الرئيسية | إبداعات الوطن | خاطرة | بشير بسكرة ـ ذكريات مع حراك 22 فيفري

بشير بسكرة ـ ذكريات مع حراك 22 فيفري

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image
بشير بسكرة 
 
لا يزال ذلك اليوم عالقا في الذاكرة. أستذكره بكل تفاصيله كأنه حدث بالأمس، و أنا اليوم أعيش أثره النفسي و الفكري بكل فخر ..

لقد كان يوما هادئا في البداية، حيث استيقظت صباحا و كانت ساعة الهاتف تبدو و كأنها تشير الى التاسعة كعادتها. تفقدت الهاتف لعلي أجد بعض المكالمات أو الرسائل الخاصة لكن ذلك كان دون جدوى. و بسرعة أيضا اتجهت مباشرة الى الفيسبوك حيث كنت أترقب أية أخبار عن ما كانت بعض الناس تتداوله بالأمس من ذلك عن احتمال خروج الشعب في تظاهرات سلمية رفضا للعهدة الخامسة في ذلك اليوم، و قد كان يوم جمعة ..

وجدت بعض المنشورات هنا و هناك عن خروج بعض المجموعات من الشباب في العاصمة و بعض المدن الأخرى، انتابني نوع من الرعشة، ربما كانت “رعشة الفرفارة” كما يسمونها. لكن في المقابل وجدت منشورات أخرى تنبأ بقمع و اعتقالات مارستها مصالح الأمن و عناصر الشرطة تجاه المتظاهرين فسرعان ما اضمحلت تلك الرعشة و بردت.

كان لدي نوع من الأمل البسيط بعدما سمعنا بما حدث بالأمس في مدينة خراطة ان لم تخني الذاكرة، حيث قام جمع من الشباب متظاهرين بنزع صورة الرئيس السابق للجزائر و كابوسها الأعظم الذي دام عشرين سنة و لم ينته وقعه الى اليوم، “بوتفليقة” و داسوا عليها بالأقدام !

كان بوتفليقة يمثل الوجه المدني للسلطة آنذاك، مع أنه كان قليلا ما يظهر الى العلن أو في شاشات التلفزة. لقد كان مقعدا و مشلولا بأكمله، كان أشبه بعروسة قراغوز تتحكم بها خيوط خفية من وراء الستار. و رغم كل هذا كان ينوي تقديم ملف الترشح للرئاسيات مرة أخرى، أو أن الخيوط الخفية كانت تنوي .. لا علينا ..

كان لدي نوع من التردد فيما يخص هذه المظاهرات التي يعزم الناس على خوض غمارها، ربما كان ذلك التردد يعود الى السيكولوجيا التي حملتها أذهاننا منذ نعومة الأظافر. و أقصد طبعا عقلية الخوف من النظام (مع أن كلمة نظام لا تليق به) و الخوف ن انتقاد السلطة و أوجهها بل الخوف من التعبير أيا كان شكله .. “أخطيك من البوليتيك” .. “نتا ما عشتش التسعينات يا ولدي” .. “لي دخلوا ريسانهم في هكذا أمورات قاع كملوها مال” .. هكذا كانت تتردد هذه الجمل على مسامعنا هنا و هناك، و تقف كالسوط في يد الجلاد فوق ظهر كل من يحاول الحديث عن أمر متعلق بالسياسة أو بالحكومة أو … فمن الطبيعي جدا أن يكون لدي ذلك التردد.

أقولها صراحة، لقد كنت خائفا. كان رأسي مليئا بالسيناريوهات الممكنة الحدوث، قمع، اعتقالات، خراب، سوريا، لعنة الربيع العربي، فوضى، انفلات امني … كلها كانت افكار و هواجس تقلق البال قبل صلاة الجمعة من يوم 22 فيفري 2019.

كان الفيسبوك و وسائل التواصل الإجتماعي الاخرى مليئا في ليلة الخميس، أي قبل المظاهرة بليلة واحدة. بمثل هذه المنشورات المحذرة. بعضهم كان يملك كما مرعبا من الامل لكنه يوصي و يكرر بالسلمية و توخي الحذر، و البعض الآخر كان يرفض كل هذا و يخضع لأمر الواقع و يبدي تخوفه من الغد. أما ما دعاني الى السخرية فهي جماعة أصحاب اللحى الطويلة الذين كانوا يتداولون بشدة على حوائطهم حديث “وجوب طاعة الحاكم”. و أذكر ذلك الشاب الذي كان يرد عليهم بسخرية قائلا “ما غاديش نخرجوا عن طاعة الحاكم، غادي نخرجوا نحوسوا عليه !!” و كان يقصد “بوتف” و قد صدق.

أما أنا فاكتفيت بالتجول على صفحات الفيسبوك و ترك الإعجابات و ضحكات السخرية هنا و هناك و لم أكتب منشورا واحدا. إنه القلق الذي يجعل من الدقيقة ساعة و من الساعة يوما بأكمله.

كل ما قلته الآن يمكنني اختصاره في كلمتين بسيطتين تختصران كل شيء، انه “حاجز الخوف”.

بعد طول انتظار و بالضبط عند الساعة الثانية و النصف بعد الزوال، حيث تنتهي صلاة الجمعة و يبدأ المصلون بالتقاط أحذيتهم عند باب المسجد، التقطت الهاتف مباشرة و تفقدت بعض الصفحات لكن لا خبر. ما الذي يحدث يا ترى ؟ ماذا حل بمنشورات الأمس ؟ كيف حا العاصمة ؟ لكن بعد مرور برهة بدأت اللايفات في التهاطل موجة واحدة و فيها نقل مباشر لشوارع العاصمة و هي تمتلأ درجة درجة بالمتظاهرين و تنطلق أيضا من هنا و هناك بعض الشعارات و أغاني الألتراس لنوادي كرة القدم (المولودية خاصة) حيث كان الملعب منبرا سياسيا قبل تلك الجمعة و الكل يشهد على هذا و ما تزال الأغاني التي ألفها المشجعون تحمل ذلك الأثر الشاعري على نفسي الى اليوم ..

“سلمية سلمية” .. “جمهورية ماشي مملكة” .. ماكانش الخامسة يا بوتفليقة” كلها كانت شعارات و أغاني رددها المتظاهرون بعد أن أصبحوا أكثر عددا من رجال الشرطة المنتشرين بخوذهم الزرقاء و شاحناتهم المخيفة (نعم مخيفة، ففي بلدي يشعر المواطن بالخوف و الخطر بدلا من الأمان و الطمأنينة عندما يرى سيارة الشرطة و الأمن تمر من أمامه).

كنت في ذلك الحين ما أزال في القرية التي أسكن فيها (بلدية تيزي و هي بلدية تقع على بعد تسعة أو عشرة كيلومترات عن عاصمة المدينة معسكر) لم أنتبع على حالي و ظللت أقلب اللايفات و الصور و الاخبار على الفيسبوك الى أن اصطدمت بصورة لمجموعة لا بأس بها من المتظاهرين و بدى لي المكان مألوفا و سرعان ما عادت تلك الرعشة الى الوجود عندما قرأت ما كتب فوق تلك الصورة “مباشرة من ولاية معسكر”. اختلطت علي الاحاسيس في تلك اللحظة طبعا لكن كل ما فكرت فيه هو كيف استطيع ان اصله الى ذلك المكان باقصى سرعة. و استقليت الحافلة مباشرة. و ما هي الا برهة قصيرة حتى وصلت الى رأس الشارع المودي الى المكان الذي تجمع فيه المتظاهرون “Place de l’Emir Abdelkader” أو “Sous la place” كما يحب المعسكريين تسميتها. و ما هي الا بضع خطوات حتى وجدتني وسط جمع من الشباب و الشيوخ و الكهول بل حتى الأطفال يحملون الراية الوطنية، و أردد نفس الأغاني و الشعارات التي يرددون.

كانت هذه هي اللحظة التي تحطم فيها نوعا ما ذلك الجبل الجليدي، جدار الخوف .. الخوف من الشارع، من التعبير، من ابداء الراي .. و كانت بداية رحلة جديدة جنبا الى جنب مع الشعب بكامل أطيافه، و تجربة فريدة من نوعها. كانت أو تظاهرة سياسية أشارك فيها في حياتي. تعلمت الكثير و استفدت و لازلت أستفيد منها و تعرفت على أناس جدد مرتبطون بذكريات جميلة تزهر الخاطر دائما. و كانت هذه هي التجربة التي سبقها التردد و الخوف و التي احتاجت عشرين سنة كاملة من التراكم كي تنفجر ..

شوهد المقال 308 مرة

التعليقات (1 تعليقات سابقة):

Bachir Bessakra في 03:33 26.09.2020
avatar
شكرا على النشر لكن فقط هناك خطأ في الاسم .. بشير بسكرة (بسكرة لقب) .. شكرا لكم

التحرير : نعتذر منكم وتم التصحيح وشكرا لكم

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

حارث حسن ـ أفكار عن الازمة التي اثارتها الرسوم الفرنسية

د. حارث حسن ليس جديداً القول ان تعامل البعض في فرنسا واوربا مع "أزمة الإسلام" المفترضة يتسم بالتبسيط، وان الطلب من "المسلمين" ان يتصرفوا كالمسيحيين واليهود
image

العربي فرحاتي ـ نتخابات " الريح والهواء" / الغباء ..في مواجهة الذكاء والدهاء

د. العربي فرحاتي  بعد تجاهل السلطة الفعلية لمرض الرئيس وتأكد تعذر حضوره الاستفتاء.. وبعد تكاثر الموت بالكوفيد..ومع ذلك مضت في تنفيذ اجراءات كرنفال الاستفتاء دون اعتبار
image

محمد هناد ـ أهو استفتاء أم استهتار ؟

د. محمد هناد  غدا، الفاتح من نوفمبر، سيجري الاستفتاء على مشروع الدستور الجديد. ربط الاستفتاء بهذه الذكرى يوحي بما فعله الفيس في انتخابات ديسمبر 1991 حين
image

رياض حاوي ـ لماذا أشجع مارين لوبان كي تصبح رئيسة فرنسا

د. رياض حاوي  انا من انصار المقاربة البنابوية أن الاستعمار هو نتيجة القابلية للاستعمار، وأن الحضور القوي للارادة الفرنسية في الساحة الجزائرية هو بسبب وجود بقايا
image

جباب محمد نور الدين ـ اللقاء مع ماكرون يتلخص في جملة واحدة : أعبد إله الإسلام كما تشاء ولا مكانة لشريعة الإسلام

د. جباب محمد نور الدين  يبدو أن جيشا كاملا من المتخصصين والخبراء كانوا وراء تحضير لقاء مكارون مع قناة الجزيرة ولا استبعد أن
image

عبد الجليل بن سليم ـ شعب عاطفي شعب عنيف شعب سخون ماذا نحن بالضبط ؟!!

د.عبد الجليل بن سليم  دائما عندما التقي بشخص غير جزائري و يكون من المشرق، عندما نقولو بلي أنا جزائر يقول أهل الجزائر دمهم حامي، شعب سريع
image

وليد عبد الحي ـ اليمين الأوروبي والعنف

أ.د.وليد عبد الحي ساهمت مجموعة من العوامل في تصاعد واضح لقوى اليمين ( ذات النزعات القومية) في الجسد السياسي الاوروبي (وايضا الامريكي)، وتتمثل محفزات
image

نوري دريس ـ الحل السحري للسلطة في الجزائر

د. نوري دريس   الأمر الذي يزعج السلطة منذ بداية الحراك, هو رفض الجزائريين للانخراط في احزاب قائمة او تأسيس احزاب جديدة تمثل وتتحدث باسم الجزائريين
image

عثمان لحياني ـ صدفة المفارقة بين أكبر مسجد في افريقيا ورئيس يعالج خارج الجزائر

عثمان لحياني  الصدفة التي تجمع في يوم واحد ، بين افتتاح جامع الجزائر الأعظم للصلاة ، وهو منجز لاشك قيم في عنوانه وعمرانه. وبين نقل الرئيس
image

رشيد زياني شريف ـ عندما لا تعني أكثر من نعم

د. رشيد زياني شريف  السياسة ليست علوم دقيقة ولا تنجيم ولا ...نوايا فحسب، بل قراءة متأنية بناء على تجارب متراكمة ونظرة اسشرافية، من اجل تحقيق الهدف

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats