الرئيسية | إبداعات الوطن | قصة | محمد محمد السنباطي ............... الحب فوق قاعدة التمثال

محمد محمد السنباطي ............... الحب فوق قاعدة التمثال

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

محمد محمد السنباطي 
 
قصة قصيرة. "كتبتها بعد بزوغ ثورة 25 يناير بشهرين اثنين تقريبًا".

شيئًا فشيئًا يعود الميدان إلى سابق عهده. تطل عليه شمسُ المباني العالية بابتسام النور. مقاعد من الرخام يتناثر عليها من ينشدون شيئًا من الراحة، أو يترشفون ذكرياتِ أيام مجيدة. السيارات على الكباري العلوية تنثال صعودًا و هبوطًا وحول الميدان. الهتافات المجلجلة والسواعد الملوحة بقوة والأعلام السابحة في المجد، كل ذلك ينبض في ذاكرته الوادعة. مقاعدُ رخامية تتناثر على النجيلة الخضراء المشذبة بعناية. معظمها خالٍ، لكنه لم يتخير سوى قاعدة تمثال الشهيد عبد المنعم رياض. جلس تاركا لساقيه العنان، تتأرجحان أو يكاد يصفق بهما. وجهه إلى عيني حبيبته الواقفة أمامه وظهرها للشمس، بينما تتقد عيناه بالوهج الجديد. علم مصر في يدها زاهي الألوان، اشتراه لها بخمسة جنيهات من أحد الباعة الجائلين في المكان. رآها تتأمل العلم بفرحة كأنما تراه لأول مرة. أشار هو إلى التمثال الشامخ خلفه وأكد لها: "أنا الذي طلعت عليه ومعي علم أكبر من هذا بكثير لأربط ساريته في يده. قلت في نفسي سيكون رائعًا أكثر وهو يحمل علم مصر التي افتداها بحياته. الآلاف كانوا يهتفون: "سلمية سلمية. 
هما لم يتعارفا إلا في ليلة التنحي، أو كما سماها عمر سليمان: "التخلي عن السلطة".
- أمتع خطاب سمعته في حياتي، موجزًا مختصرًا حازمًا قاطعًا، لكنه البشرى السارة. دوت الحناجر وتعانق الناس يقبل بعضهم بعضًا.
- كان الأمر مختلفًا عن الخطاب الذي تلقفه الناس بأحذيتهم.
- كنتِ في الميدان ساعتها؟
- وعندما لمحتُ الأحذية على الشاشة الكبيرة خلعتُ حذائي ولوحت به مهددة!
تركتْ يدها ليديه لحظات. اندفع يحكي مشيرًا إلى أعلى:
"فوق هذا الكوبري كان البلطجية وبأيديهم السيوف يشيرون إلينا أنهم سيذبحوننا، وفوق هذه العمائر العالية ربض القناصة ومعهم أسلحتهم النارية".
طأطأ رأسه: "وهنا في هذه البقعة بالتحديد سمعت صرخة صديقي رأفت. يداه الى أعلى تقبضان على ساقه ووجهه ملتهب. ارتمى على الأرض بين أجساد كثيرة تتموج في غضب. وصلت إليه بصعوبة. حملناه إلى المسعفين في جانب الميدان. وصلنا بمعجزة. الأنين ما زال يطن في أذني، والدم يسيل ويتخثر داخل عيني".
- أسعفوه؟
- علمت أنه نقل إلى قصر العيني ومنها إلى أم المصريين ومنها ذهب به أبوه إلى عيادة طبيب خاص أستاذ متخصص. قال لهم: "ستبقى الرصاصة دفينة في ساقه مع الأسف"..
- لم يخرجوها؟
- قال ستظل مكانها ما دامت مسالمة ولا تحدث مشاكل.
**
مرَّ طفلٌ يبيع بادجات عليها عبارات مثل "شهداء الثورة"، "ثورة الشباب"، "يوم الرحيل"، "يوم الغضب". قالت: "قديمًا قلنا الرصاصة لا تزال في جيبي واليوم نقول الرصاصة ستظل في ساقي!".
سألها عن البادجات: "أتريدين شيئا منها كتذكار؟".
- وهل أنا في حاجة إلى ما يذكرني؟ لقد انخلعت كتفي من طول ما ساهمت في تنظيف الميدان.
مع ذلك اشترى لها ثلاثة بادجات وهي ما زالت تحكي: "وأكثر ما كان يقرصني في قلبي منظر أقارب الشهداء. كانوا يسيرون في الميدان حاملين صور آبائهم أو إخوتهم الكبار. تنظر إلى الوجه الطفل فترى الوجه الآخر الكبير في الصورة: الملامح نفسها، الدم نفسه، السحنة ذاتها، التقاطيع ذاتها مع فارق السن. يقتربون منك فتسألهم عن الاسم أو البلد فلا يجيبون إلا بالصمت. الحزن الشامخ يقبض على ألسنتهم الصغيرة".
اغرورقت عيناها ثم أراقت عليه نظرتها الوادعة.
- ليتني عرفتك منذ اليوم الأول لنتقاسم معًا لطائف المجد!
- العمر أمامنا.
وراحت تلوح بالعلم كطفلة بريئة. ذلك العلم الذي كان مقتصرًا على مباريات كرة القدم. للأسف لم يكن لنا هدف في الحياة.
- والرجل الذي تجاوز الستين ورأيته يتصدى للعصي الكهربائية؟.
- من أجل أولاده وأحفاده. تعالي، اقتربي فالشمس تزحف تجاهكِ بإصرار.
ورفعها إلى جواره في ظلال التمثال: "اجلسي هنا فمنذ أن علقت العلم في ذراعه، وأنا أشعر أنه أبي أو عمي. ما رأيك؟ هل أحملك لتربطي هذا العلم في يده كما فعلت أنا سابقا؟".
- قبل أن نفعل ذلك استعد لسماع هذا النبأ المفجع!
ابتعد عنها شبرًا وأعطاها وجهه متعجبا لكنه تدلل: مستحيل.. خبر غير سار يهبُّ من ناحية حوض النعناع!
- أبي الذي لا تعرفه!
- ما له؟
- من الذين اقترضوا الملايين وهربوا خارج البلاد! ألم تسمع عنهم؟.
وقع بصره على عاشقين سعيدين يتناولان علم مصر من أحد الباعة. البنت سعيدة وهي تلوح بالعلم. 
- انظري! كم هما سعيدان مثلنا.
- أقول لك سرق ملايين بلا عدد!
ملامحها تشي بالبراءة. ملابسها تشي بالبساطة. من المؤكد أنها تمزح وتريد أن ترى رد فعله على مثل هذه الأقوال. رآها تبتسم فاستبشر خيرًا. جاءه صوتها أخيرًا:
- هل زعلت؟
- أرى أنك تمزحين.
- هل تذكر ما كان مكتوبا على اللافتة التي كنت أطوف بها في الميدان في اليوم التالي للتنحي؟ اليوم التالي لتعارفنا: "ما تزعلش يا ريس، كنا بنهزر معاك!".

 

 

شوهد المقال 1939 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

عماد البليك ـ لماذا يغني السودانيون؟ (2)

عماد البليك   يلفت الشاعر والباحث السوداني عبد المنعم الكتيابي في إطار قضية السفر والترحال في الأغنية السودانية، إلى أن السفر في جوهره هو نزوع
image

الدكتورة جميلة غريّب؛ عبقريّة العربيّة في معجزة القرآن، ولغة الحوسبة -2-

 د.جميلة غريّب  أ‌- نماذج من أنواع الألفاظ الجديدة بالقرآن الكريم:  تكمن خصوصية اللفظ في القرآن الكريم في جدته اللفظية والمعنوية، فقد تظهر في:- جِدَّة في جذره واشتقاقاته، وغالبا
image

محمد محمد علي جنيدي ـ إِبْتَهَال

محمد محمد علي جنيدي        يَمْضِي بِنَا رَكْبُ الحَيَاةِ كَعَابِرِ أخْفَى المَواجِعَ في عَبَاءةِ صَابِرِ يا طَالِبَ الدُّنْيَا سَتَفْنَى مِثْلُهَا لم يَبْْقَ مِنْكَ سِوَى تُرَابِ مَقَابِرِ
image

العربي فرحاتي ـ الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..

د. العربي فرحاتي   الكورونا..وضعت الباراديجم العلمي أمام امتحان ..تطور مرعب جدا..بما أودع الله فيه من ذكاء وفطرة ..ظهر عند الانسان ما يسعد الانسان وانبثقت من فطرته الحياة
image

سعيد لوصيف ـ مجتمعات ما قبل الفكرة

د. سعيد لوصيف Changeons de Regard.. Changeons de voie.. في مجتمعات ما قبل الفكرة ؛ أي تلك المجتمعات التي يحدد معالمها المجسد وتصوراتها المقدس الهوامي (fantasmatique)
image

أحمد سليمان العمري ـ حرب النيل... سدّ النهضة المثير للجدل

 د.أحمد سليمان العمري ـ دوسلدورف النزاع بين إثيوبيا ومصر حول مشروع سدّ النهضة الضخم، أو كما يُسمّى في إثيوبيا سدّ الألفية الكبير قائم منذ سنوات. اليوم بدأت
image

عثمان لحياني ـ تونس ونكسة اخرى للثورة المضادة ولا عزاء

 عثمان لحياني  نكسة أخرى للثورة المضادة ولاعزاء، عيد مُر ورصيد رعاة الانقلابات غير كاف مرة أخرى ،الديمقراطية تنتصر على المال الفاسد و الفاشية الجديدة التي
image

خديجة الجمعة ـ شاه القلب ...أبي

خديجة الجمعة   شاه القلب :هو الذي يعلم أنه إذا غاب أنا بانتظاره، وإن نام اتفقده  . وهو الذي يعلم اشتعال الكلمات بين أصابعي حين اكتب عنه.
image

مريم الشكيلية ـ أوراق مرتبة

مريم الشكيلية ـ سلطنة عمان   يدهشني أن كل الأشياء التي تركتها مبعثرة خلفك تترتب في رفوف مخيلتي....رغم تلاشي رسائلك المكتوبة بربيع قلم لا تزال تنبت كالعشب
image

مخلوف عامر ـ المحامية جيزيل حليمي زمن المبادئ والالتزام

 د. مخلوف عامر  تفانَتْ (جيزيل حليمي)في الدفاع عن (جميلة بوباشا) وألَّفت عنها كتابها المعروف بتشجيع من (سيمون دي بوفوار)ورسم بيكاسو صورة مُعبِّرة لـ(جميلة).واستوحِي منه

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats