نصاب بأذى. واستطعنا أن ننقذ الحروف من موتها ونبعثها إلى الحياة من جديد.
إذن لن نستخدم الأوراق التي كتبها أبي بخط يده كما كنت أتمنى.
"ميدان الشهداء" واضحة جلية لكن الألوان تحتاج إلى إعادة تلميع. - طبعًا، يقول الدكتور سيد، سنعيد طلاءها بنفس ألوانها السابقة دون تغيير.
وأمسكت له وعاء الألوان وتقلدَ فرشاته وبدأ العمل.
وبالصدفة جاء مصورٌ يعمل لإحدى الصحف الكبرى والتقط الصورة الرائعة.
تجمع الناس في بلدتنا صباح اليوم التالي ليروا صورة الدكتور سيد عبد السلام ومعه فرشاة الرسم بدلا من مشرط الجراح واللوحة تنطق بالفن الراقي أمامه.
لم تكتب الجريدة اسمه ولكن هل يوجد في بلدتنا من لا يتعرف عليه؟
هو، والله هو، وهذه الاسطوانة الورقية على شمال الصورة هي أفرخ الدوبليكس التي زوده بها أبي ولم يستخدمها.
- أهذا خطه؟
- لا، ولكن لهذه اللوحة قصة سأحكيها لكم.
- إذن من الذي كتبها؟
- قلت سأحكيها لكم.

 

شوهد المقال 1945 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي
image

خديجة الجمعة ـ شاه القلب ...أبي

خديجة الجمعة   شاه القلب :هو الذي يعلم أنه إذا غاب أنا بانتظاره، وإن نام اتفقده  . وهو الذي يعلم اشتعال الكلمات بين أصابعي حين اكتب عنه.
image

مريم الشكيلية ـ أوراق مرتبة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان   يدهشني أن كل الأشياء التي تركتها مبعثرة خلفك تترتب في رفوف مخيلتي....رغم تلاشي رسائلك المكتوبة بربيع قلم لا تزال تنبت كالعشب
image

مخلوف عامر ـ المحامية جيزيل حليمي زمن المبادئ والالتزام

 د. مخلوف عامر  تفانَتْ (جيزيل حليمي)في الدفاع عن (جميلة بوباشا) وألَّفت عنها كتابها المعروف بتشجيع من (سيمون دي بوفوار)ورسم بيكاسو صورة مُعبِّرة لـ(جميلة).واستوحِي منه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats