الرئيسية | إبداعات الوطن | خاطرة | شارف محمد - سياط الذكريات

شارف محمد - سياط الذكريات

بواسطة
حجم الخط: Decrease font Enlarge font
image

 

 شارف محمد

 

 

الذكريات ذلك السوط الذي يجلد ذاتك ويترك عليها أخاديد لن يستطيع الزمن بكل همومه محوها أو إزالتها ..تلك المركبة البراقية التي ينتفي معها قانون الزمان والمكان وتعود بك إلى الوراء كيف شاءت دون استئذانك ..سهرت ذات ليلة وليس من عادتي أن اسهر إلا على كتاب أو مجلس نقاش مع صحب لم أبعهم بملء الأرض ذهبا ..قلت :سهرت بعد أن أنهيت إحدى خربشاتي التي تسامرت فيها مع شاعرة طلبت مني أن أكتب مقدمة لأحد دواوينها التي ستنشرها في بيروت ..وبدأت بعض الجمل المفتوحة النوافذ تفرض علي أن أرخي العنان للذاكرة لتعود إلى الوراء حيث الزمن الجميل الذي يفوح بروائح العطر وذرات الخير والبركة ..فعصيتها لكيلا أقلب على نفسي المواجع وأنكأ جراحات عميقة تناساها العقل ولم يشف القلب منها..حاولت النسيان ..وعبثا حاولت ..تذكرت قول الشاعر المصري أحمد رامي :
ذكريات عبرت أفق خيالي ::بارقا يلمع في جنح الليالي 
وتذكرت كيف تشدو بها أم كلثوم ..وكيف كنت أنفعل بها ..وأتمايل طربا ..وكيف كانت تحرك مشاعري حتى يخيل إلي أن المسافة تنعدم بين الواقع والأحلام الجميلة ..ولكن الزمن غير الزمن ..رحل الفكر بعيدا ..وعاد إلى مدينة بلعباس (بالغرب الجزائري)في نهاية السبعينيات وكيف كان فيها كل شيء شاعريا ويدعوك للسباحة في بحر رومانسياتها الجميلة ..وقادني الخيال إلى شوارعها ودروبها القديمة ..شارعا ...شارعا ...وذكرني بصحب كرام ..درسنا معا ..ولهونا معا ..واشتركنا في تفاهات الشباب معا ..صحب دخلوا حياتي دون استئذان وتربعوا على عرش قلبي حيث لم يكن لنا يومها شيء نعتز به غير قلوبنا البريئة الجميلة ..منهم من لقي ربه ..ومنهم من فرقت بيني وبينه قساوة الحياة وتصاريف القدر ..
**توقف الخيال ورفض أن يستمر في الجولان اللازماني ..وألححت عليه محاولا إرخاء الزمام له ..ولكنه رفض وتسمر في مكانه ..استغفرت وحوقلت وحاولت أن أنفض غبار الذكريات وأتدثر بغطائي وأنام ولكن النعاس أبى أن ينصاع لي ...عدت لأريكتي وحاولت الكتابة ولكن العقل كان محجوبا عن الواقع والفكر ...وضعت القلم جانبا وتمددت محاولا طرد الكسل والغفلة ..ولكن فكري ليلتها لم يكن ملكا لي ..لقد كان أسيرا لماضي لم أتخلص منه لغاية اللحظة ..صمت فغزت مخيلتي قصيدة (قصة الأمس)للشاعر أحمد فتحي والتي أدتها آم كلثوم بروعة منقطعة النظير ..
يسهر المصباح والأقداح والذكرى معي 
وعيون الليل يخبو نورها في مدمعي 
يا لذكراك التي عاشت بها روحي 
على الوهم سنيــــــــــــــــــــــــــــــا
فقرت السهر ..وكنت كمن يملي على نفسه رواية هو بطلها ،ولكنه بطل لا كالأبطال ..بطل منهزم بكل المقاييس ..تذكرت لقاءات ..وأماكن ..وأحداث ..ومصيبتي ولست أدري أهي منحة أو محنة أن كل من يدخل حياتي لا يخرج منها إلا إذا غادر البلد أو الحياة ..وغادرني الكثير وآلمني الفراق ...ولكنني كالنسر الجريح الذي لم يستطع التحليق في السماء كعادته ولم يسمح له كبرياؤه أن يلعب مع صغار العصافير ..وأخيرا فرضت على الخيال أن يتوقف فأمسكت المصحف ورحت أتلو قوله تعالى (ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمى ...)..ورحت أتأمل الخطاب الرباني ..وبدأت نفسي تتضاءل ونسيت كل شيء ..وغاب الكل ولم يبق معي إلا ربي بعلمه وقدرته ورعايته ..وتذكرت قول الشاعر :كن مع الله تر الله معك ..
ولم أشعر إلا والنعاس يغزو عيني فقمت ودخلت الفراش واستسلمت لنوم عميق ..


وهران

 

شوهد المقال 6088 مرة

التعليقات (0 تعليقات سابقة):

أضف تعليقك comment

  • أرسل إلى صديق أرسل إلى صديق
  • نسخة للطباعة نسخة للطباعة
  • نسخة نصية كاملة نسخة نصية كاملة
طالع أيضا
image

جيهان أبواليزيد - أحمد خالد توفيق .. تركتك تغزو عقلى فكيف تكون قصاصاتك قابلة للحرق ؟

 د.جيهان أبواليزيد  هل فهمت الآن الحكمة من كون عمر الإنسان لا يتجاوز الثمانين على الأغلب؟. لو عاش الإنسان مائتي عام لجن من فرط الحنين إلى أشياء
image

رشيدة زروقي - وضع عبد الله بن نعوم عينة من واقع حقوق الإنسان في الجزائر محكمة غليزان تدين الناشط بن نعوم بالسجن سنتين نافذة

 رشيدة زروقي  وضع عبد الله بن نعوم عينة من واقع حقوق الإنسان في الجزائرمحكمة غليزان تدين الناشط بن نعوم بالسجن سنتين نافذة      
image

شكوى من مظلوم تعرض للظلم والتعسف من محكمة حجوط إلى وزير العدل الجزائري

 السيد زقاوة محمدرقم القيد 13382 مؤسسة إعادة التربية و التأهيل القليعةبسم الله الذي ليس مع عدله عدل لا في الارض و لا في السماء و
image

ناهد زيان - مدرسة إلهام ذهني التاريخية

 د. ناهد زيان إن كنت من المهتمين بالتاريخ عموما أو من الدارسين له والباحثين فيه ولاسيما التاريخ الحديث فإنك حتما تعرف من هي الدكتورة "إلهام محمد
image

بوفاتح سبقاق - الكاذب الرسمي

بوفاتح  سبقاق الزعيم منزعج و متشائم بخصوص إستمرارية حكمه ، إشاعات كثيرة هذه
image

حميد عقبي -جوع

حميد عقبي             هذه الأرصفة الجائعة تبدو وحيدة ترتجف تلك خطواتنا لا أثر لها الآن مصباح الشارع يلتزم الصمت كانت هنالك حافلات مزركشة كانت
image

وليد بوعديلة - قصة حيزية عند الشاعر الفلسطيني عز الدين المناصرة

 د. وليد بوعديلة (حيزية) هو اسم امرأة جزائرية، سجلت الذاكرة الشعبية قصتها التي وقعت في القرن التاسع عشر، وهي حسب قصة رواها
image

شكري الهزَّيل - خُذ غصنك وارحَّل!!

د.شكري الهزَّيل لا ادري متى ضبطا بدات علاقتي او ملاحظتى ووعيي بتلك الشجرة الضخمة الوحيدة وسط ارض شاسعه وواسعة وشبة قاحلة,
image

جيهان أبواليزيد - من سيذهب ليقول " يُتبــــع " ومن سيذهب ليقول " تــــم " ؟

   د. جيهان أبواليزيد  كأس العالم ...أعتبرها فرصة لتصفية خلافات وأحقاد سنين فمن لم يأتى بالسياسة يأتى بالرياضة ، فخريطة المجموعات الغريبة إلى حد
image

جيهان أبواليزيد - الهند ليست سيف على خان وكاترينا كييف

 د. جيهان أبواليزيد ذهبت مع صديقتى رافينا وريشما وهما من المسلمات الجديدات بمكتب الدعوة والارشاد بالأحساء  شرقى المملكة العربية السعودية وذلك للتعرف على كومار عامل نظافة ببلدية الإحساء وسابقا عامل صرف صحى بالهند، أردت أن استنطقه لما دفعه لاعتناق الإسلام وعن

:

لا توجد مدونات لهذا الموضوع

قيم هذا المقال

0
Free counter and web stats