الرئيسية | إبداعات الوطن | خاطرة | شيء من حياتي بقلم خديجة ادريس

شيء من حياتي بقلم خديجة ادريس

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
ذات صباح استيقظت من فراش همومي مريضة جدا ، وقد تركت على سريري بقايا أفكار لم تستسلم لها روحي بعد ...لا رغبة اليوم عندي للحركة .... هكذا قرّرت أن أعيش هذا اليوم الحار في فصل البرد ... كابرت وارتديت ثوب المحاولة في أن أكون كأيّ شخص عادي يستيقظ من النّوم متجها إلى عمله ... ناولتني حقيبة يدي يدها وارتديت رغبتي النائمة.. تركت في فراشي كلّ ما يدعوني للتفاؤل والمرح ..... وحينما دخلت مقرّ عملي وانهمكت قليلا في بعض الأعمال العالقة ، اتّجهت نحوي إحدى المنظّفات اللواتي يعملن هناك .... قاطعتني وبدأت تحدّثني عن ابنتها وأنا لا رغبة لي في تبادل أي حوار مع أيّ أحد ولا حتى ان أضحك في وجه من حملتها إليّ معها .... فمن واجب الكبار دائما أن يبتسموا ولو تمثيلا أمام الأطفال خاصة لو كانوا مميّزين مثل هذه الطفلة ... وشيئا فشيئا تركت القلم ووضعت العمل جانبا وبدأت أصغي باهتمام لهذه الطفلة ولأمّها ... حيث قالت لي أنها مصابة بمرض النّسيان المزمن وذاكرتها لم تبدأ بعد في نشاطاتها .... لا بل تعطّلت جميع وظائف الذاكرة عندها ........ فاحترت كيف لهذه الطفلة أن تعيش من غير ذاكرة ... أليس عجيبا أن تقف أمامي طفلة محرومة من الذاكرة والذكريات ؟.... فبعضنا بل كلّنا ينبذ الذاكرة أحيانا .... لأنها لا تنسى شيئا ولا تطاوعنا في نسيان ما نرغب ... أما هذه الطفلة فهي تبحث عن ذاكرتها التي لم تعرفها بعد ، لم تجرّبها بعد .... أجلستها قربي مستسمحة إياي في ذلك ... وتركتها عندي لبعض الوقت .... فبدأت أحدّثها عن أحلامها عن حبّها للمدرسة وعن معلّمتها التي تحبها بدلا من معلّمها الجديد فقلت لها هل تعرف معلّمتك انك تحبينها كلّ هذا الحب قالت لي لا فأجبتها عليك آن تخبريها بذلك في المرة القادمة وتبادرت في ذهني فكرة وكأن المرح والنشاط الذي تركته في البيت قد استقلّ عصفورا خاصا ليلحق بي فتبادلنا الضحك سويا وشاطرتها القلم لتكتب وترسم لمعلّمتها حبّها لها ..... لأني رأيت انه من غير المعقول ان تبقى مشاعرها حبيسة قلبها الصغير فأردت أن أجسّدها في رسالة وكأنّنا نتحدّى النسيان القابع في عقلها الصغير .... ونهزمه بالكتابة والرّسم والتعبير .... وفعلا شددت على يدها ورسمنا سويا على الورق كثيرا .... وبدت الطفلة غارقة في الفرحة والسعادة كما أغرقني حضورها بذلك حين عجزت كلّ الدنيا وجميع العصافير المحلّقة بين الشجر والبنايات .... وحتى الفضولية منها التي لا تغادر النوافذ لنقل بعض القصص والحكايات ... كفتات الخبز وحبّات القمح ... حين رجعت والدتها أدركت أن شيئا ما تغيّر في ملامح ابنتها المنفية من جزر الأحلام ..... وكأنّها صارت تشبهني للحظة ولكن بطريقة أخرى أقسى وأمرّ فذاكرتها المفقودة لا تمنعها من أن تبتسم وتتحدّث ملء جفونها .... وتتتبّع بصفاء كلّ الأساليب التي توصلها الى السعادة ... فسألت والدتها وهما على وشك المغادرة هل تعيدينني إلى هنا ؟ وغادر صوتهما مكان عملي ونظرت صوب النافذة وقلت ....هناك بعض البشر كالعصافير أرواحهم الصغيرة تدقّ باب قلبك كثيرا لتغمره بالفرح واستأنفت عملي من جديد وغادرني الحزن واليأس لبعض الوقت ... وكانت زيارتها البريئة لي الخالية من الأخطاء والسّواد ... من أشهى أطباق القدر التي ذقتها .....لأنّها سدّت جوع حزني مؤقّتا 
وكأنها تقول لي كوني أنا .. أو كوني أنت ... أو كوني هو ... المهم أن تكوني ... وكأنها تستجدي ذاكرتي .. تشتهي أفكاري تطالبني بماض لا تعرف الوصول إليه أبدا ... فلتحمدوا الله لانّ لكم ذاكرة ... لكم مساحة للنسيان ... لكم ماض يستنسخ خلاصة حياتكم ... وطفولتكم ... هكذا قالت هي من غير ذاكرة ... وهكذا صرت أعترف أن ّخروجي الصباحي كان غير موفّق أبدا لأني كفرت بما أملك ... وخذلت من أحبّهم لأنهم مثل الوحي ينزلون عليك كلّ مرّة بآية حبّ جديدة .. تستدعي الحفظ الأبدي ... لا الإقصاء المؤقّت لحظة غضب عابر 
بقلم : خديجة ادريس

شوهد المقال 3628 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

ناصر جابي ـ هل تتجه الجزائر نحو أسوأ السيناريوهات؟

د. ناصر جابي  تعيش الجزائر هذه الأيام حالة استقطاب سياسي حاد، يمكن أن يؤدي إلى ما يحمد عقباه في الآجال القريبة، إذا استمرت الاتجاهات
image

محمد هناد ـ لا لانتخابات رئاسية مفروضة !

د. محمد هناد  أيها السادة أعضاء القيادة العليا للجيش الوطني الشعبي :  القرار الذي اتخذتموه بصورة متسرعة وانفرادية بشأن إجراء انتخابات رئاسية قبل
image

خيط الدم للشاعر الإيراني علي موسوي كرمارودي ..ترجمة الشاعر العراقي محمد الأمين الكرخي

ترجمة : محمد الأمين الكرخي         لابد من أن نراك متجليا في الحقيقة وفي العشب الذي ينمو وفي الماء الذي يروي وفي الحجر الذي للصمود يرمز وفي
image

علاء الأديب يصدر ديوانه الثامن عشر { المرأة الحلم } في بغداد

المرأة الحلم ..قريبا في بغدادديوان جديد للشاعر العراقي المغترب علاء الأديبفي موعد قريب ومن بغداد سيصدر الشاعر العراقي علاء الأديب المقيم في تونس ديوانه الثامن
image

وليد بوعديلة ـ ذاكرة "قالمة " وهويتها في رواية سنوات المحبة للأزهر عطية

د.وليد بوعديلة  رواية " سنوات المحبة" للكاتب الجزائري الأزهر عطية:تحولات وطن،وهج فني وهوية مدينة بعد أن أبدع الكثير من النصوص التي عانقت التاريخ الجزائري، يختار الكاتب
image

محمد محمد علي جنيدي ـ هاجروني وعلى الجرحِ مشيتُ

 محمد محمد علي جنيدي- مصر           هاجروني وعلى الجرحِ مشيتُ يا فؤادي لا تسلْ كيف ارتضيتُ هذه الدنيا قلاعٌ من عذابٍ وسيولٌ من دموعي فاكتفيتُ كانت الأيامُ
image

معتقلي الرأي في الحراك الشعبي الجزائري

ابراهيم دواجي  اخوتي: محمد دعدي، توفيق حلاتي، محمد سمالح، نبيل بوالقمح، رضا عمرود، رابح بلكور، الشيخ ڨاريدي، رشيد، رضا بوعريسة، بوعلام الغاز، الصادق، بشير،
image

زوايمية العربي ـ محمد شرفي وتاريخه الأسود ضد الجزائريين

 زوايمية العربي  محمد شرفي الاسم الذي لم انساه منذ 33 سنة . افلاني ريعي من ولاية قالمة كان صديق
image

البروفيسور الجزائري عبد العزيز برغــوث يحرز على جائزة التميز الدولية لهذا العام "جائزة جواهر العالم الإسلامي" بمساهماته في وضع خطة ماليزيا للتنيمة 2050 منذ سنوات

محمد مصطفى حابس : جنيف /  سويسرا The JEWELS OF MUSLIM WORLDLes joyaux du prix du monde musulman هجرة العقول أو الكفاءات ظاهرة تاريخيّة لم ترتبط بمكان
image

حمزة حداد ـ المختفون قسرا في الجزائر حراك مستمر

حمزة حداد  منذ أسبوع تدخل الأستاذ مصطفى بوشاشي بمقر حزب الافافاس، حول قضية المساجين السياسيين والمفقودين بدزاير في فترة التسعينات، وتحدث عن حجم المعاناة

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

3.00
Free counter and web stats